رغم فداحة وعظم الجرائم والمجازر المُرتكبة بحق الفلسطينيين، وبشاعة الأوضاع الإنسانية في قطاع غزة، عقب 47 يوما من العدوان الصهيوني، إلا أن الخسارة الاستراتيجية لإسرائيل أكبر بكثير، سواء على المستوى الاقتصادي أو الديمجرافي بعد هروب مئات الآلاف من المغتصبين الصهاينة، ولكن الأثر الأكبر هو الخسارة العسكرية للكيان الصهيوني، وهي الأشد إيلاما للجيش الإسرائيلي، الذي حافظ على صورته الذهنية في العالم والمنطقة العربية ، بأنه الجيش الذي لا يقهر، وقدراته العسكرية الكبيرة، وتمويلاته المليارية للأسلحة الحديثة والتدريبات وغيرها، إلا أن حرب طوفان الأقصى كشف عورته تماما.
ولعل التعتيم العسكري الإجباري عن حجم الخسائر هو أشد ما يحرص عليه نتنياهو وحكومته، تجنبا للمحاكمة السياسية من قبل الصهاينة أنفسهم.
فرغم إعلان الجيش الصهيوني أن عدد قتلاه العسكريين لا يتجاوز نحو 383 فقط، خرج قبل أيام، أحد موظفي إحدى المقابر المخصصة للعسكريين ليعلن أنه دفن نحو 50 عسكريا خلال 48 ساعة، وهي إحصائية كبرى تكشف أن تلك المقبرة استقبلت أكثر من ألف قتيل صهيوني عسكري، خلال أيام الحرب الدائرة، وهي مقبرة واحدة من ضمن العديد من المقابر.
وفي سياق آخر، كشفت صحيفة “يديعوت أحرنوت” العبرية، أن جيش الاحتلال الإسرائيلي قام بتسريح آلاف من جنود الاحتياط الذين لم يشاركوا بالعملية العسكرية في قطاع غزة.
وذكرت الصحيفة أن تلك العملية جرت دون إعلان رسمي، مشيرة إلى أن الجيش يعتزم تسريح آخرين بناء على تقييم الوضع.
وبعد يومين من عملية طوفان الأقصى التي نفذتها كتائب القسام، وأسرت خلالها المئات من الإسرائيليين، أعلن جيش الاحتلال استدعاء نحو 300 ألف جندي من قوة الاحتياط، وكان العدد الأكبر في تاريخها.
وفي حينها نقل العسكريون الاحتياطيون الإسرائيليين من جميع أرجاء العالم بواسطة طائرات النقل.
ونقلت الصحيفة عن ضابط بالجيش الإسرائيلي قوله: إن “هناك رغبة للسماح بالعودة إلى النشاط الاقتصادي”.
وأضاف: “لا نريد إرهاق القوات، سيتم بذل جهد إضافي لتسريح المزيد من خدمات المستدعين، بناء على تقييم الوضع”.
وأعلن الجيش الإسرائيلي عن ارتفاع إجمالي جنوده القتلى منذ 7 أكتوبر الماضي إلى 388، وفق روايته غير الواقعية.
جاءت تلك التسريبات عن تقليص عدد جنود الاحتياط بالتزامن مع أنباء عن إعطاء دولة لاحتلال الضوء الأخضر لإتمام عملية تبادل الأسرى مع حركة المقاومة الفلسطينية حماس.
وفيما تشير تقديرات استراتيجية، إلى ضعف مستوى القوات الإسرائيلية المقاتلة على الأرض، وتدني مستوياتهم العسكرية، وهو ما أوقع في أوساطهم الكثير من القتلى والأسرى، من قيادات عليا، حسبما بثتها كتائب القسام.
وكان العديد من الجنود الصهاينة اشتكوا من صعوبة التحرك على أرض غزة، وقد وثقت كتائب القسام مئات العمليات الخاصة التي أوقعت القتلى والضحايا في أوساط الجنود الصهاينة، في عمليات من المسافة صفر، بجانب إعطاب وتدمير مئات القطع العسكرية ودبابات الميركافا شديدة التحصينات والعربات العسكرية.
استراتيجية حماس العسكرية
وعلى عكس الحرب المستمرة بين روسيا وأوكرانيا منذ 24 فبراير 2022، اختارت حماس خوض حرب غير تقليدية مع إسرائيل لتحييد تفوقها العددي والتكنولوجي، وفقا لتانيا جودسوزيا في تقرير بموقع “بوليتيكو” الأمريكي (politico)…
جودسوزيا قالت: إنه “في أوكرانيا، قررت كل من موسكو وكييف خوض حرب بعمليات تقليدية متناظرة، وأثبتت القدرات التكنولوجية على هذه الجبهة أنها جوهرية”.
