بدلا من رفع الأجور، أثارت تصريحات علاء عز حول استهداف مصر جذب استثمارات تركية بقيمة 15 مليار دولار حتى 2026 موجة واسعة من التعليقات الغاضبة، خصوصًا بعد إشارته إلى فارق الأجور بين تركيا (800 دولار) ومصر (180 دولار) باعتباره ميزة تنافسية.
وعلق نشطاء على مواقع التواصل أن هذا "تباهيًا برخص العمالة" على حساب حقوق المصريين وركز معلقين على الفارق الكبير في الأجور، حيث وصفه أحدهم بأنه يصل إلى 380% لصالح العامل التركي، منتقدًا أن يُقدَّم هذا التفاوت كميزة اقتصادية.
كما كتب @cenwar30 أن الفرق ".. حوالي 4 أضعاف المرتب المصري ..".
https://x.com/cenwar30/status/2019077485376245969
آخرون مثل الناشط والمحامي عمرو عبد الهادي اعتبروا أن التصريح يمثل "جريمة"، لأنه يفتح الباب لاستغلال العمالة المصرية كـ"سخرة"، ويتعارض مع اتفاقيات منظمة العمل الدولية، والإعلان العالمي لحقوق الإنسان، والعهد الدولي للحقوق الاقتصادية والاجتماعية، فضلًا عن المواثيق الإقليمية كالميثاق الاجتماعي الأوروبي والعربي لحقوق الإنسان.
https://x.com/amrelhady4000/status/2019062569311392000
تعليقات أخرى جاءت أكثر حدة، مثل (محمد) الذي رأى أن المسؤولين يتعاملون مع المصريين كـ"عمالة رخيصة و$خة"،
https://x.com/_sco_field/status/2019101219101286530
بينما وصف أحمد الواقع العملي في مصر بأنه "استعباد وبيئة سامة"، مشيرًا إلى مناوبات تصل إلى 36 ساعة كل 48 ساعة، ومطالبًا بوضع قوانين وضوابط جديدة للعمل.
https://x.com/ahmad1963120/status/2018468064698958134
أحمد الأنصاري أضاف أن المصانع الأجنبية تستغل مصر كـ"ترانزيت"، تستفيد من العمالة الرخيصة والإعفاءات الضريبية والقروض، ثم تصدر منتجاتها للخارج وتبيع الفائض الرديء في السوق المحلي بأسعار مبالغ فيها، مستغلين ضعف قدرة الشعب على المطالبة بحقوقه.
https://x.com/ansarii212/status/2016168240334995742
وفي اليوم العالمي للعمال، ربطت بعض التعليقات بين هذه التصريحات والأزمة الاقتصادية التي يعيشها المصريون. فالتضخم السنوي في المدن بلغ 12.8% في فبراير 2025 وارتفع إلى 13.6% في مارس، ما أدى إلى تآكل القوة الشرائية للأجور. أسعار الغذاء ارتفعت بنسبة 6.6% في مارس، وهو ما يضغط مباشرة على الأسر ذات الدخل المنخفض، هذه الأرقام تعكس أن الأجور المنخفضة التي تُقدَّم كميزة لجذب الاستثمار، في الواقع لا تكفي لتغطية الاحتياجات الأساسية للعمال، ما يجعلهم أكثر عرضة للفقر والاستغلال.
بهذا، يظهر أن التصريح لم يُقرأ كإشارة إلى فرص اقتصادية، بل كتكريس لصورة مصر كبلد يعتمد على "رخص العمالة" لجذب المستثمرين، وهو ما أثار غضبًا واسعًا لأنه يتجاهل حقوق العمال وظروفهم المعيشية الصعبة.
ساعات العمل دليل إدانة
ويعمل نحو 22 مليون مصري، أي ما يقارب 70% من إجمالي المشتغلين، أكثر من 10 ساعات يوميًا، وهو معدل يتجاوز الحد الأقصى الذي حدده قانون العمل المصري رقم 12 لسنة 2003 والقانون الجديد الذي أقره نواب العسكر في فبراير 2023، والذي نص على ألا تتجاوز ساعات العمل اليومية 8 ساعات فقط.
وهذا الواقع ينعكس في قصص العاملين الذين يضطرون إلى الجمع بين وظيفتين أو أكثر، أحيانا تكون وظيفة حكومية بجانب عمله كمحاسب أو سائق، ولا يحصل في أيام الإجازات سوى على ساعتين إضافيتين من النوم، ليصل راتبه إلى أكثر من 10 آلاف جنيه لكنه لا ينام سوى 4 أو 5 ساعات يوميًا.
وقالت منصة "صحيح مصر: " إن معاناة المصريين مع ازدواج الوظيفة وساعات العمل ارهق محمد إسماعيل الذي يعمل في شركة زراعية ومغسلة سيارات لأكثر من 12 ساعة يوميًا، ومحمد رضا الذي يجمع بين عمله في الكول سنتر والتصوير التجاري والأفراح، وسامح إبراهيم الذي يعمل كاشير صباحًا وحارس أمن مساءً ليصل دخله إلى 15 ألف جنيه بالكاد يغطي مصاريف أسرته". معتبرة أن هذه النماذج تعكس واقعًا مرهقًا يعيشه آلاف العمال في مصر، حيث يضطرون للعمل في أيام الإجازات الرسمية والدينية لتلبية احتياجاتهم وسط ضغوط اقتصادية واجتماعية متزايدة.
