قالت دراسة بعنوان “اللاعب أحمد رفعت والحصاد المر لعسكرة الحياة المدنية”: إن “القائمين على المؤسسة العسكرية اليوم، يستعملون ورقة التجنيد الإحباري، سلاحا لاخضاع اللاعبين، لرغبات الأندية العسكرية، أو تحقيق مكاسب مالية كبيرة من وراء إعارتهم لأندية كبيرة بالداخل والخارجج”.
وأبرزت الدراسة ما كشفته معاناة اللاعب أحمد رفت، الذي فقدته مصر مؤخرا، كاشفا عن حجم الضغوط النفسية التي تعرض لها، وكان وراءها مسئولين كبار، تسببوا في سجنه عدة شهور، وتحطيم حلمه بالاحتراف بنادي الوحدة الإماراتي، الذي كان سيوفر له مبلغا ماليا لائقا له.
وأوضحت أن ما حدث مع أحمد رفعت، حصل مع العديد من اللاعبين المصريين النابغين في كرة القدم ، كشيكابالا وميدو جابر ومحمد رزق وغيرهم، اختلفت قضاياهم ومواقفهم، وتوحدت معاناتهم مع نادي “طلائع الجيش”، أو “حرس الحدود”.
وأشارت إلى تطور الأمر لاحقا، ليتحول النظام للاستفادة من تلك العسكرة التي تمثل فائدة سياسية أولا، ليحصل على الفوائد الاقتصادية والمنافع المالية، عبر الكثير من العقود مع شركات تابعة للجيش كـ”برزنتيشن” لرعاية لعبة كرة القدم، وغيرها من الشركات، بل وصل لفرض ضرائب جديدة مؤخرا على الصفقات الرياضية وانتقالات اللاعبين وعقود الاحتراف.
ونقلت عن الخبير الرياضي د. علاء عبد الصادق ما كشفه في 2016، من أن 5 رؤساء اتحاد كرة سابقين “جنرالات”، 10 من أعضاء اتحاد الكرة -انذاك- “جنرالات”، وكذلك 6 من أندية الدوري تابعة للجيش والشرطة، بالإضافة إلى عدد غير محدود من مديري وأعضاء أندية الدرجة الأولى والثانية وغيرها هم من الجنرالات العسكريين.
بجانب وجود 5 معلقين رياضيين “جنرالات”، و7 من رؤساء أندية الدوري الممتاز آنذاك “جنرالات”، و8 رؤساء اتحاد الرياضات الأخرى “جنرالات”.
تداعيات عسكرة الرياضة
وأوضحت أنه لعسكرة الرياضة عواقب عدة ومخاطر جمة، تضاف على مخاطر عسكرة السياسة والاقتصاد والمجتمع.
وأشارت إلى أن السبب يكمن في أنه يقضي على أركان أساسية في الدولة، وفي مقدمتها حكم القانون ودولة المؤسسات، بشكل متدرج وخفي، وفي صدارة هذه المؤسسات الجيش والقضاء والإعلام والجامعات.
العسكرة أنماط
وأبانت الدراسة أن العسكرة ليست نمطا مصريا فقط، بل نهجا قمعيا في كثير من دول العالم، التي تتخاصم مع الديمقراطية، وتؤمن بالاستبداد والسلطوية، كما في الدول الشيوعية.
ولفتت إلى أنه في الأنظمة الشمولية، كما في الصين وكوريا الشمالية و الاتحاد السوفييتي ودول شرق أوروبا وبعض دول أميركا الوسطى والجنوبية قبل انتقالها إلى الديمقراطية، حيث تكون هناك علاقة مركبة بين القوة والثقافة والعنف، والحفاظ على الأوضاع القائمة ومعادلات القوة والهيمنة والسيطرة يتم عن طريق العنف، والتلقين المذهبي واعتماد خطاب رسمي يقوم على قلب الحقائق وترويج عبارات وطنية زائفة أو الخطر الداهم.
إلا أن النمط المصري في العسكرة يختلف تماما عن تلك الدول، إذ تركز لعسكرة في دول العالم الشمولية زرع روح الوطنية والولاء بين الشباب، واحترام المؤسسات والدفاع عن الوطن، على عكس النهج المصري، الذي لا يستهدف إلا الإخضاع والبزنس المالي، وهو ما يكفر الرياضيين والشباب بالوطن، وتكون جل اهتمامهم هو الخروج منه.
أبرز التداعيات
وأوضحت الدراسة أن نتائج دخول العسكر المجال الرياضي، أنه جلب الكثير من المشاكل والأزمات، المؤثرة على مستقبل الأندية المصرية، بل بات بمثابة خطوة تنذر بنهاية أندية كبيرة وعريقة مثل الأهلي والزمالك، والتي ستجف مصادر دخلها الرئيسية والمتمثلة في بيع العضويات، بعد أن يتحول الدخل بالكامل إلى الكيان الجديد الذي لا يقبل أبدا أن يشاركه أحد في ولائمه، وليس ببعيد عنا ما حدث للقنوات الفضائية التي أصبحت خاوية على عروشها بمجرد أن قرر العسكر منافستها.
وأضافت أنه خطورة اتجاه العسكر الجديد في ضوء أزمات الرياضة المصرية، وضعف المردودات وتقليص الميزانيات من قبل الحكومة، وهو ما يجري التفكير فيه من قبل مستثمرين خليجيين وعرب، كما جرى بين تركي آل الشيخ ونادي نادي الأسيوطي سبورت وتغير اسمه لـ”الأهرام”، ثم أصبح بيراميدز.
