تحقيقاتٌ متأخرةٌ وعدالةٌ انتقائية.. قضية مدرسة الإسكندرية تكشف أعطاب القضاء في زمن السيسي

- ‎فيتقارير

تحقيقات متأخرة وعدالة انتقائية: قضية “مدرسة الإسكندرية” تكشف أعطاب القضاء في زمن السيسي

 

 فتحت النيابة العامة تحقيقاً جديداً في قضية الاعتداء الجنسي على 14 طفلاً داخل مدرسة دولية شهيرة في الإسكندرية، في خطوة أعادت إلى الواجهة أسئلة جوهرية حول نزاهة منظومة العدالة، وحدود استقلال القضاء، وتوظيف القضايا الجنائية ذات الحساسية المجتمعية في سياق سياسي يتسم بتآكل الثقة في مؤسسات الدولة.

 

ويأتي هذا التحرك بعد صدور حكم قضائي بإحالة المتهم، وهو عامل بستاني بالمدرسة، إلى مفتي الجمهورية لأخذ الرأي الشرعي في إعدامه، في إجراء يُنظر إليه من قبل حقوقيين على أنه استجابة متأخرة لضغط الرأي العام، أكثر منه مساراً قضائياً متماسكاً بدأ منذ اللحظة الأولى لكشف الجريمة.

 

جريمة مروعة… ومسؤولية مؤسسية مغيبة

 

 القضية، المقيدة برقم 16372 لسنة 2025 إداري ثان المنتزه، تفجّرت عقب بلاغات تقدمت بها أربع أسر، قبل أن تكشف التحقيقات عن ارتفاع عدد الضحايا إلى 14 طفلاً وطفلة في مرحلة رياض الأطفال، ووفق أوراق التحقيق، استغل المتهم طبيعة عمله داخل المدرسة وحداثة سن الضحايا، وغياب الرقابة، لاستدراج الأطفال إلى غرفة ملحقة بفناء المدرسة، بعيداً عن أعين المشرفين وكاميرات المراقبة.

 

غير أن التركيز القضائي والإعلامي انصبّ سريعاً على المتهم الفرد، في مقابل تعامل باهت مع شبهة الإهمال الجسيم، وربما التواطؤ الإداري، من جانب إدارة المدرسة والعاملين المسؤولين عن سلامة الأطفال، وهي زاوية لم تُفتح إلا لاحقاً، وبعد أن أصبح الحكم بالإعدام في الصدارة.

 

عدالة العقوبة أم سياسة الاستعراض؟

 

إحالة المتهم إلى المفتي، وما تبعها من توسيع التحقيقات، أعادت طرح تساؤلات حول نمط متكرر في عهد السيسي: استخدام أحكام الإعدام كأداة لامتصاص الغضب الشعبي، في ظل غياب إصلاحات بنيوية حقيقية لمنظومات الرقابة والمحاسبة.

 

ويرى مراقبون أن النظام القضائي بات يتحرك، في قضايا بعينها، بمنطق “الردع الاستعراضي”، بينما تتجمد ملفات أكثر حساسية تتعلق بجرائم التعذيب، والقتل خارج القانون، والفساد السياسي، دون مساءلة حقيقية. وفي هذا السياق، تبدو سرعة الدفع نحو أقصى العقوبات في قضايا الرأي العام، مقابل البطء أو التجاهل في قضايا السلطة، دليلاً على عدالة انتقائية لا على استقلال قضائي.

 

 قضاء تحت الضغط

 

 منذ 2013، تعرّض القضاء المصري لعملية إعادة تشكيل ممنهجة، عبر تعديلات تشريعية مكّنت السلطة التنفيذية من التدخل في تعيين رؤساء الهيئات القضائية، ووسّعت من نفوذ الأجهزة السيادية داخل منظومة العدالة.

 

 وضمن هذا السياق، لم تعد القضايا الجنائية الكبرى معزولة عن الحسابات السياسية، ولا عن رغبة النظام في تقديم نفسه حامياً للأمن والأخلاق، ولو على حساب ضمانات المحاكمة العادلة والمسؤولية الشاملة.

الضحايا بين العدالة والرمزية

 

في المحصلة، لا خلاف على فداحة الجريمة، ولا على حق الضحايا في إنصاف حقيقي، غير أن العدالة لا تُختزل في حبل المشنقة، ولا تتحقق عبر تحميل فرد واحد وزر منظومة كاملة من الإهمال والتقصير.

فالخطر الحقيقي، كما يحذر حقوقيون، هو أن تتحول القضية إلى “ملف مغلق” بالإعدام، بينما تبقى الأسئلة الأهم بلا إجابة: كيف وقعت الجريمة؟ ومن المسؤول عن بيئة سمحت بتكرارها؟ ولماذا لا يُحاسَب أصحاب النفوذ والمؤسسات كما يُحاسَب الأفراد الضعفاء؟ في مصر السيسي، يبدو أن القضاء لا يزال يُستدعى حين تحتاج السلطة إلى رسالة، لا حين يحتاج المجتمع إلى عدالة كاملة.