منذ وصول المنقلب عبدالفتاح السيسي إلى السلطة، يتعامل منتقدو النظام والمعنيون بحماية التراث المصري مع ما يصفونه بـ"الانفلات المنهجي" في ملف الآثار، في ظل توسع نفوذ الأجهزة السيادية والعسكرية داخل كل القطاعات، وتراجع دور المؤسسات الرقابية. ويتكرر الحديث عن ثغرات واسعة أتاحت خروج قطع نادرة من البلاد، بدءاً من أزمات اختفاء مقتنيات من مخازن المتاحف، وصولاً إلى فضائح شحنات أثرية ضُبطت في منافذ دولية، واتهامات بغياب الشفافية بشأن مصدرها ومسؤولية الجهات الرسمية عنها.
ويربط معارضون بين هذا المشهد وبين سلسلة وقائع مثيرة للجدل خلال العقد الأخير؛ من بينها حادثة انقطاع الكهرباء عن مطار القاهرة في فترة كان يجري فيها شحن صناديق لوجهات أجنبية، وما أثير وقتها من شكوك حول تمرير قطع أثرية، وكذلك الجدل حول وصول آلاف القطع إلى متحف اللوفر – أبوظبي، والذي تقول تقارير دولية إنه تضمن مقتنيات خرجت من مصر خلال فترات اضطراب أمني. كما برزت قضية أساور الملك بسوسينيس التي اختفت من متحف التحرير قبل سنوات، في إحدى أشهر ملفات الاختفاء الغامض لقطع ملكية نادرة.
وفي هذا السياق المثقل بالاتهامات والتساؤلات، جاءت خطوة أستراليا الأخيرة لتعيد الملف إلى الواجهة مجدداً.
أستراليا تُعيد 17 قطعة فرعونية: حكم قضائي يكشف مسار تهريب جديد
سلّمت الحكومة الأسترالية 17 قطعة أثرية فرعونية نادرة إلى القاهرة، بعد معركة قضائية امتدت منذ عام 2019، وانتهت في سبتمبر/أيلول 2025 بحكم من المحكمة العليا في كانبرا يقضي بالتحفّظ على القطع وإعادتها إلى مصر بعد ثبوت خروجها بطريقة غير مشروعة.
وجرت مراسم التسليم في العاصمة الأسترالية بحضور السفير نبيل حبشي ومسؤولين أستراليين، تخللها توقيع المستندات النهائية لنقل الملكية. وأكدت الحكومة الأسترالية أنّ القطع كانت بحوزة شركة خاصة، وأن التحقيقات كشفت مساراً غير قانونياً لخروجها من مصر.
ووصف نائب وزير الخارجية المصري الخطوة بأنها "ذات توقيت بالغ الأهمية"، تزامناً مع مرور 75 عاماً على العلاقات الدبلوماسية بين البلدين ومع الافتتاح الرسمي للمتحف المصري الكبير، مشيراً إلى أنّ ذلك يعكس تعاوناً دولياً في مكافحة تهريب الآثار.
أسئلة أكبر من القطع المستردّة: أين تتسرب الآثار؟ ومن المسؤول؟
ورغم نجاح القاهرة في استرداد آلاف القطع خلال الأعوام الماضية من دول تشمل الولايات المتحدة وإيطاليا وفرنسا، يرى مراقبون أن هذه النجاحات "تعكس حجم المشكلة أكثر مما تعكس قدرة الدولة على مواجهتها"، إذ تشير قضايا المحاكم الدولية إلى وجود شبكات تهريب منظمة تمكنت لسنوات من إخراج قطع بالغة القيمة.
وتطالب منظمات دولية، بينها جهات متخصصة في حماية التراث العالمي، بضرورة نشر معلومات أوضح عن مسارات القطع المسروقة وآليات خروجها، والتعامل بجدية أكبر مع الثغرات القانونية والإدارية التي سمحت بوجودها في مزادات عالمية ومتـاحف كبرى.
وبينما تواصل السلطات المصرية الاحتفاء بكل قطعة مستردّة، يرى معارضون أن جوهر الأزمة يكمن في غياب الشفافية وتداخل المصالح الأمنية والسيادية في قطاع الآثار، إضافة إلى عقود من الإهمال المؤسسي الذي جعل واحدة من أعظم حضارات العالم عرضة للنهب المنظّم.
