شكلت مداخلات قضاة سابقين وحقوقيين وناشطين بالدعاء على القضاة الذين ارتبطت أسماؤهم بأحكام قاسية أو محاكمات سياسية ظاهرة لافتة على مواقع التواصل الاجتماعي، أثارت بكاء وقلق هؤلاء القضاة (كحالة المجرم محمد شيرين فهمي) من المآلات الأخروية والذاكرة الشعبية التاريخية التي لا تنسى لمثل حالة المستشار شعبان الشامي أو معتز خفاجي أو العنتيل الهالك ناجي شحاتة.
وربط مراقبون هذه الظاهرة بما يحدث في الجنازات، حيث يعتبرونها في الدول الديكتاتورية بمثابة استفتاء شعبي صامت على النظام ورموزه وفي الأثر "موعدنا معهم الجنائر".
والجنازات، كما يرى هؤلاء، تكشف بوضوح اتجاهات الرأي العام، فإذا كان الحضور كثيفًا والدعاء بالرحمة حاضرًا، فهذا يعكس قبولًا أو احترامًا للشخص المتوفى. أما إذا غابت مشاعر التعاطف وحضرت السخرية أو الشماتة، فهذا يعكس رفضًا عميقًا للنظام الذي كان القاضي أو المسئول جزءًا منه.
حول هذا المعنى كتب الناشط على فيسبوك في منشور عبر حسابه، قضية لافتة تتعلق بردود الفعل الشعبية على وفاة أحد القضاة البارزين، حيث لاحظ أن التعليقات على الخبر في المواقع الحكومية كانت مليئة بالشماتة والدعاء بعدم الرحمة، حتى اضطرت هذه المواقع إلى إغلاق خاصية التعليقات. الأكثر تداولًا كان رمز الضحك على طلب الرحمة، وهو ما كشف عن غضب اجتماعي واسع.
ويرى شيرين أن الجنازات في الدول السلطوية تمثل الاستفتاء الشعبي الحقيقي على النظام، فهي تكشف اتجاهات الشارع بوضوح. هذا القاضي كان أداة من أدوات الحاكم في تنفيذ أحكامه، ولذلك جاءت ردود الفعل الشعبية كاشفة عن رفض عام، ليس بدافع سياسي بالضرورة، بل نتيجة غضب اجتماعي متراكم.
وأكد أن الأغلبية لا تهتم بالسياسة أو الأحزاب، بل تطالب بعقد اجتماعي عادل: مسكن آمن، غذاء بسعر معقول، وظيفة كريمة، علاج متاح، وتعليم مقبول. إذا تحقق هذا العقد فلن يهتم الناس بالسياسة، وسيكون رد فعلهم على وفاة أي مسئول مليئًا بالدعاء بالرحمة لا بالشماتة. لكنه يشدد على أن العدالة هي الركيزة الأولى لهذا العقد، وأن غيابها يجعل المجتمع ينفجر غضبًا حتى في لحظات الموت.
وخلص شيرين إلى أن الشعب المصري من أسهل الشعوب حكمًا، لا يطلب سوى الستر والعدل. لكن حين يغيب العقد الاجتماعي وتتحول أدوات النظام إلى رموز للقمع، تصبح الجنازات استفتاءً صامتًا يكشف حجم الرفض الشعبي. النتيجة واضحة للأعمى: غضب اجتماعي عميق، لا يمكن إخفاؤه خلف الشعارات الرسمية.
محمد شيرين فهمي
وعن شيرين آخر وهو القاضي الظالم المنتسب لـ"فهمي" تناول المستشار وليد شرابي، القاضي السابق وعضو حركة "قضاة من أجل مصر"، تفاصيل تحقيق أجراه معه المستشار محمد شيرين فهمي بعد فض اعتصام رابعة، وهو التحقيق الذي استمر 3 أيام متواصلة بواقع 8 ساعات يوميًا.
وأوضح "شرابي" أن القضية التي حوكم بسببها كانت مرتبطة بإعلانه فوز الرئيس محمد مرسي في انتخابات 2012، وأن شيرين فهمي تعامل معه كأداة أمنية لا كقاضٍ.
