في ظل النظم الاستبدادية، يرى الحاكم الإله أن التطور والتنمية عبارة عن مجموعة من المباني الفخمة والفارهة التشطيب والأشكال، والاستعراضات الفخمة الدالة على العنجهية والتحكم والسيطرة، دون الالتفات إلى ما يعانيه الشعب من مشاكل وأزمات، ودون أن يلتفت الحاكم المستبد إلى الحاجيات الفعلية للدولة وللمجتمع.
فبدلا من أن يعمل المنقلب السفيه السيسي على زيادة الإنتاج وتشغيل المصانع وتوفير الوقود والطاقة ووسائل الإنتاج، أوحتى بناء مستشفيات تعالج المرضى الذين لا يجدون الدواء، أو تعلم الطلاب الذين باتت فصولهم مكدسة باكثر من 100 طالب، لا يستطيع أي معلم التحكم فيهم أو إيصال معلومة لهم، وبدلا من تشغيل مصانع الأسمدة والحديد وتوفير المواد الخام لصناعات استراتيجية كالأدوية وغيرها، يذهب السيسي لينفق نحو 6 مليار جنيه على مباني إدارية ، للقوات المسلحة بالعاصمة الإدارية، ليجمع بها القيادات العسكرية، تحت عينيه، ليسهل التحكم فيهم، وليضمن عدم مباغتته من قبل جيشه أو المجلس العسكري، الذي بات في خلاف ظاهر خلال الأيام الماضية، حينما جرى تهميشه باختيار وزير الدفاع، وهو ما يراه مراقبون محاولات تكسير عظام.
ووجاءت فكرة الأوكتاجون، كمقر لوزارة الدفاع وقيادة الجيش، على الطراز الأمريكي، إلا أن السيسي تناسى شيئا مهما، وهو أن مقر الأوكتاجون والذي سيضم كل قيادات الجيش، ومقار خططه ومقار العمليات وغيرها من شئون الجيش، قد جرى تقريبه وتجميعه نحو نقطة قريبة من العدو الصهيوني، الذي بات على مقربة من قيادة الجيش، حيث تقع العاصمة الإدارية على مقربة من مدينة السويس، التي تقترب من إسرائيل وتقع تحت مجالات الطائرات الإسرائيلية، وهو ما يشكل كارثة على الجيش المصري، في حال وقعت أية مواجهات عسكرية، في ظل أي ظروف قد تكون واردة، وعندها سيتم تدمير قيادة الجيش المصري، وهو ما يعيد الجيش المصري إلى أجواء هزيمة يونيو 1967، حينما تقطعت اتصالات القيادة بالجنود على أرض سيناء، وهو ما يكرره السيسي، اليوم، سواء بخيانة مقصودة أو فشل يحاكم عليه، ولكن الأغرب هو تسليم قادة الجيش وخضوعهم لرؤية السيسي غير الوطنية بالمرة.
أوكتاغون السيسي للسيطرة والتحكم
وعمل السيسي على إنشاء مقر جديد لوزارة الدفاع المصرية في العاصمة الإدارية الجديدة، هو الأضخم في المنطقة، بتكلفة تقديرية للبناء بلغت نحو 123 مليون دولار (5.904 مليارات جنيه).
ويقع “الأوكتاغون” على مساحة إجمالية تقدر بـ189 ألف متر مربع، ومساحة فعلية للمباني بنحو 45 ألف متر مربع، ويشتمل على ثمانية مبانٍ لإدارات الجيش مثمنة الأوجه على الطراز الفرعوني، ومتراصة على شكل دائرة تضم المباني الإدارية، إلى جانب مبنيين مركزيين يقعان في مركز الدائرة، ويتصلان ببعضهما البعض، وبباقي المباني الخارجية بممرات طولية.
مدينة للضباط
و”الأوكتاغون” يضم أماكن للعبادة، ونوادي رياضية، وملاعب، ومدارس، ومستشفيات، وفنادق، ومشاريع سكنية، ومراكز تسوق مخصصة لضباط الجيش وأسرهم، ومؤمن بوحدتين من الحرس الجمهوري، بالإضافة إلى وسائل أمنية أخرى، وتعود كلمة “الأوكتاغون” إلى اللغة اليونانية القديمة، كما كلمة البنتاغون (وزارة الدفاع الأميركية)، والكلمتان من الاشتقاق نفسه، وتعني الأولى أن المبنى ثماني الأضلاع أو الزوايا، والثانية أنه خماسي الأضلاع أو الزوايا.
وكان السيسي، قد قام بجولة بالأوكتاغون، يوم الجمعة الماضية، شملت مقر القيادة الاستراتيجية داخل مبنى “الأوكتاغون”، مقر قيادة الجيش الجديد ، حيث كان في استقباله وزير الدفاع الفريق أول عبد المجيد صقر، ورئيس أركان حرب القوات المسلحة الفريق أحمد خليفة، ورئيس الأكاديمية العسكرية الفريق أشرف زاهر.
وبحسب بيان مصوّر للرئاسة المصرية، شدد السيسي على أهمية مقر القيادة الاستراتيجية “بوصفه إضافة حيوية لقدرات القوات المسلحة، بما يضمن تكامل التخطيط والتنسيق لجميع جهاتها، وتعزيز القدرات والاستعداد الدائم في مواجهة التحديات بفعالية وكفاءة، وذلك باستخدام أحدث نظم التكنولوجيا المتطورة”.
إلا أن السيسي، تناسىى في كلماته الفارغة وغير الواقعية، بأن التحديات على بعد كيلو مترات من الأوكتاغون، بل على بعد أمتار من حدود مصر الشرقية، دون أن يحرك ساكنا، سوى مجموعة من التصريحات المنقولة عن قيادات غير عسكرية، كضياء رشوان ، رئيس هيئة الاستعلامات، أو مصادر عسكرية مجهلة، فيما يخص الاعتداءات الإسرائيلية على الحدود المصرية ومعبر رفح، بل واستهداف الأراضي المصرية بقذائف إسرائيلية، كرسائل واضحة من الصهاينة، بعدم اكتراثهم بالجيش المصري أو النظام المصري، الذي ما زال يلعب دورا أكثر خيانة، ضد القضية الفلسطينية، مع إحكامه حصار قطاع غزة، بل وموافقته على كل الاشتراطات الإسرائيلية المهينة ، ببناء سياج حديدي تحت الأرض مع الحدود المصرية الفلسطينية، وتركيب كاميرات ووحدات استشعار عن بعد، على طول الحدود، ما يعد أكبر انتهاك للسيادة المصرية، بل إن صادرات مصر تزداد لإسرائيل منذ اندلاع حرب طوفان الأقصى، لتغطية الاحتياجات الإسرائيلية من غذاء ومعدات، في الوقت الذي يكافح فيه الحوثيون وحزب الله والمقاومة العراقية لضرب الأهداف الإسرائيلية، دعما للفلسطينيين ولتخفيف الحرب الصهيونية عليهم، والتي تستهدف إبادة الشعب الفلسطيني.
ويبقى الخاسر الأكبر من بقاء السيسي وسياساته ومشاريعه، هو الأمن القومي المصري، والشعب المصري، الذي يدفع ثمن صمته عن السيسي، تهديدا وجوديا له بقطع الكهرباء وغلاء الأسعار ونقص الأدوية وضياع مستقبل أبنائه لفشل منظومات التعليم والصحة والإسكان….وغيرها.