في وقت تتصاعد فيه التحركات الحقوقية، للمطالبة بالتحقيق في أوضاع السجناء السياسيين داخل مجمع سجون بدر، تبدو هذه الدعوات مرشحة للانضمام إلى أرشيف البلاغات غير المنظورة، في ظل منظومة قضائية يُنظر إليها على نطاق واسع، بوصفها جزءًا من بنية الحكم لا أداة رقابة عليه.
وتقدّم مدير المبادرة المصرية للحقوق الشخصية حسام بهجت ببلاغ رسمي إلى مكتب النائب العام، طالب فيه بفتح تحقيق جنائي عاجل في أوضاع ومعاملة النزلاء داخل مركز إصلاح وتأهيل بدر 3، والتحقق من مدى احترام حقوقهم الدستورية والقانونية، مع محاسبة المسؤولين عن أي انتهاكات محتملة.
نيابة بلا استقلال
البلاغ، المقيد برقم 5640 لسنة 2026 (عرائض النائب العام)، دعا إلى إجراء زيارة شاملة للمركز، ومقابلة النزلاء مباشرة، وفحص أوضاعهم الصحية والمعيشية، والتحقيق في الشكاوى المقدمة من النزلاء وأسرهم، مستندًا إلى تقرير حقوقي موثق بعنوان: «بين الدعاية والحقيقة: انتهاكات نزلاء سجون بدر».
غير أن هذه المطالب تصطدم بواقع سياسي وقانوني تُتهم فيه النيابة العامة، وعلى رأسها النائب العام، بالافتقار إلى الاستقلال، والعمل بوصفها ذراعًا تنفيذية للسلطة، لا جهة رقابة أو مساءلة.
ويعزز هذا الانطباع استمرار عمل نيابة أمن الدولة العليا، التي ارتبط مسار الترقي داخلها، وفق تقارير حقوقية، بدورها في تقنين القمع ومنح الغطاء القانوني للاعتقال التعسفي.
وتشير سوابق معروفة إلى انتقال عدد من رموز هذه المنظومة إلى مناصب سيادية وتشريعية، من بينها رئاسة أجهزة رقابية ومؤسسات برلمانية مثل هشام بدوي الذى أختاره السيسي لرئاسة مجلس النواب مؤخرا ، في مؤشر على طبيعة العلاقة بين السلطة التنفيذية والهيئات القضائية.
انتهاكات موثقة بلا مساءلة
البلاغ الحقوقي سرد وقائع متعددة، من بينها المنع شبه الكامل من الزيارات منذ عام 2022، بالمخالفة لقانون تنظيم مراكز الإصلاح والتأهيل، والاستمرار في فرض إجراءات استثنائية تعود إلى فترة جائحة كورونا رغم انتهائها، إضافة إلى تقييد الزيارات عبر كابينات زجاجية دون سند قانوني.
كما تضمن البلاغ اتهامات خطيرة تتعلق بالإهمال الطبي، وغياب الرعاية الصحية، وعدم انتظام صرف الأدوية، وتأخير العمليات الجراحية، فضلًا عن منع سجناء مقيدين بالجامعات من أداء امتحاناتهم، ما أدى إلى ضياع أعوام دراسية كاملة.
وفي السياق نفسه، أعلنت الشبكة المصرية لحقوق الإنسان توثيق ما وصفته بانتهاكات جسيمة بحق السياسي والبرلماني السابق محمد البلتاجي داخل المركز الطبي بسجن بدر، شملت منعه من التواصل، وتقييده بشكل دائم، وحرمانه من أبسط حقوقه الإنسانية والطبية، محمّلة وزارة الداخلية المسؤولية الكاملة عن سلامته.
كما وثّق مركز الشهاب لحقوق الإنسان ثلاث محاولات انتحار داخل سجن بدر 3 خلال أسبوع واحد، في ظل احتجاجات مستمرة للأسبوع الثالث على التوالي، دون أي مؤشرات على استجابة رسمية جادة.
دلالات حقوقية
تعكس هذه التطورات فجوة عميقة بين الخطاب الرسمي حول «سيادة القانون»، وواقع ممارسة العدالة في مصر، حيث تتحول البلاغات الحقوقية إلى إجراء شكلي في منظومة مغلقة، تُكافئ القائمين على القمع بدلًا من محاسبتهم. وفي ظل نائب عام يُنظر إليه باعتباره جزءًا من بنية السلطة، ونيابة أمن دولة تشكل العمود الفقري للقمع القانوني، تبدو آمال التحقيق والمساءلة أقرب إلى الوهم منها إلى الاستحقاق الدستوري.
