في تضييق مستمر وبلا نهاية، وبلا أمل، تسؤوء حياة المصريين وتنهار مستوياتهم المعيشية في ظل الغلاء المتصاعد، وبلا توقف، وبلا أمل في اصلاح يأتي من السيسي، وباتت كل الطرق في مصر تؤدي إلى مجاعة ، لا محالة..
ولعل اشارة رئيس وزراء السيسي، مصطفى مدبولي، مؤخرا إلى اتجاه مصر نحو اقتصاد الحرب، الذي اثار ذعر الجميع، ينم عن سياسات اشد قسوة، تطال المجتمع المصري، وتهدد استقرار مواطنيه، فتحت شعار “تنفيذ برنامج الإصلاح الاقتصادي ” المتفق عليه مع صندوق النقد الدولي، والذي يطالبها باتخاذ المزيد من التدابير من المؤسسات الاقتصادية الحكومية وخفض فاتورة الدعم، ومنع اي زيادة في رواتب الموظفين الحكوميين والمعاشات، علاوة على زيادة اسعار الطاقة والكهرباء…وهو ما يفاقم أزمات المعيشة بين المصريين…
كما تلوح في الأقفق بوادر أزمة طاقة ، يترتب عليها زيادات مضطردة في أسعار الوقود محلياً، وتتمحور خطة الحكومة التي وضعتها في السابق بشأن الرفع التدريجي للدعم عن الوقود شهدت مراجعة في الفترة الماضية ليتم ربطها بمعدلات ارتفاع أسعار النفط العالمية وتم الاتفاق على زيادات بمعدلات مرتفعة عن المرات السابقة، مع وجود تنبؤات بإمكانية انتقال الصراع الدائر حالياً من البحر الأحمر إلى البحر المتوسط أيضاً وقد يؤثر ذلك على استثمارات القاهرة في التنقيب عن الغاز الطبيعي.
وكانت لجنة التسعير التلقائي للمنتجات البترولية المعنية بمراجعة وتحديد أسعار بيع المنتجات البترولية قد اجتمعت وتم اتخاذ قرار بزيادة أسعار المنتجات البترولية اعتباراً من يوم الجمعة 18 أكتوبر 2024.
فيما كشف مصدر مسؤول بوزارة الاقتصاد، مؤخرا، عن أن الحكومة عندما لمحت عن الاتجاه إلى اقتصاد الحرب كانت تنوي فرض مجموعة من الإجراءات الاستثنائية على الاقتصاد المصري يتم الإعلان عنها في وقت واحد على أن يتم ربطها بالاضطرابات الإقليمية.
غير أنها تراجعت بعدما تسببت تصريحات رئيس الحكومة في خسائر للبورصة، لكنها سوف تقدم على اتخاذ خطوات منفردة دون أن توضح الهدف منها وفي الأغلب سيكون الربط بتوصيات صندوق النقد الدولي.
وشهدت البورصةُ المصريةُ خسائرَ سوقيةً بلغت 60 مليار جنيه خلال جلستي الخميس والأحد الماضيين، بعد تصريحات مدبولي، والتوترات القائمة..
فرض التقشف على المواطن والتوسع في الانفاق الحكومي!!!
ووفق تقديرت استراتيجية، فإن الحكومة المصرية تمضي في الاعتماد على سياسة التقشف بمفهومها الخاطئ والذي تكون آثاره على المواطنين ولا يظهر في توجهاتها العامة بشأن الاستمرار في تدشين المشروعات القومية والبذخ الحكومي في المكافآت والبدلات للمستشارين وتراجع إجراءات الحد من الفساد.
وتُصر الحكومة على أن تطبق سياسة التقشف على المواطنين عبر قرارات زيادة أسعار الخدمات العامة وإن كانت أوضاعهم لا تحتمل ذلك، وبالرغم من وجود العديد من الحلول التي يمكن أن توفر مليارات الجنيهات سنوياً لكن لا يتم اللجوء لها.
كما أن حديث الحكومة عن الاستيراد من الخارج والتذكير المستمر بارتفاع أسعار الوقود عالميًا لا يوازيه على الجانب الآخر قرارات مماثلة بوقف مشروعاتها غير الضرورية والتي تعمل بها دون أن تتوقف.
الحد الأدنى للأجور
وفي الوقت الذي تتعالى سيسات الخصخصة وتحرير الاسعار، وتقليص الدعم، لم تتحرك الحكومة نحو تحقيق عدالة اجتماعية، برفع الحد الادني الذي لم يطبق اساسا..
