“لا يوجد مقاتل بالعالم يضاهي المقاتل القسامي واخوانه من الفصائل الفلسطينية”، خرج المقـاوم القسامي من النفق، وقف أمام الدبابة بهدوء شديد وثبات انفعالي مستحيل، استدار بكل أريحية وهدوء واستلم العبـوة من المقاوم الذي في النفق، ثم ذهب وزرعها وعاد للنفق وانتهى الأمر في ثوان كان يمكن أن يستشهد فيها.
ويتساءل مراقبون كيف ربَّت حـماس أبناءها على هذا النحو ليصنعوا هذه المعجزات؟
يقول الخبير العسكري فايز الدويري: “مشاهد مذهلة ومدهشة والاستهدافات من أماكن قريبة جداً وأمتار معدودة، المقاتل القسامي ثبت الحشوة بكل هدوء وأعاد توصيلها بالأسلاك الكهربائية وعاد إلى النفق بسلام وهدوء، أنفاق غزة هي الصندوق الأسود، رأينا الأرض مجرفة ولكن النفق لم يتأثر، وخرج المقاتل بكل حرية ووصل إلى الدبابة بكل هدوء”.
يقول الناشط زيدان محمود:” أي كلمة ثناء بحق أي جهة غير غزة وشعبها او اي محاولة لمساواة نضال غزة وجهودها بالطوفان بأي جهد آخر هو تنّكر لأهل غزة ورباطهم وصمودهم، ولا مخلوق على الكرة الأرضية يستحق التمجيد والمدح الا المواطن الغزاوي الصابر المحتسب ومن بعده المقاتل القسامي صاحب العقيدة”.
ويقول محمد الرفاعي:” بث مشهد استشهاد المقاوم الفلسطيني الذي توفي ساجدا يدل بوضوح على غباء وجهل العدو الصهيوني بعقلية ونفسية وتربية المقاتل العربي الفلسطيني القسامي الذي يعتبر الاستشهاد جائزة يحسده عليها رفاقه ويريد ان يتبعه فيها كل عربي حر شريف. غباء ما بعده غباء وهزيمة مؤكدة”.
وتشعر أمام ما يجري في غزة بأنك أمام حرب عالمية ثالثة، أو كأنها حرب بين قوتين عظميين كالولايات المتحدة الأمريكية وروسيا، إلا أنك لا تملك إلا أن تصاب بالدهشة والإعجاب إذا عرفت أن الصراع الدائر الآن هو بين جيش الاحتلال الإسرائيلي الذي يمتلك قدرات عسكريّة وتكنولوجية متطورة، مثل أنظمة صواريخ عالية الدقة كالباتريوت الأمريكية، وطائرات “ميراج” متعددة المهام الفرنسية، فضلاً عن دبابات ميركافا المحصَّنة، التي تشبه ليوبارد الألمانية، وأنظمة أرو 2 الدفاعية، التي كلفت مليارات الدولارات، حسب صحيفة كالكاليست العبرية.
وبين حركة مقاومة محاصرة في بقعة ضيقة من الأرض منذ قرابة 16 عاماً، ورغم التفوق التقني والعسكري والاستخباراتي الهائل الذي تتمتع به إسرائيل، فإن حماس تمكنت من إلحاق خسائر كبيرة بالجيش الإسرائيلي.
تعود أسباب نجاح حماس إلى عدة عوامل، منها قدراتها العسكرية المتطورة محلياً، مثل مضادات الدروع والصواريخ والمسيّرات الانتحارية التي طوّرتها بعقول أبنائها من سلاح المهندسين، وهو ما أكدته صحيفة “نيويورك تايمز” الأمريكية.
وتصنع حماس أغلب صواريخها، التي تصل إلى حوالي 30 ألف صاروخ، داخل القطاع، عبر تكنولوجيا مستوردة من إحدى القوى الإقليمية، وتختبر دقتها بطريقة دائمة، وتعمل على زيادة حمولتها من المتفجرات، وكذلك تكتيكاتها العسكرية المتطورة المعتمدة على عنصر المفاجأة والمباغتة، من خلال استخدام شبكة الأنفاق الهجومية المعقدة، والكمائن المسلحة، وعبوات العمل الفدائي من المسافة صفر، المعتمدة على قوة وصلابة وشجاعة المقاتل القسامي الذي لا نظير له في عالم اليوم.
وهو أهم تكتيك وأهم عنصر قتالي لا تمتلك مثله قوى عظمى رغم تدريباتها المستمرة لجنودها، وتحصينهم بكل أشكال التكنولوجيا، لكن الإيمان بالقضية ونُبلها يهزم التكنولوجيا والعدد والصواريخ والطائرات، وهذا ما أثبته الجندي القسامي، ليُعلّموا الأجيال أن الإيمان بالله وبقضية مقدسة، يجعلهم قادرين على هزيمة قوى الشر أجمع، وأيضاً استغلالهم للتكنولوجيا المتقدمة، مثل الطائرات بدون طيار والتجسس الإلكتروني.