وأكدت أن غالبية الأندية تعاني من نقص السيولة في ظل احتكار شركات تابعة للعسكر تحتكر سوق الإعلانات كشركة برزنتيشن، وهو ما يغير الخريطة الرياضية بمصر في الفترة المقبلة، بجانب سلسلة التغيرات الاجتماعية، واتجاه المجتمع المصري نحو الطبقية الاجتماعية، ما يهدد الاستقرار المجتمعي بالبلاد.
ولفتت إلى أنه مع سيادة العسكرة والفساد والتخبط في الأوساط الرياضية تتزايد حالات هجرة اللاعبين وهروبهم من البعثات لرياضية، بل والتجنس بجنسيات مختلفة للعب باسم البلد الجديد.
الفساد المالي والإداري
ووصلت الدراسة إلى أنه بظل سيادة ثقافة العسكرة، وتمام يا أفندم، تسود جميع أنواع الموبقات المالية والإدارية، خاصة في دوائر الحسابات التي تخضع للواءات الجيش والشرطة، وتعامل أندية الجيش والشرطة معاملة تفضيلية على كل المستويات، وتمثل أندية الجيش والشرطة الوجاهة بين كل الدوائر، وتحقق الأندية العسكرية دخلا ماليا كبيرا دون الخضوع إلي رقابة من الأجهزة الرقابية.
واعتبرت أن هذا ما جعل المستشار هشام جنينة، رئيس الجهاز المركزي للمحاسبات، وطالب رئاسة الجمهورية بضرورة إخضاع أندية الشرطة لرقابة الجهاز، بعد أن خاطب وزير الداخلية أكثر من مرة بذات الطلب، ولم يرد الأخير إلا ببيانات متناقضة يقول في إحداها إن أندية الشرطة خاضعة بالفعل لرقابة الجهاز، ويرفض في آخر فكرة الرقابة على وزارته.
وشددت الدراسة على تجاهل رئاسة الجمهورية لاستغاثات رئيس الجهاز المركزي هو الآخر مفهوم سببه، ويتضح في تمرير السيسي لمشروع قانون الضريبة العقارية، بما يحقق إعفاء أندية وفنادق القوات المسلحة دون الأخذ بملاحظات قسم الفتوى والتشريع بمجلس الدولة على أن هذا القانون به عوار دستوري، لأنها أندية ربحية، وهو ما يسقطها من قائمة الجهات المعفاة بنص القانون المصري.
احتكار الحياة في مصر
وخلصت الدراسة إلى أنه بظل السيطرة العسكرية في ظل التحكم الذي يمارسه السيسي على كل مؤثرات الرأي العام، ولذلك كانت أولى خطواته السيطرة على الإعلام من خلال الشركات المملوكة للأجهزة المخابراتية التابعة للقوات المسلحة، وبالتالي لم يكن غريبا أن تكون الشركة الراعية للمنتخب المصري ولمعظم الأندية الأخرى وهي شركة برزينشن مملوكة لإحدى شركات المخابرات التي تسيطر أيضا على الإعلام المصري.
وأشارت إلى أن العسكر استفادوا من مساعدة الرياضة في تشكيل النظام الاجتماعي والاقتصادي ليس بمصر وإنما على مستوى العالم، مشيرة إلى أن ذلك هو ما فطنت إليه الدولة المصرية مؤخرا بالسيطرة المباشرة على الرياضة باعتبارها نشاطا اقتصاديا وتجاريا يحقق عوائد متنوعة، وهو ما أكده السيسي في أكثر من مناسبة بأن الرياضة، وخاصة كرة القدم واحدة من أهم المكونات الرئيسية للأمن القومي المصري.
وقالت: إن “الرغبة المتصاعدة من النظام العسكري في السيطرة وتحقيق المكاسب المالية، هو من تسبب في هجرة الكفاءات من مصر، سواء على المستوى العلمي والمهني والرياضي، ومن بقي يواجه الضغوط النفسية والاجتماعية والاقتصادية، وليس أولهم ولا آخرهم اللاعب الموهوب أحمد رفعت.
الجيش والرياضة
ولفتت الدراسة التي نشرها (الشارع السياسي) إلى أنه في أغلب دوريات كرة القدم العالمية، إن لم يكن في جميعها باستثناء قليل من دول الشرق الأوسط وشرق آسيا، لا توجد أندية باسم الجيش أو مؤسسات الدولة، الملاحَظ في الدول المستثناة أنها تلك التي يكون فيها الجيش على رأس السلطة التنفيذية ومهيمن على السلطتين التشريعية والقضائية، كمصر والعراق وسوريا وتايلاند على سبيل المثال، فتتوغل نفوذه وسطوته إلى ماهو أبعد من الحرب والأمن والسياسة، لتصل إلى الصناعة وشركات البناء والتشييد والرياضة..الخ، ليبسط أذرعه على البلد في كل المجالات ويحكم قبضته حتى يصبح دولة بداخل الدولة، إن لم يكن فوقها.
وأكدت أخيرا رغبة سلطات السيسي في توسيع شبكة تحالفاتها الاجتماعية ، بجانب تلميع وجه مصر، وإظهار صورة متطورة لمجتمعات السيسي، مخفيا جوانب كثيرة وواقعية من المجتمع المصري الذي يرزح أكثر من ثلثيه تحت خط الفقر، 80% منهم لا يجدون قوت يومهم.
https://politicalstreet.org/6723/