فالحكومة لم تتدخل لمعالجة الأسباب التي قادت لتدهور الأوضاع المعيشية قبل أن تخاطب المواطنين بحديث يمكن وصفه بالمفزع عن “اقتصاد الحرب” لأن تفعيل الحد الأدنى للأجور لم يتم تطبيقه في شركات القطاع الخاص وهؤلاء يشكلون القوة الضاربة في سوق العمل.
كما أن الحد الأدنى الذي لا يتجاوز 110 دولارات لموظفي الحكومة كان بحاجة إلى زيادة أخرى لكن وفق هذه التوجهات فإن ذلك لن يحدث في الوقت الحالي.
وكان السيسي أصدر قرارًا، في مطلع فبراير الماضي، بزيادة الحد الأدنى لأجور العاملين في الدولة بنسبة 50% ليصل إلى ستة آلاف جنيه، ضمن حزمة إجراءات للحماية الاجتماعية للطبقات الأكثر تضررًا من الأزمة الاقتصادية. وعلى إثر قرار الرئيس، بدأ عمال القطاع الخاص التحرك للمطالبة بتطبيقه عليهم باعتبار أن وضعهم لا يقل سوءًا عن عمال الحكومة. وفي 15 فبراير الماضي أعلن عمال شركة يونيفرسال للأجهزة الكهربائية إضرابًا عن العمل، للمطالبة بتطبيق الحد الأدنى للأجور في القطاع الخاص المقر العام الماضي، 3500 جنيه. وفي 22 فبراير بدأ عمال شركة مصر للغزل والنسيج (غزل المحلة) إضرابًا استمر أسبوعًا للمطالبة بـ«حزمة الرئيس».
الخوف من توسع الاحتجاجات، دفع المجلس القومي للأجور، برئاسة وزيرة التخطيط، إلى إصدار قرار، في أبريل الماضي، برفع الحد الأدنى للأجور في القطاع الخاص إلى ستة آلاف جنيه، تشمل -لأول مرة- حصة صاحب العمل في التأمينات الاجتماعية، والتي تبلغ 18.75% من أجر العامل، على أن يبدأ التطبيق في مايو، بالإضافة إلى كونه يسري فقط على المنشآت التي تضم أكثر من عشرة عاملين، وهو ما يعني عمليًا استبعاد 98.9% من المنشآت الاقتصادية في مصر، تبعًا لآخر بيانات متاحة من الجهاز المركزي للتعبئة والإحصاء.
وسمح القرار باستثناء الشركات المتقدمة بطلب يفيد بتعثرها، كما التزم بما سار عليه سابقوه باعتبار كل عناصر الأجر بما فيها -على سبيل المثال- العمولات والمنح والبدلات ونصيب العاملين من الأرباح والمزايا العينية، ضمن الحد الأدنى للأجر.
ورغم تلك الحصومات والتضييق العمالي الكبير، لم تلتزم اغلب الشرطات بدفع الحد الادنى للاجور، ما يضع العمال والموظفينامام قطار الانتحار والفقر والضنك في المعيشة، في ظل غلاء لا يتوقف..
الغلاء الفاحش
ورفعت الحكومة أسعار عدد من السلع المدعومة للتصدي لعجز الموازنة الذي بلغ 505 مليارات جنيه في السنة المالية المنتهية في 30 يونيو الفائت، كما خفضت قيمة الجنيه بشدة قبل شهور، وسبق أن حصلت مصر من صندوق النقد الدولي بعد المراجعة الثالثة في نهاية يونيو على شريحة قيمتها 820 مليون دولار.
وتشير الأرقام الرسمية إلى أن الإنفاق الحكومي على دعم السلع التموينية قبل عشر سنوات في موازنة 2014/2015 بلغ 39.4 مليار جنيه، بنسبة 5.4% من المصروفات آنذاك (733.5 مليار جنيه)، ونسبة 1.6 من الناتج المحلي الإجمالي، الذي بلغ آنذاك 2.4 تريليون جنيه.
لكن بعد 10 سنوات، ورغم ارتفاع القيمة المقدرة لمخصصات الدعم في العام الحالي 2025/2024 لـ 134 مليار جنيه والتي جاءت مدفوعة بزيادة نسب التضخم وانخفاض قيمة العملة، إلا أنها كنسبة من المصروفات (3.87 تريليون جنيه) انخفضت إلى 3.5%، بنسبة انخفاض 35.2%، وانخفضت كذلك كنسبة من الناتج المحلي المتوقع للعام الحالي (17.1 تريليون جنيه)، لتصل إلى 0.8%، بنسبة انخفاض 50%.
ومع استمرار الفشل الحكومي ، وعدم ايجاد حلول بديلة للفشل الاقتصادي، تتفاقم معاناة المصريين بين الفقر والعوز والغلاء، وترجع دخولهم وانهيار الجنية الذي بايديهم…ما يقود لفوضى مجتمعية لا محال اتية..