تستلزم الأحكام الصادرة في قضايا التحكيم الدولي ضد مصر؛ دفع تعويضات أو تسويات مالية من الخزينة العامة (البنك المركزي) مع خسارة الجانب المصري، لأن الدولة هي الطرف المتعاقد أو الضامن في معظم هذه النزاعات الاستثمارية.
وواجهت مصر أكثر من 30 قضية تحكيم دولي خلال العقد الماضي، (بظل الانقلاب) لتصبح من أكثر الدول تعرضًا لهذه النزاعات عالميًا. الخصوم الرئيسيون كانوا شركات طاقة أوروبية (خاصة الإسبانية)، ومستثمرين خليجيين (إماراتيين وكويتيين وسعوديين)، إضافة إلى شركات أمريكية. هذه القضايا كلفت مصر مليارات الدولارات في أحكام وتعويضات وتسويات، وأبرزت الحاجة إلى إصلاح بيئة الاستثمار وتفادي العقود غير المدروسة.
ومن أبرز الأحكام والتعويضات؛ قضية يونيون فينوسا جاز (إسبانيا) حيث صدر حكم ضد مصر عام 2018 بإلزامها دفع نحو 2 مليار دولار بسبب وقف إمدادات الغاز لمصنع دمياط بعد ثورة يناير. هذا المبلغ كان من أكبر التعويضات التي واجهتها مصر، وتمت تسويته لاحقًا عبر اتفاق لإعادة تشغيل المصنع وتقسيط المدفوعات.
وفي قضية ناشونال جاز (الإمارات)، طالبت الشركة بتعويضات أمام مركز تسوية منازعات الاستثمار (ICSID) بواشنطن، لكن الحكم صدر لصالح مصر عام 2024، وبالتالي لم تتحمل الخزينة أي مبالغ.
وبعض النزاعات العقارية والاستثمارية بعد 2011 مع مستثمرين كويتيين وسعوديين؛ انتهت بتسويات مالية دفعتها الدولة المصرية، لكن لم تُعلن تفاصيلها بدقة، وغالبًا ما جرى دفعها من الموازنة العامة أو عبر ترتيبات مع وزارة المالية.
وتضمنت مطالبات بمليارات الدولارات، بعضها انتهى بتسويات سرية لتجنب دفع كامل المبالغ، لكن في كل الأحوال تتحمل الدولة أو الشركات المملوكة لها (مثل الهيئة العامة للبترول) التكلفة، أي أن العبء يقع في النهاية على الخزينة المصرية.
وهو ما يعني أن التحكيم الدولي ليس مجرد نزاع قانوني، بل عبء مالي مباشر على الدولة، ويؤكد أهمية مراجعة العقود الاستثمارية لتجنب مثل هذه الخسائر.
منازعة مع الإمارات
واستخدمت الإمارات بالفعل التحكيم الدولي ضد مصر في نزاعات استثمارية، أبرزها قضية الغاز عام 2024، وهي قضايا لا تتعلق بالخلافات السياسية، بل بالنزاعات التجارية والاستثمارية بين شركات إماراتية والجهات المصرية ولم تُسجل قضايا تحكيم دولي مباشرة بين الحكومة الإماراتية والدولة المصرية، بل عبر شركات إماراتية تعمل في مصر.
ودخلت الإمارات بالفعل في نزاعات استثمارية مع القاهرة وصلت إلى التحكيم الدولي، وأبرزها قضية شركة غاز إماراتية أمام مركز تسوية منازعات الاستثمار (ICSID) بواشنطن عام 2024، حيث طالبت بتعويضات ضد مصر، لكن الحكم صدر لصالح الدولة المصرية، وشهدت مصر نزاعات أخرى مع شركات إماراتية مثل إعمار عبر دعوى تحكيم أقامتها "أرابتك مصر" ضد "إعمار مصر للتنمية".
وكان نزاع شركة غاز ناشونال جاس الإماراتية في 2024 مع رجل أعمال مصري، وخلاف مع الهيئة المصرية العامة للبترول بشأن عقد امتياز لنقل الغاز الطبيعي في الشرقية.
وأقامت الشركة دعوى تحكيم دولي أمام مركز تسوية منازعات الاستثمار (ICSID) بواشنطن، استنادًا إلى اتفاقية الاستثمار الثنائية بين مصر والإمارات.
وخلال العام الحالي اختصمت شركة "أرابتك مصر" ضد "إعمار مصر للتنمية" وكلتيهما شركتين إماراتيتين بخلاف حول فروق أسعار في مشروعات "أب تاون كايرو" و"مراسي" بسبب تراجع الجنيه وارتفاع تكاليف البناء.
وأقامت أرابتك دعوى تحكيم أمام غرفة تجارة باريس وطالبت بنحو مليار جنيه مصري كتعويض.
ضد غينيا
ورفعت شركة «أكسيس إنترناشيونال» الإماراتية دعوى تحكيم دولي ضد دولة غينيا، مطالبةً بتعويض مالي ضخم يبلغ 28.9 مليار دولار، على خلفية نزاع يتعلق باستثماراتها في قطاع تعدين البوكسيت.
وتتهم الشركة السلطات الغينية باتخاذ إجراءات تعسفية شملت إلغاء حقوق التعدين الممنوحة لها، ومصادرة المعدات والأصول التشغيلية، وتجميد الحسابات المصرفية المرتبطة بالمشروع، معتبرة أن هذه الخطوات تمثل انتهاكًا لاتفاقيات الاستثمار الدولية التي تكفل الحماية القانونية للمستثمرين الأجانب.
بحسب الشركة، أدت هذه الإجراءات إلى خسائر جسيمة، أبرزها توقف العمليات وضياع استثمارات بمليارات الدولارات، إضافة إلى الإضرار بسمعتها وتقويض ثقة المستثمرين في مشاريعها. وأوضحت أنها لجأت إلى التحكيم الدولي بعد فشل محاولات التسوية الودية مع الحكومة الغينية.
تكتسب القضية أهمية خاصة لأن غينيا تُعد من أكبر منتجي البوكسيت عالميًا، وهو الخام الأساسي لصناعة الألمنيوم، ما يمنح النزاع أبعادًا اقتصادية واستراتيجية تتجاوز حدود الدولة. ومن المتوقع أن يثير هذا الخلاف تساؤلات جديدة حول مناخ الاستثمار في غينيا، ومدى التزامها باحترام العقود الدولية وحماية المستثمرين الأجانب.
حتى الآن، لم تصدر السلطات الغينية تعليقًا رسميًا مفصلًا على الدعوى، بينما يترقب المستثمرون ومتابعو قطاع التعدين في غرب إفريقيا تطورات القضية وتداعياتها المحتملة على مستقبل الاستثمارات الأجنبية في المنطقة.