وبالمقارنة، تمنح القوانين المصرية العامل 21 يومًا إجازة سنوية بعد عام من تعيينه، بينما يحصل العامل في سويسرا على أربعة أسابيع مدفوعة الأجر، وفي الصين على 15 يومًا سنويًا، إضافة إلى 28 يومًا من الإجازات الرسمية مقارنة بـ21 يومًا في مصر.
ورغم الادعاء بأن مصر هي أكثر دولة في العالم تحصل على إجازات، فإنها تحتل المرتبة السادسة عالميًا بإجمالي 22 يومًا رسميًا، متساوية مع بنجلاديش، بينما تتفوق عليها دول مثل ميانمار بـ32 يومًا ونيبال بـ30 يومًا.
بيانات الجهاز المركزي للتعبئة والإحصاء تشير إلى أن متوسط ساعات العمل الأسبوعية انخفض من 55 ساعة في 2011 إلى 48 ساعة في 2023، لكنه لا يزال من بين الأعلى عالميًا.
ووفقًا لموقع World Population Review، بلغ معدل ساعات العمل الأسبوعية في مصر خلال الأشهر الأولى من 2025 نحو 45.5 ساعة، أي ما يعادل 9.1 ساعة يوميًا، فيما سجل قطاع تجارة الجملة والتجزئة أعلى معدل ساعات عمل شهرية بواقع 222 ساعة، يليه قطاع خدمات الغذاء والإقامة بـ221 ساعة، ثم النقل والتخزين بـ220 ساعة، وهو ما يعني أن العامل يتجاوز عشر ساعات يوميًا. وتوضح بيانات منظمة العمل الدولية أن معدل ساعات العمل السنوي للعامل في مصر يبلغ نحو 2236 ساعة، ما يضعها في مرتبة متقدمة عالميًا.
ورغم أن مصر تتساوى مع الصين في معدل ساعات العمل، فإن الفارق في الأجور كبير، فقد تراجع متوسط أجر العامل المصري من ما يعادل 113.8 دولارًا في 2014 إلى 40.8 دولارًا في 2023، بينما يتقاضى العامل الصيني ما بين 275 و370 دولارًا شهريًا. إضافة إلى ذلك، فإن 29.3% فقط من العاملين في مصر مؤمن عليهم وفقًا لقوانين التأمين الاجتماعي، حيث بلغ عدد المؤمن عليهم نحو 9.1 مليون من أصل 31 مليون مشتغل.
توصيات منظمة العمل الدولية في تقريرها لعام 2023 شددت على أن تقليل ساعات العمل يسهم في تحسين السلامة والصحة المهنية وزيادة الإنتاجية وتقليل التكاليف، وأوضحت أن أكثر من ثلث العاملين عالميًا يعملون بانتظام لأكثر من 48 ساعة أسبوعيًا، بينما يعمل خُمس القوى العاملة أقل من 35 ساعة أسبوعيًا، مؤكدة ضرورة ضمان الإجازات القانونية وتجنب التعرض لساعات عمل طويلة.
لهذا تنقل الصين مصانعها لمصر
وفي يونيو الماضي، نشرت صحيفة “ساوث تشاينا مورنينج بوست” (SCMP)، وهي صحيفة مملوكة لمجموعة علي بابا وتصدر في هونج كونج باللغة الإنجليزية، تقريراً بعنوان: “لماذا تنتقل المصانع الصينية إلى مصر في ظل الحرب التجارية مع الولايات المتحدة” لـ “ميا نوليمايتي”، وهي صحفية صينية متخصصة في الاقتصاد السياسي وتعمل كمراسلة لصحيفة “ساوث تشاينا مورنينج بوست“.
تقول صحيفة “ساوث تشاينا مورنينج بوست”، الصحيفة الأبرز والأكثر موثوقية في هونج كونج والتي نُقدّم رؤية إقليمية عميقة من منظور عالمي، إن عدد المصنّعين الصينيين الذين باتوا ينقلون إنتاجهم إلى مصر في تزايد مضطرد، وذلك في مسعى منهم إلى تخفيف الرسوم الجمركية الأمريكية المفروضة على الصين وجنوب شرق آسيا.
وقالت "ساوث تشاينا مورنينج": إن "هناك موجة متزايدة من انتقال المصانع الصينية إلى مصر في ظل الحرب التجارية مع الولايات المتحدة، فمع الرسوم الجمركية الباهظة التي فرضتها واشنطن على الصين وجنوب شرق آسيا، والتي وصلت في بعض الحالات إلى 145% على السلع الصينية و49% على واردات المنطقة، بدأت الشركات الصينية تبحث عن بدائل آمنة لتجنب هذه الأعباء".
التقرير يورد أن مصر استقبلت عشر صفقات استثمارية صينية جديدة بقيمة 60 مليون دولار في مارس، معظمها في المنطقة الاقتصادية لقناة السويس، بينما بلغ إجمالي الاستثمار الصيني المباشر في مصر 1.29 مليار دولار حتى عام 2023، مع وجود أكثر من 2500 شركة صينية عاملة، بينها شركات كبرى مثل ZTE وOPPO وGAC MotorK كما أن تكاليف العمالة المنخفضة في مصر، التي تتراوح بين 100 و150 دولارًا شهريًا، أي أقل من نصف نظيرتها في جنوب شرق آسيا، تمثل عامل جذب رئيسي، خاصة في قطاع المنسوجات الذي شهد ارتفاعًا في صادرات الملابس المصرية بنسبة 22% في الأشهر الأربعة الأولى من 2025 لتتجاوز مليار دولار.
