منذ تأسيسه في 2018، جرى الترويج لصندوق مصر السيادي باعتباره أداة حديثة لتعظيم الاستفادة من أصول الدولة وحماية حقوق الأجيال المقبلة. لكن بعد ست سنوات، تبدو الحصيلة مختلفة تماماً: صندوق يعمل في الظل، بلا شفافية حقيقية، وبلا رقابة برلمانية أو مجتمعية أو صحفية، حتى بات أقرب إلى حساب شخصي مفتوح تُدار عبره أصول الدولة خارج أي مساءلة ، وصندوق أسود لنهب المنقلب السيسى للمليارات من أصول مصر.
الدراسة الصادرة أخيراً عن مركز "حلول للدراسات البديلة" لا تكتفي بتوصيف خلل إداري أو ضعف إفصاح، بل تضع يدها على جوهر المشكلة: غياب الشفافية لم يعد استثناءً، بل أصبح نظاماً مؤسسياً مكتمل الأركان، يحوّل إدارة ممتلكات المصريين إلى عملية مغلقة لا يعرف أحد كيف تُدار، ولا لماذا، ولا بأي سعر تُباع أو تُشارك.
بيع الأصول تحت ستار السيادة
وفق الدراسة، يعمل الصندوق خارج المعايير المعترف بها دولياً للصناديق السيادية، بسبب الجمع بين السلطة السياسية والقرار الاستثماري في كيان واحد. هذا التداخل الخطير يحوّل الصندوق من أداة استثمار طويل الأمد إلى آلية سريعة لتسييل الأصول، تُستخدم لسد فجوات مالية قصيرة الأجل، على حساب حقوق الأجيال القادمة.
الأخطر أن الأسئلة الأساسية لا تزال بلا إجابة: ما القيمة الحقيقية للأصول التي نُقلت إلى الصندوق؟ ما العائد المتحقق منها؟ ما تكلفة إدارتها؟ وكم من الأصول جرى بيعها أو الشراكة عليها، ولصالح من، وبأي تقييم؟
موقع الصندوق الرسمي، بحسب الدراسة، يخلو من الحد الأدنى للإفصاح: لا تقارير أداء مفصلة، لا بيانات دورية عن المخاطر والعوائد، ولا معلومات واضحة عن آليات التسعير أو التخارج، رغم أن الصندوق يدير واحدة من أكبر عمليات نقل الملكية العامة في تاريخ مصر الحديث.
أصول بلا تسعير.. وقرارات بلا مساءلة
الأرقام المعلنة تكشف مفارقة فادحة: رأس مال مُصدر 5 مليارات جنيه، ورأس مال مرخص 200 مليار جنيه، بينما القيمة الحقيقية تكمن في أصول عامة غير مُسعّرة نُقلت بقرارات سيادية. هذه الأصول تشمل أراضي شاسعة، شركات، مباني تاريخية في مواقع تجارية وسياحية حساسة، ومشروعات خدمية أُخرجت من نطاق المنفعة العامة وأُدرجت في محفظة قابلة للبيع أو الشراكة الفورية مع مستثمرين محليين وأجانب.
ما لم يحدث، وفق الاقتصاديين، هو الإعلان عن أي تقييمات مستقلة وشفافة لهذه الأصول قبل نقلها، أو إتاحة بيانات للرأي العام تشرح أسس تحديد حصص المستثمرين ونسب التخارج. وهنا يصبح الحديث عن "استثمار سيادي" مجرد غطاء لغوي لعملية تصفية أصول تحت ضغط الديون، بلا نقاش مجتمعي أو رقابة.
تصميم مؤسسي معيب
الخلل لا يتوقف عند غياب الإفصاح، بل يمتد إلى بنية الصندوق نفسها. فرئيس مجلس الوزراء يرأس جمعيته العمومية، والوزراء يحتلون قلب دوائر اتخاذ القرار، ومجلس الإدارة يُعيَّن بقرار جمهوري. هذا التداخل بين المالك والمنظم والمدير، كما يوضح خبراء الاقتصاد، يعني عملياً غياب أي رقابة مستقلة، وتحويل الصندوق إلى ذراع تنفيذية لتسييل الأصول.
المقارنة مع النماذج الدولية كاشفة. صندوق التقاعد الحكومي في النرويج يدير أصولاً تفوق 1.4 تريليون دولار، دون وجود وزراء في مجلس إدارته، مع نشر تفصيلي ودوري لكل ما يتعلق بالأداء والمخاطر والتكاليف. وصندوق "تماسيك" السنغافوري يخضع لتقييمات ائتمانية مستقلة ويصدر تقارير سنوية تُدرّس كنموذج للشفافية. في المقابل، لا يتيح الصندوق المصري أي بيانات عامة جادة تسمح بتقييم أدائه أو مساءلته.
حصانة قانونية ضد المجتمع
القانون المنظم للصندوق يمنحه تحصيناً واسعاً ضد الطعن القضائي، ويغلق الباب عملياً أمام أي رقابة مجتمعية أو قانونية على عقود نقل الأصول أو الشراكات، إلا في حالات جنائية نادرة يصعب إثباتها. هذه الحصانة، بحسب خبراء قانونيين، تنزع عن الأصول العامة أي حماية مؤسسية، وتحولها إلى سلعة تُدار بعيداً عن المجتمع.
التقييمات الواردة في دراسة مركز "حلول" تعكس هذه الفجوة بوضوح: درجات متواضعة في الحوكمة والاستدامة والمرونة، مقابل مستويات شبه كاملة في الصناديق السيادية الرائدة عالمياً. الفارق ليس في الإمكانات، بل في الإرادة السياسية ونموذج الإدارة.
من صندوق أجيال إلى صندوق تصفية
خلاصة المشهد، كما يراها اقتصاديون شاركوا في إعداد تقارير حوكمة دولية، أن أي صندوق سيادي لا ينشر تقارير منتظمة ولا يخضع لرقابة برلمانية حقيقية، لا يمكن اعتباره صندوق أجيال. بل هو أداة بيع، لا استثمار. أداة لإدارة أزمة، لا رؤية استدامة.
بهذا المعنى، لم يعد صندوق مصر السيادي أداة سيادية لحماية الثروة الوطنية، بل تحول إلى صندوق أسود تُدار فيه ممتلكات المصريين بعيداً عن أعينهم. صندوق بلا شفافية، بلا فصل بين السياسة والاستثمار، وبلا مساءلة. والنتيجة: تصفية أصول اليوم، وحرمان أجيال الغد، تحت شعار الاستثمار، بينما الواقع يقول شيئاً آخر تماماً.