في المشهد الأول من التحقيق، فوجئ شرابي بمكالمة هاتفية بين شيرين فهمي وأحد ضباط الأمن الوطني، حيث أملى القاضي بنفسه على الضابط صياغة التحريات التي تدين المتهمين، ما كشف عن تواطؤ خطير بين القضاء والأجهزة الأمنية. وعندما أبدى شرابي دهشته، أجابه شيرين بأن "القضاة يتعاونون مع الأمن الوطني لمصلحة مصر"، وهو ما رفضه شرابي مؤكدًا أن الشعب وحده يحدد مصلحة البلاد.
أما المشهد الثاني، فقد عرض شيرين على شرابي صفقة مغرية: الإبقاء عليه في منصبه القضائي ومستشارًا لوزير المالية، مقابل ظهوره في برامج تلفزيونية يهاجم فيها حكم مرسي ويمتدح الجيش في 3 يوليو. شرابي رفض العرض وطلب مهلة أسبوع، فهدده شيرين بالسجن والاخفاء القسري، ثم أصدر قرارًا بمنعه من السفر.
شرابي أكد أن هذه التجربة جعلته يدرك أنه لا يتعامل مع قاضٍ بل مع مندوب أمني ينفذ أوامر عليا، وأنها كانت بداية خروجه من مصر. وفي رسالته الأخيرة، وجّه كلامه لشيرين فهمي بأن ما ينتظره من دعوات المصريين سيكون أشد من تلك التي لاحقت المستشار ناجي شحاتة، لأنه – بحسب شرابي – يده ملوثة بدماء الرئيس الراحل محمد مرسي الذي مات أمامه في قاعة المحكمة.
ما لفت في شهادة "وليد شرابي" تعليق للأكاديمي السابق بجامعة الأزهر إسماعيل علي الذي كتبه بشأن التحقيق معه بواسطة القاضي المجرم المعين من سلطة الانقلاب، الذي طلب منه في التحقيق ـ مقابل عدم التعرض له بسوء ـ أن يخرج على الإعلام وينال ـ زورًا وبهتانًا ـ من الرئيس #محمد_مرسي ـ يرحمه الله ـ ..
يروي المستشار وليد شرابي فيقول:
"فقال لي : حتطلع في برنامجين في التليفزيون إحنا حنحددهم لك حتشتم في سنة حكم محمد مرسي والأخطاء الكارثية اللي عملها وكانت حتودي البلد في داهية ، وحتشكر الجيش على انحيازه للشعب يوم ٣ / ٧ / ٢٠١٣".
إن هذا لَعار، وبقعة خبيثة في ثوب القضاء المصري المعاصر؛ حيث إن هذه القاضي الأثيم كان يُحاكِم الرئيسَ مرسي و#الإخوان_المسلمين، والواقع أنه أحدُ أفجرِ خصومِهم، وكلنا رأى كيف كان يتعمد إهانة الرئيس والتضييقّ عليه خلال المحاكمة الظالمة، وكيف ارتقت رُوح الرئيس الشهيد محمد مرسي، حيث سقط على الأرض مغشيًّا عليه في قفص المحكمة الزجاجيّ، وتُرِك حوالي 20 دقيقة دون أن يُسعِفه أحد، على مرأى ومسمع من هيئة المحكمة برئاسة القاضي الظالم المجرم "شيرين فهمي" ..
وبعد استشهاد الرئيس مرسي، جاء شيرين فهمي في الجلسة التالية لاستشهاد الرئيس مرسي، بتاريخ 7/9/2019، لم يستطع شيرين فهمي أن يخفي غِلَّه ويداريَ خصومته الفاجرة، فقال: "المتهم محمد مرسى وافته المنية، وكان يستحق العقاب وحسابه عند ربه"!!! مع أنه ـ بحسب قانون الإجراءات الجنائية ـ تنقضي الدعوى الجنائية بوفاة المتهم"، أي تنتهي صلاحية الجهات القضائية في متابعة الإجراءات القانونية ضد المتهم، ولكنه الغل الأسود والحقد المركب وانطماس البصيرة والفطرة. وحسبنا الله ونعم الوكيل.
https://www.facebook.com/photo?fbid=2687382151620529&set=a.124627797895990
لماذا اترحم عليه؟
وفي السياق الزمني كتب المحامي والناشط الحقوقي جمال عيد عبر Gamal Eid عن علاقته السابقة بالمستشار سعيد مرعي، رئيس المحكمة الدستورية العليا السابق، موضحًا أنه كان قريبًا منه قرابة وجيرة، لكن الخلاف بينهما اتسع مع مرور السنوات، خاصة بعد أحداث رابعة العدوية. رغم أن سعيد مرعي لم يؤذه شخصيًا، فإن عيد رفض حضور جنازته أو تقديم العزاء، لأن الخلاف لم يكن شخصيًا بل متعلق بالعدالة التي غابت في عهده.
