طوال سنوات من الفشل والعبث باقتصاد مصر، حاولت المعارضة المصرية ورافضي الانقلاب والوطنيين والخبراء، تقديم العديد من النصائح للنظام الانقلابي بضرورة وقف الإنفاق الهستيري على المشاريع الفنكوشية التي دمر اقتصاد مصر، كالعاصمة الإدارية والعلمين والجلالة ومشاريع المونوريل والقطار الكهربائي وغيرها من المشاريع، والتوجه نحو اقامة المصانع والشركات الإنتاجية، لدعم الإنتاج المحلي وزيادة التصدير وخفض الواردات لتقليص الفجوات التمويلية من الدولار، إلا إن السيسي خرج مكابرا، مؤكدا أنه
“سليمان العصر “في إشارة لنبي الله سليمان، وواصل السيسي عنجهيته وعناده في الاتفاق غير المنضبط والتوسع في المشاريع الترفيهية والمشاريع التي لا تدر عوائد دولارية، حتى قاربت مصر على الإفلاس، وانهارت العملة المحلية، حتى باتت مصر تنتظر المزيد من الانهيارات والتضخم والكساد وعدم القدرة على الاتفاق.
وحينما بدأ السيسي مغشيا عليه من غفلته وعناده، اتخذ قرارا بخفض الإنفاق، إلا أنه استثنى الجيش ومشاريعه من القرار، بل جاء القرار مهددا للاستقرار المجتمعي، الذي يتهدده وقف مشاريع التنمية المحلية والصحة والتعليم ، والمشاريع الحيوية للمواطن المصري.
وقد أقر مجلس الوزراء، أمس الأربعاء، مشروع قرار بترشيد الإنفاق الاستثماري في الجهات الداخلة بالموازنة العامة للدولة، والهيئات العامة الاقتصادية، في ظل الأزمة الاقتصادية التي تواجهها البلاد حاليا شح الدولار، ويحظر بموجبه التعاقد على مشاريع جديدة حتى نهاية يونيو القادم.
ونص المشروع بأن يُعمل في شأن ترشيد الإنفاق الاستثماري بخطة التنمية الاقتصادية للعام المالي 2023-2024 بالضوابط المرافقة للقرار، حتى نهاية السنة المالية في 30 يونيو.
وتضمنت الضوابط العامة لترشيد الإنفاق الاستثماري لجهات الموازنة خفض تمويل الخزانة العامة بالخطة الاستثمارية للعام المالي الجاري بنسبة 15% من الاعتمادات المستهدفة، على ضوء الإجراءات التنفيذية المتخذة من وزارة التخطيط تنفيذا لقرار مجلس الوزراء رقم 265 لسنة 2023، مع مراعاة بعض الاستثناءات، ومنها الجهات التي تجاوزت نسبة الإتاحة بها 50%.
وشملت الضوابط تأجيل تنفيذ المشروعات حديثة الإدراج في الخطة الاستثمارية، خلال العام المالي السابق أو الحالي، وذلك بحظر إبرام أية تعاقدات عليها سواء بالأمر المباشر أو المناقصات العامة حتى 30 يونيو 2024، بالإضافة إلى عدم التعاقد على شراء سيارات الركوب حتى نفس التاريخ، أو البدء في مشروعات جديدة في العام الحالي.
وأعطى مشروع القرار الأولوية لاستكمال المشروعات التي أوشكت على الانتهاء بنسبة 70% فأكثر، والمتوقع تنفيذها خلال العام المالي 2023-2024، والتركيز على الاحتياجات الاستثمارية الضرورية والملحة من دون غيرها، التزاما بتوجيهات ترشيد الإنفاق، وخفض سقف الدين الخارجي، وتشجيع المنتج المحلي والصناعة الوطنية.
وشددت الضوابط على عدم التعاقد على أي تمويل خارجي، أو البدء في أي مشروع، حتى من خلال مكون محلي، يترتب عليه قرض أو مكون أجنبي إضافي.
ونص المشروع بأن الاستثناء من أحكامه يكون بموافقة رئيس الوزراء، وبناء على عرض من وزارة التخطيط، بعد دراسة المبررات الضرورية والملحة التي تعرضها الجهات المخاطبة بأحكامه.
استثناء الجيش
واستثنت قرارات ترشيد الإنفاق الحكومية في مصر جميع المشاريع التي يشرف عليها الجيش وأجهزته، أو يتولى تنفيذها لصالح الدولة، على غرار مشروعات الطرق والجسور الجديدة، وتحلية وتنقية ومعالجة المياه، ومبادرة حياة كريمة لتطوير الريف، وكذلك وزارة الداخلية، وكل الجهات التابعة لها، وديوان عام وزارة الخارجية، والجهات القائمة على تدبير السلع التموينية، والغاز الطبيعي والمواد البترولية ومشتقاتها.
يشار إلى أن الجيش يستحوذ على أكثر من 60% من مشاريع الاقتصاد المصري، وفق تقديرات البنك الدولي، ويجري إعفاء الجيش من الضرائب والرسوم والجمارك، ما يحرم خزانة الدولة المصرية من 60% من عوائدها، لصالح اقتصاد الجيش، المتنامي منذ الاننقلاب العسكري.
وتواجه مصر، تحت حكم السيسي، سلسلة من الأزمات الاقتصادية المتشابكة، إذ تعاني شحا شديدا في مواردها من الدولار، وديونا ثقيلة، مع نقاط ضعف اقتصادية هيكلية، بينما تحتاج إلى تدبير معظم احتياجاتها من الغذاء والطاقة من الخارج.
ومع اتساع الفجوة بين سعري الصرف الرسمي والموازي، تراجعت تحويلات المصريين العاملين في الخارج بمعدل 29.9%، حيث اقتصرت على مبلغ 4.5 مليارات دولار، خلال الفترة من يوليو إلى سبتمبر من عام 2023، مقابل نحو 6.4 مليارات دولار لنفس الفترة من عام 2022.
وانخفض الجنيه المصري مقابل الدولار من نحو 7 جنيهات عند تولي السيسي الحكم عام 2014، إلى ما يناهز 31 جنيها للدولار في البنوك حالياً، ونحو 70 جنيها في السوق السوداء، بزيادة تبلغ نسبتها 125% مقارنة بالسعر الرسمي.
ولعل تتقليص الإنفاق الحكومي الاستثنائي يؤثر سلبا على مستوى الخدمات الحكومية المقدمة للمواطنين، فيما يتعلق بالصحة والتعليم والغذاء والري ومياه الشرب وغيرها من الخدمات المتعلقة بحياة الناس، وهو ما ينعكس سلبا على حياة المواطنين، الذين تتصاعد نسبة الفقر بيتهم بسبب العجز المالي المتصاعد، وهو ما يؤكد نظريات الاقتصاديين والاجتماعيين، بأن تأخير اتخاذ القرارات عن توقيتها المستحق تتساوى في أثارها مع عدم اتخاذ القرار، أي إن الخاسر والمتضرر الأول من تقليص الاتفاق الحكومي هو المواطن، كما أن المواطن هو المتضرر أيضا من الإنفاق على مشاريع غير ضرورية وفنكوشية، تتعلق برؤى السيسي فقط.