واستدركت: “لكن بعد 18 شهرا، تحولت ساحة المعركة إلى خطوط أمامية ثابتة وحرب خنادق دون نهاية في الأفق، ومن الواضح أن كلا من أوكرانيا وروسيا تكيفت لتحييد تأثير التكنولوجيا الجديدة”.
تجربة فريدة بغزة
وتابعت: “أما في قطاع غزة، فلا يوجد مثل هذا التماثل في التكنولوجيا أو القوى أو التكتيكات، لذلك اختارت حماس عدم قتال الجيش الإسرائيلي بالطريقة التي تقاتل بها أوكرانيا روسيا”.
واعتبرت أن “الأمر سيكون بمثابة انتحار لحماس إذا شنت هجوما على أرض مفتوحة بمركباتها الآلية القليلة وقذائف الهاون”.
وبالتالي، ومع إدراكها للافتقار إلى التكافؤ، تقاتل حماس بطريقة تتكيف مع تفوق إسرائيل العددي والتكنولوجي.
وأردفت: “فمثلا، انتشار الطائرات بدون طيار في أوكرانيا وفر رؤية أفضل لساحة المعركة، مما يعني أنه من الصعب إخفاء قوة قتالية كبيرة ومرافق لوجستية ومراكز قيادة.
وعلى النقيض، تحاول حماس انتزاع هذه الميزة من إسرائيل في غزة، حيث تختبئ في أماكن منها متاهات الأنفاق، ومن خلال تشتيت قواتها ومخزونها اللوجستي، تبدو حماس أصغر حجما وتقدم عددا أقل بكثير من الأهداف ذات القيمة العالية.
وزادت جودسوزيا بأن “حماس “تتحدث بشكل أقل للتكيف مع قدرة إسرائيل المتفوقة على كشف الإشارات، إذ تبث الحركة بصمة إلكترونية أخف بكثير، حيث تتمتع بسنوات من الخبرة في إدراك أنه سيتم اكتشاف الاتصالات الهاتفية وأجهزة الاتصال اللاسلكية والرسائل النصية.
واستطردت: “وعلى هذا النحو، طورت حماس استخداما منضبطا للهواتف المحمولة، مما أدى إلى تقليل البث حول الأحداث الرئيسية مثل هجمات 7 أكتوبر الماضي.
دقة الأسلحة
“كما تُعتبر الأسلحة الدقيقة واحدة من التطورات الرئيسية التي أثرت على الحرب في أوكرانيا، ولكن مرة أخرى سيكون لها تأثير أقل بكثير في غزة”.
وأوضحت أن “أجهزة استشعار المدفعية الموجهة بدقة وصواريخ ذخيرة الهجوم المباشر المشترك (JDAM) والأسلحة المضادة للدبابات حققت حلم كل قائد، فطلقة واحدة تقتل الهدف دون حاجة إلى مئات القذائف المدفعية أو القنابل الغبية لمهاجمة هدف ما”.
واستدركت: “رغم أن إسرائيل تملك نفس القدرات الدقيقة المتمثلة في استشعار إطلاق النار، إلا أن تأثيرها سيكون أقل بلا شك في مدينة غزة، إذ تتضاءل الميزة الساحقة في الدقة، بسبب التمويه والأنفاق ووجود عدد قليل من مواقع إطلاق الصواريخ ومدافع الهاون”.
وقالت: إن “الدقة تعد ميزة، ولكن يتم تخفيض مستواها بشكل كبير ضد حركة مختبئة في منطقة حضرية كبيرة وتتمتع بمهارة في تكتيكات الوحدات الصغيرة”.
جودسوزيا شددت على أن “الجانب الذي يمكنه اختيار الزمان والمكان وطريقة القتال يفوز بميزة كبيرة في المعركة، وقد اختارت حماس القتال في المناطق الحضرية المزدحمة الكثيفة، فهي أصعب أشكال المعارك القتالية، وتخفف من التفوق الإسرائيلي الهائل في العدد والمعدات والتكنولوجيا”.
تكتيكات حماس
وقد اتبعت حماس العديد من التكتيكات العسكرية الهجومية، كالقتال من المسافة صفر، والإغارة خلف خطوط العدو، واستعمال الأسلحة النارية المتعددة وتطوير إمكاناتها النيرانية ، والتوسع في تطوير الأسلحة التقليدية التي لا يمكن مواجهتها بتكنولوجيا التسليح الإسرائيلية العالية، كقذائف الياسين 105 وصواريخ عياش والقسام 1-2-3 وغيرها.