بيع الوهم بزراعة القمح بأرض شديدة الملوحة.. “بروباجندا” العسكر تحرق صغار المستثمرين في “المُغرة”

- ‎فيتقارير

 

بعد تفاخر بيان مجلس الوزراء المنشور في 27 أبريل 2026، بإعلان رئيس شركة تنمية الريف المصري الجديد، اللواء أركان حرب مهندس عمرو عبد الوهاب، نجاح تجربة زراعة القمح في التربة عالية الملوحة ضمن منطقة المغرة بمشروع  الـ 1.5 مليون فدان، وجه العديد من المواطنين والمستثمرين بالمشروع انتقادات له وشكاوى من عدم توفر المياه والكهرباء بالمشروع واشتغلت الماكينة الإعلامية للانقلاب بأقصى طاقتها للترويج "لإنجاز" جديد يرتدي ثوب العلم.

وقال مراقبون إن بيان اللواء عمرو عبدالوهاب، وبيان حكومة السيسي يتبنى منهجية "عبد العاطي كفتة" في بيع الأوهام، اصطدم بواقع مرير وثقته منصة "متصدقش" عبر شهادات ميدانية وأرقام صادمة تكشف حجم الكارثة التي خلفها سوء التخطيط العسكري للمشروعات المدنية.

 

11 عاماً من الوعود و29% فقط من التنفيذ

بدأ مشروع المليون ونصف فدان في ديسمبر 2015 كـ "مشروع قومي" يهدف لزيادة الرقعة الزراعية بنسبة 20%. ولكن لغة الأرقام لا تجامل؛ فبعد مرور أكثر من عقد، كشفت البيانات أن المستصلح فعلياً حتى أغسطس 2025 لم يتجاوز 440 ألف فدان، أي بنسبة إنجاز متدنية بلغت 29% فقط.

هذا التعثر ليس مجرد تأخير زمني، بل هو نتيجة مباشرة لهيكل إداري يغلب عليه الطابع العسكري؛ حيث تُدار شركة "الريف المصري الجديد" بعقلية "الأمر المكتبي". ويشغل الفريق كامل الوزير منصب نائب رئيس مجلس إدارة الشركة، بينما يضم المجلس لواءات مثل المهندس أسامة الجنزوري.

 

فخ "المُغرة": شراء الأرض أم شراء المجهول!

يروي الحاج أحمد (اسم مستعار لمستثمر)، مأساة صغار المزارعين الذين استجابوا لنداء الدولة. ففي المرحلة الأولى بمنطقة "المُغرة" بمطروح، وضعت الشركة شروطاً تعجيزية؛ منها ضرورة تأسيس شركة وتملك حد أدنى 230 فداناً. يقول الحاج أحمد: "أجبرونا على التجمع مع أشخاص لا نعرفهم لتأسيس شركات، ودفعنا المقدمات وانتظرنا عامين لمجرد استلام الأرض".

وشهادات المستثمرين كانت حصرية لمنصة "متصدقش"، لكشف أن من يدير المشروع ليسوا أصحاب المكاتب المكيفة في مدينة نصر، إنما المزارعون الذين يواجهون الموت والافلاس في قلب الصحراء.

وعند استلام الحاج أحمد، بدأت رحلة الشقاء. فالوصول للأرض يتطلب سلوك "مدق نجيب محفوظ"، وهو طريق وعر لا تقطعه إلا سيارات الدفع الرباعي. ويؤكد المستثمر نبيل وائل أن الدولة أخلفت وعودها بتوفير المرافق، واضطروا لتمهيد الطرق بأنفسهم بتكلفة بلغت 25 ألف جنيه للكيلومتر الواحد، بينما تهرب مسئولو الشركة من تنفيذ بنود كراسة الشروط.

 

هل خدع فاروق الباز الدولة؟

تعتبر ملوحة المياه في "المُغرة" هي "القنبلة" التي فجرت المشروع. اكتشف المزارعون أن ملوحة المياه تصل في بعض المناطق إلى 14 ألف جزء في المليون، وهي نسبة تقتل المحاصيل التقليدية. وعندما واجه المستثمرون وزارة الري، جاء الرد صادماً: "الوزارة غير مسئولة، والمشروع اعتمد على رؤية ودراسات العالم فاروق الباز الذي أكد وجود مخازن مياه جوفية ضخمة".