وقارن عيد موقفه أيضًا بالحقوقي حافظ أبو سعدة، الذي كان صديقًا وجارًا ورئيسًا له في المنظمة المصرية لحقوق الإنسان، لكنه لم يحقق العدالة أو يدافع عن حقوق الإنسان كما ينبغي. لذلك، يرى عيد أن الوفاة لا تعني نسيان الأفعال، بل يجب أن تُذكر لتظل شاهدة على السيرة.
وطرح جمال عيد أسئلة مباشرة: هل يترحم على من أغلق مكتبات الكرامة؟ أو من ضربه وكسر ضلوعه؟ أو من أقسم على حماية العدالة ثم شارك في الظلم؟ أو من منعه من السفر وتسبب في رحيل أسرته؟ جوابه كان بالنفي، مؤكدًا أنه سيذكر أفعالهم لا محاسنهم.
واختتم بمثل واضح: إذا أراد أحد أن تكون نهايته وسمعته مثل نيلسون مانديلا، فلا يفعل كما فعل القذافي. أي أن السيرة والسمعة تُبنى بالأفعال، لا بمجرد الموت أو المناصب.
والمستشار سعيد مرعي محمد جاد عمرو، رئيس المحكمة الدستورية العليا السابق في مصر، توفي في 16 فبراير 2022 عن عمر ناهز 67 عامًا، بعد أيام قليلة من إحالته إلى التقاعد بسبب ظروفه الصحية. وقد تولى رئاسة المحكمة الدستورية العليا في يوليو 2019 خلفًا للمستشار حنفي جبالي، واستمر حتى فبراير 2022 حين خلفه المستشار بولس فهمي.
وعلى غرار هذا المنشور الذي لا يخفي أسماء من ينتقدهم سبق لرئيس الشبكة العربية لمعلومات حقوق الإنسان (قبل اغلاقها) جمال عيد أن كتب منشورًا قصيرًا بعنوان "٣ سقطوا، ٢ لازم يعتذروا". أوضح فيه أن ثلاثة شخصيات عامة سقطوا في نظره:
"القاضي" عدلي منصور الذي تولى حكم مصر بقوانين وصفها بالظالمة مثل قانون التظاهر، معتبرًا أنه نقل البلاد من الأمل إلى الظلام.
ومحمد فائق رئيس المجلس القومي لحقوق الإنسان السابق، الذي تواطأ على الحقوق وأدى إلى انتشار الظلم في آلاف البيوت.
ومشيرة خطاب التي دعمت كل سلطة من مبارك إلى السيسي، وكذبت في قضية مكتبات الكرامة، وتواطأت على حقوق الإنسان حين تولت المجلس القومي.
ثم أشار إلى شخصيتين يرى أنهما يجب أن يعتذرا:
حسام عيسى الوزير الناصري الذي برر العنف ضد الطلاب بقوله "الخرطوش بيلسع".
وكمال أبو عيطة الذي كان صوتًا في ثورة يناير لكنه تحول إلى داعم للنظام الجديد، وساعد السلطة في الإيقاع بالمعارض هشام قاسم.
عيد شدد أن قبول الاعتذار مرهون أولًا بقبول الضحايا أنفسهم، وأن من يرفض الاعتذار يصبح في حكم "الخصم" مثل من سقطوا بالفعل. بهذه الخلاصة، أراد أن يوضح أن التاريخ لا يُكتب بالوفاة أو المناصب، بل بالمواقف تجاه العدالة وحقوق الناس.
