تعيينات بلا كفاءة… كيف يعمّق الفساد الإداري فشل مؤسسات الدولة ؟

- ‎فيتقارير

دقّت دراسة حديثة صادرة عن المركز المصري للدراسات الاقتصادية ناقوس الخطر بشأن ما وصفته بـ«الخلل البنيوي العميق» في منظومة تعيين القيادات داخل الجهاز الإداري للدولة، محذّرة من أن سوء اختيار المسئولين لم يعد مجرد أزمة إدارية، بل تحوّل إلى أحد المحركات الرئيسية لإهدار المال العام وتراجع كفاءة المؤسسات وتآكل الثقة في الدولة.

وتكشف  الدراسة أن نمط التعيينات السائد منذ سنوات -والقائم على الأقدمية، والولاءات، والانطباعات الشخصية- فتح الباب واسعاً أمام إعادة تدوير قيادات مدنية وعسكرية أثبتت فشلها، دون محاسبة أو تقييم حقيقي للأداء، وهو ما انعكس مباشرة على مستوى الخدمات العامة وتعثر السياسات الاقتصادية والإدارية.

تغليب الولاء على الكفاءة

بحسب الدراسة، لا تزال عملية اختيار القيادات في قطاعات واسعة من الدولة بعيدة عن معايير الجدارة والخبرة، وتخضع في كثير من الأحيان لترشيحات مغلقة وغير شفافة. ويُلاحظ تغليب نموذج «الأقدمية المضمونة» على نموذج «الكفاءة القابلة للمساءلة»، خصوصاً في المناصب العليا، ما أوجد فجوة خطيرة بين حجم المسئوليات وقدرات من يتولونها.

وتشير الورقة البحثية إلى أن عدداً كبيراً من الوظائف القيادية يُشغل من دون توصيف وظيفي واضح أو إعلان تنافسي حقيقي، الأمر الذي يحرم الجهاز الإداري من دماء جديدة وكفاءات قادرة على الإدارة الحديثة، ويُبقي مفاصل الدولة أسيرة نخبة محدودة تدور في حلقة مغلقة.

التعيين المؤقت… أداة للهيمنة لا للإصلاح

ومن أخطر ما ترصده الدراسة الانتشار الواسع للتعيين بنظام «الندب المؤقت» في المناصب القيادية، حيث تُقدَّر نسبة من يشغلون مواقعهم بقرارات تُجدد سنوياً في بعض الوزارات بنحو 60%. هذا النمط -وفقاً للباحثين- لا يوفّر الاستقرار المؤسسي، بل يُنتج قيادات هشّة، أكثر خضوعاً للضغوط السياسية، وأقل استعداداً لاتخاذ قرارات إصلاحية جذرية خوفاً من الإقصاء أو عدم التجديد.

ويرى خبراء أن هذا الأسلوب حوّل المناصب العامة إلى مواقع «اختبار ولاء» لا إلى مواقع مسئولية، ما يُضاعف احتمالات سوء الإدارة ويغذّي شبكات المصالح والفساد.

تقييم شكلي وغياب المحاسبة

تكشف الدراسة أيضاً عن هشاشة نظام تقييم الأداء، الذي لا يزال يعتمد على تقارير تقليدية تمنح غالبية الموظفين تقديرات شبه موحّدة مثل «ممتاز» و«جيد جداً»، دون مؤشرات كمية تقيس الإنجاز الفعلي أو جودة الخدمات أو رضا المواطنين. هذا الغياب للمعايير القابلة للقياس يجعل اختيار القيادات عملية أقرب للعشوائية منها للإدارة الرشيدة.

وتؤكد الورقة أن نتائج هذا الخلل لا تقف عند حدود الجهاز الإداري، بل تمتد إلى الاقتصاد ككل، عبر تراجع كفاءة الإنفاق العام، وبطء تنفيذ المشروعات، واستمرار نزيف الهيئات الاقتصادية الخاسرة، في ظل غياب المساءلة الحقيقية.

رؤية حكومية… بلا ضمانات تنفيذ

في المقابل، تروّج الحكومة لرؤية جديدة لإعادة هيكلة الهيئات الاقتصادية ورفع كفاءة القيادات، مؤكدة أن الإصلاح الإداري بات أولوية. غير أن مراقبين يشككون في جدية هذه الوعود، معتبرين أن المشكلة لا تكمن في نقص التشريعات أو الخطط، بل في غياب الإرادة السياسية لإنهاء منظومة التعيينات المغلقة التي كرّست الفشل ووفّرت مظلة حماية للقيادات غير الكفؤة.

ويرى مسئولون نقابيون وخبراء إدارة عامة أن وقف نزيف المال العام لن يتحقق ما لم تُفكك شبكات المصالح داخل الدولة، ويُربط البقاء في المنصب بنتائج واضحة، لا بالرضا السياسي أو الخلفية العسكرية.

فساد مُقنّع بإدارة الدولة

في المحصلة، تكشف الدراسة أن أزمة التعيينات في مصر ليست خطأً إدارياً عابراً، بل جزء من بنية فساد أوسع، أعادت إنتاج قيادات فاشلة في مواقع حساسة، وأفرغت مؤسسات الدولة من مضمونها المهني، لتتحول الإدارة العامة إلى عبء على الاقتصاد بدل أن تكون محركاً للتنمية.