في دولة الخوف تسيطر الأجهزة الأمنية على مفاصل الدولة، بالأخص على المواقع الأكثر أهمية مثل الجامعات والمعاهد والمراكز البحثية، فلا يمكن تعين معيد أو باحث أو موظفي الإدارات المهمة إلا بعد أخذ موافقة الأجهزة الأمنية، ويستمر دور الأجهزة في متابعة هذه المؤسسات والجامعات، كثير من الطلاب المتفوقين لم يتمكنوا من اللحاق بالجامعات والعمل الأكاديمي، بسبب تقارير الأجهزة الأمنية سلبية بحقهم.
القضاء الإداري يُسقِط "الموافقات الأمنية"
في “كفر الشيخ” القبضة الأمنية تخنق المجتمع، فقد ألزمت محكمة القضاء الإداري منذ يومين جامعة كفر الشيخ بدفع تعويض 20 ألف جنيه لخريجة في كلية الهندسة بقسم نظم الميكاترونكس.
جاء الحكم على خلفية الأضرار اللي تعرضت لها جراء امتناع الجامعة عن تعيينها في وظيفة معيدة بالقسم بسبب "التحفظات الأمنية".
بطبيعة الحال هناك قدر كبير من الغرابة في مبلغ التعويض الهزيل، في مقابل فقدان وظيفة ومسار أكاديمي بالتعيين معيدة في كلية الهندسة، لكن الحكم في حد ذاته مهم ويفتح الباب لنقاش أوسع حول التدخلات الأمن في الجامعة.
حيثيات القضية
حصلت خريجة الهندسة على تقدير امتياز مع مرتبة الشرف وكانت الأولى على قسمها، واستوفت جميع الشروط القانونية والأكاديمية اللازمة للتعيين، وفقاً لموقع المصري اليوم.
حصلت الخريجة كذلك على موافقة مجلس القسم ومجلس الكلية لترشيحها لشغل وظيفة معيد، إلا أنها فوجئت بصدور قرار بتعيين معيدة أخرى من ذات الدفعة لأسباب أمنية غير معلومة.
لجأت بعدها للقضاء الإداري، وحصلت في وقت سابق على حكم بإلغاء القرار السلبي الصادر من الجامعة بتخطيها في التعيين، وأحقيتها في شغل الوظيفة.
لاحقا أقامت الخريجة دعوى جديدة للمطالبة بالتعويض عن الأضرار التي لحقت بها بسبب حرمانها من حقها الوظيفي خلال فترة النزاع، وحصلت أمس على حكم بالتعويض بالفعل.
دولة الأجهزة الأمنية
الحكم الصادر عن القضاء الإداري لصالح خريجة هندسة كفر الشيخ نستطيع ان نعتبره تاريخي بمعنى الكلمة، وهذا ليس غريب على القضاء الإداري الذي كان الحصن الحصين للعدالة والحقوق على مدار السنوات الماضية.
لماذا هذا الحكم تاريخي؟
على مدار الـسنوات الماضية الأجهزة الأمنية كانت مسيطرة على جميع المؤسسات المدنية في الدولة من الوزارات إلى الجامعات والصحف، مع استثناءات زمنية متقطعة.
صارت الأجهزة الأمنية هي صاحبة القرار الفعلي في كل مؤسسات الدولة وهي التي تحدد مين يحصل على ايه؟ ومتى؟ ومين يُستبعد ومين يتم حرمانه؟ سواء بحكم التحفظات الأمنية فعلاً، أو للواسطة وخلافه.- بهذه الطريقة مؤسسات الدولة المدنية تم إضعافها وسُلب منها استقلالها وقرارها، وبقت عبارة عن هيكل أجوف يقتصر دوره على الوظائف الروتينية، لكن الذي يتحكم فعلياً في سيره عملها هو الضابط المُكلف بالإشراف عليها.
يمكن هذا يفسر جزء من أسباب الأداء المتواضع لمعظم الوزارات والهيئات والمؤسسات على اختلاف تخصصاتها في البلد، وإن كانت التكتلات البيروقراطية داخل بعض الوزارات تستطيع تتفاوض مع الأجهزة الأمنية ومندوبي الجيش وتحصل على نصيب من الكعكة في بعض الملفات، مثل شقق من الإسكان.
الجامعات ضحية مثالية
الجامعات بالذات بحكم حساسيتها كمراكز إنتاج وتداول المعرفة، وبحكم ضعف الأدوات التي في ايد إدارتها لأنها لا تملك قدرات مالية كبيرة ولا سلطة على جهاز إداري ضخم ومعقد، فالآثار السلبية للقبضة الأمنية تظهر عليها أكبر من بقية المؤسسات.
معظم الجامعات المصرية خصوصاً في الأقاليم فقدت استقلالها كلياً أو بشكل شبه كلي، رغم أن الحريات الأكاديمية هي الأكسجين التي تمنح الحياة للجامعات.
من خلال سلاح "الموافقات الأمنية" الأجهزة الأمنية هي من تحدد مين يتعين معيد؟ ومين ينضم لهيئة التدريس؟ ومين يستمر فيها؟ ومين يتعين عميد كلية؟ ومين نائب الرئيس؟ ومين رئس الجامعة؟ ومين نائب العميد؟ إلى جانب التحكم في عشرات من الوظائف الثانوية في الهيكل الإداري للجامعات.
جامعاتنا هي الضحية الأولى لهيكل أولويات النظام الذي يضع الأمن في المرتبة الأولى فوق التعليم والجودة والابتكار والتطوير وخلق أجيال مؤهلة لإنتاج قيمة مضافة في الاقتصاد، وده من أحد الأسباب الخفية في الأزمة الاقتصادية اللي بتمر بيها البلد حالياً.
هذا واضح جداً في حالة خريجة الهندسة المستبعدة في جامعة كفر الشيخ رغم سجلها التعليمي المثالي، لمجرد تحفظات أمنية لا أحد يعرف كنهها ولا مصادرها.
الجامعات تخسر أفضل كوادرها بسبب القبضة الأمنية، والمجتمع ككل يحترم من إمكانية تكوين كوادر مؤهلة وخبرات تحسن من جودة الحياة فيه، لأن الجامعات هي عقل المجتمع وجهازه المفكر.
بسبب أمننة الجامعات، الطلاب يعزفوا عن الاهتمام بالسياسة، والطامحين للتعيين في الجامعة يضطروا يخفوا قناعاتهم الحقيقية، والبعض الآخر يظهر قناعات زائفة داعمة للسلطة.
لذلك ازدهر النفاق في جامعاتنا بقدر ما انتشر إرشاد الأمن على الزملاء المنافسين، والعديد من جامعتنا فقدت جزء عزيز من تقاليدها الأكاديمية وأخلاقيات المنافسة العلمية، تحت وطأة الإشراف الأمني وتوابعه الكارثية.
حكم القضاء الإداري يجب اعتباره مرجعية قضائية لمواجهة القبضة الأمنية على كافة مؤسسات الدولة وبالذات الجامعات، في ظل خوف النظام الهستيري من أي بادرة معارضة ولو لخدمة البلد والصالح العام.