أما الكاتب حسين عبد الظاهر Hussein Abdelzaher فكتب تحت عنوان "لماذا ندعو على #القاضي_الظالم ؟". موضحا أنه ليس مجرد انفعال، بل موقف شرعي واجتماعي له أبعاد واضحة. فالظلم في ذاته محرّم بنص الحديث القدسي: "يا عبادي إني حرمت الظلم على نفسي وجعلته بينكم محرماً". لذلك، الدعاء على القاضي الظالم يُعد إنكارًا للمنكر وإعذارًا إلى الله.
ويوضح أن الدعاء على الظالم يمنع الفتنة في الأرض، إذ لا يجوز أن يرى الناس قاضيًا يظلم ثم يُترحم عليه عند وفاته، فهذا يضلل العامة ويجعلهم يختلط عليهم الحق بالباطل. كما أن الدعاء عليه رسالة لشباب القضاة بأن الظلم له عواقب وخيمة، أقلها غضب الناس ودعاؤهم على من ظلم.
ورأى أن الدعاء أيضًا وسيلة لردع غيره من القضاة والظالمين، لأنه يذكّرهم بأن المجتمع لا يغفر الظلم، وأن من كان ملاذًا للمظلوم ثم تحوّل إلى عون للظالم، فقد خان الأمانة. القاضي الظالم شارك في ضياع أعمار وتشريد أسر وخراب بيوت، لذلك الدعاء عليه واجب أخلاقي وديني.
ولفت إلى أنه حتى لو كان له أعمال صالحة لا يعرفها الناس، فإن المجتمع يتعامل معه بصفته صاحب الكلمة الفصل في الحقوق، فإن عدل دُعي له بالرحمة، وإن ظلم دُعي عليه. وأمر أعماله الصالحة خارج القضاء إلى الله.
أكرموهم بالدعاء عليهم!
وكتب (عمر المصري) منشورًا على فيسبوك تحت هاشتاج #تربينا معكم ركّز فيه على فكرة الدعاء على القضاة الظالمين باعتباره تكريمًا للمظلومين وإنصافًا لهم. أوضح أن دعوات الناس يجب أن تُلاحق الظالم حتى بعد موته، ترافقه في قبره، لأن الذهب والجاه والوعيد لا ينفعونه.
ودعا "المصري" إلى هدم بيوت الغرور وقلاع التزوير التي بناها هؤلاء القضاة، مؤكدًا أن سهام الدعاء لا توقفها شرطة ولا يمنعها جيش، فهي تصل إلى الظالم في حياته وبعد مماته. وأشار إلى أن الناس جميعًا ماضون إلى ربهم، لكن الفارق أن البعض يترك صدقة جارية وعلمًا نافعًا، بينما يترك آخرون مظالم جارية وتاريخًا أسود يجعل الصالحين وأبناؤهم يدعون عليهم.
وشدد على أن الدعاء على الظالمين هو شهادة على أفعالهم، وأن الله سيحكم بينهم وبين المظلومين يوم القيامة، حيث يكون الانتقام الإلهي هو ما يشفي صدور المظلومين. بهذه الكلمات، أراد عمر المصري أن يرسّخ أن الظلم لا يُنسى، وأن الدعاء على الظالمين هو جزء من مقاومة باطلهم وتذكير الناس بسيرتهم الحقيقية.
وأشار محمد أحمد Mohamed Ahmed إلى أن موت هؤلاء يعني ".. تم إحالة الأوراق الحقيقية إلى محكمة مكتوب علي بابها ”ونضع الموازين القسط ليوم القيامة فلا تُظلم نفسٌ شيئاً وإن كان مثقال حبة من خردل أتينا بها وكفا بنا حاسبين “ .
https://www.facebook.com/photo/?fbid=122159974940685315&set=a.122097502850685315
بهذا المعنى، يصبح مشهد الموت مؤشرًا على العلاقة بين الشعب والسلطة، ويكشف أن الغضب ليس بالضرورة سياسيًا مباشرًا، بل اجتماعي متراكم نتيجة غياب العدالة والإنصاف.
لذلك، يرى المراقبون أن الدعاء على "ظلمة القضاة" ليس مجرد رد فعل عاطفي، بل رسالة قوية بأن العدالة هي أساس العقد الاجتماعي، وأن غيابها يحوّل حتى لحظة الموت إلى استفتاء شعبي على النظام بأكمله.