هذا التضارب ظهر جلياً تحت قبة البرلمان عام 2017، حين اتهم عاطف حنورة (رئيس الشركة الأسبق) وزارة الري بتقديم معلومات مغلوطة، موضحاً أن المياه تكفي لزراعة 26% فقط من المشروع، بعد أن ادعوا سابقاً أنها تكفي المليون ونصف المليون فدان بالكامل. إن الاعتماد على "نظريات" جغرافية دون دراسات جدوى ميدانية هو تكرار لسيناريو "جهاز الكفتة"، حيث يتم تبني أفكار براقة سياسياً وفاشلة فنياً.

 

العلم في خدمة البروباجندا

تدقيق منصة "متصدقش" كشف عن فضيحة إدارية؛ فبالرغم من أن الدولة أطلقت المشروع في 2015، إلا أن "مركز بحوث الصحراء" أكد للمستثمرين أنه لم يُطلب منه إجراء أي فحص للمنطقة قبل الإطلاق. والمفاجأة الأكبر تمثلت في دراسة حكومية أُجريت عام 2019 (بعد 4 سنوات من بدء المشروع) لصالح شركة الريف المصري نفسها، أكدت أن مياه المُغرة تحتوي على متوسط ملوحة 6090 ملجم/لتر، وهي مياه "قلوية وشديدة القسوة".

التوصية العلمية في هذه الدراسة كانت واضحة: "المنطقة لا تصلح للزراعات التقليدية (قمح، ذرة)، وتناسب فقط محاصيل شديدة التحمل مثل الجوجوبا أو التين الشوكي". ومع ذلك، أخفت الشركة هذه الدراسة عن المستثمرين، وتركتهم يستنزفون مدخراتهم في محاولات فاشلة لزراعة القمح، ثم خرجت في 2026 لتتحدث عن "إنجاز علمي" لزراعة سلالات قمح مقاومة، وهو ما وصفه خبير سياسات زراعية لـ "متصدقش" بأنه "دعاية إعلامية لم تصل لمرحلة التداول التجاري".

 

غرامات 30% على "الوهم"

بينما كان المستثمرون يصارعون ملوحة التربة، كانت شركة الريف المصري تمارس دور "المحصل القاسي". فالحاج أحمد وشركاه أُجبروا على سداد الأقساط بانتظام، وأي تأخير لمدة 15 يوماً كان يتبعه فرض فوائد وغرامات تصل إلى 30%.

هذا السلوك الإداري يعكس فلسفة النظام في إدارة المشروعات القومية؛ فهي ليست مشروعات تنموية تهدف لزيادة الإنتاج، بل هي "أدوات لجمع الأموال" من جيوب المستثمرين الصغار تحت ستار الوطنية. وعندما حاول المزارعون الحصول على قروض من البنك الزراعي لزراعة الزيتون في 2021، رفض البنك منحهم أي تمويل بحجة أن "أرض المُغرة غير منتجة ولا مجدية اقتصادياً".

وتكتمل دائرة الفشل بالجانب الأمني؛ فالمشروع الذي يبعد مئات الكيلومترات عن أقرب عمران، أصبح مسرحاً لعمليات السرقة المنظمة. يشكو المستثمرون من سرقة منظومات الطاقة الشمسية والمعدات، ورغم دفع رواتب لأفراد أمن وتقديم بلاغات رسمية، تظل الاستجابة الأمنية غائبة، مما يدفع المستثمر لخسارة "الأرض والمال والأمان".

 

الحقيقة المرة

إن ما يروجه مجلس الوزراء عن "طفرة زراعية" في المُغرة هو محض تضليل إعلامي يهدف للتغطية على فشل هيكلي في إدارة موارد الدولة. إن منهجية "عبد العاطي كفتة" لم تكن مجرد واقعة عارضة، بل هي عقيدة إدارية تتبنى المشاريع الكبرى (Mega Projects) دون دراسات حقيقية، وتعتمد على الرتب العسكرية في الإدارة بدلاً من الكفاءات العلمية.

اليوم، يقف المزارع المصري مدبوحاً بين رمال المغرة المالحة، وأقساط الشركة التي لا ترحم، ودعاية إعلامية تبيعه "قمحاً وهمياً" على الشاشات، بينما لا يحصد في الواقع إلا الهشيم. إن الدولة، كما أكد باحثون؛ مدينة لهؤلاء المستثمرين بالتعويض عن "بيع الوهم"، بدلاً من الاستمرار في تجميل وجه القبح ببيانات رسمية زائفة.