ومن الأسلحة التي استخدمتها حماس في هذه العملية البرية لجيش الاحتلال، الذي تواجهه في شمال غزة، قذيفة الياسين 105 المضادة للدروع، التي تُلقّب بـصائدة دبابات الميركافا المحصنة، وهي قذيفة “آر بي جي” محمولة على الكتف، ونجحت القسام في تطويرها من قذيفة “تاندوم 85” الروسية، التي خرجت للنور عام 1989م، ولقبها الناتو آنذاك بمصاص الدماء، ما أكسبها قدرة تدميرية كبيرة ضد المدرعات المحصنة.
صاروخ الكورنيت روسي الصنع المضاد للدروع موجّه بأشعة ليزر، يمتلك قدرةً على المناورة عبر الالتفاف بحلقات دائرية أثناء تحليقه باتجاه الهدف بشكل مباشر، ويحمل رأساً شديد الانفجار، حتى وصفه الخبراء بأنه الصاروخ الذي تعجز أمامه القبة الحديدية الإسرائيلية، وطائرات مظلية وعمودية، وصواريخ متنوعة من “أرض– أرض”، كما بحوزة الحركة أيضاً أنظمة صاروخية طويلة المدى، مثل “إم– 75″، و”إس إتش 85″، و”الفجر”، و”آر- 160″، وقذائف رجوم قصيرة المدى، وصواريخ غراد وعياش والقدس والقسام.
ولديها وحدة كوماندوز بحرية، وتمتلك الطوربيد العاصف الذي يعد أحد أهم الأسلحة البحرية التي تمتلكها القسام، ويشكل خطراً حقيقياً على السفن الإسرائيلية وقد يؤدي إلى إحداث خسائر بشرية ومادية كبيرة، والعمل الفدائي.
وقد نجحت حماس في استخدام هذه الأسلحة في إلحاق خسائر كبيرة بالجيش الإسرائيلي، منها: تدمير عشرات الآليات العسكرية الإسرائيلية، وقتل وجرح العديد من الجنود الإسرائيليين.
وأهم ما أظهرته عملية طوفان الأقصى تطور قدرات المقاومة الفلسطينية الصلبة، وقدرتها على تحدي إسرائيل وفرض توازن القوى في الصراع الدولي والإقليمي، وأن جيش الاحتلال ما هو إلا أكذوبة، ولا يمتلك غير تكنولوجيا بيدي أفراد من الشتات لا يمتلكون الإيمان بالقضية، ولا الانتماء، بل يحملون نوعين من جوازات السفر.
وعندما واجهوا القسام في أول مواجهة على أرضهم دعا الكثير منهم عبر وسائل التواصل الاجتماعي: “هيا بنا نترك البلاد”، أصيب هنا الجيش الذي قيل إنه لا يُقهر بإرباك نفسي، بل دُمر بكل أجهزته وأفراده نفسياً ومعنوياً، ولم يستطع التحرك والرد، حتى وصلت الرسالة لأمريكا أن فتاها المدلل في الشرق الأوسط قد أنهار في 25 دقيقة فقط.
رغم أن غزة محاصرة منذ نحو 16 عاما، فماذا لو امتلكت أنظمة دفاعية جوية وغيرها من أسلحة تكنولوجية؟ هل سيكون هناك وجود لهذا الكيان المصطنع أمام رجال لا يهابون الموت في سبيل قضيتهم؟ فتحركت أمريكا بحاملات طائرات وأسلحة وقنابل ذكية، وخبراء عسكريين، كأنها في حرب عالمية ثالثة.
بل خاضت الضربات الجوية الأولى، وما زالت تستمر في القتال إلى الآن بجانب جنود المحتل المنهزمين نفسياً حتى تعيد ثقتهم المفقودة بجيشهم ودولتهم المزعومة، ولكن ما قبل الطوفان غير ما بعد الطوفان، وأصبح أمن الكيان في حالة من الضعف من الآن وصاعداً، فالطوفان بداية لمعركة تحرير، وحرب من الحروب الفاصلة في الصراع العربي الإسرائيلي، والكيان الصهيوني بدون أمريكا والصمت العربي لا شيء.
فهل تنصر حماس بقوة وإيمان مقاتليها وعقول مهندسيها في جغرافيا غزة المفتوحة، وتكون غزة مقبرة الهيمنة الأمريكية والطموح الصهيوني؟ أم ستنتصر أسلحة وتكنولوجيا أمريكا وإسرائيل، وستكون غزة أمام معضلة مَن يحكمها بعد حماس؟