نفذت حركة المقاومة الإسلامية حماس كل ما هو مطلوب من الجانب الفلسطيني، وفق خطة ترامب لوقف حرب الإبادة الجماعية، بينما تماطل دولة الكيان المحتل في الانسحاب من المناطق التي تسطر عليها داخل القطاع مع استمرارها في استهداف الفلسطينيين طوال الفترة الماضية؛ حيث تجاوز عدد القتلى الفلسطينيين 1085 قتيلًا خلال الفترة الماضية، كما تماطل دولة الاحتلال في ادخال المساعدات الإنسانية لأكثر من مليوني انسان داخل القطاع المدمر متذرعة بحجة تسليم المقاومة سلاحها ،ويذل الوسطاء جهودا متواصلة من اجل انهاء معاناة الشعب الفلسطيني.
وكانت الأيام الماضية قد شهدت جملة من التطورات المرتبطة باتفاق وقف إطلاق النار في قطاع غزة مع زيارة وفد إسرائيلي إلى القاهرة وفي ظل تحركات لبدء تنفيذ المرحلة الثانية، ورغم أن هناك تقدماً ملحوظاً من الممكن أن يُفضي إلى خطوات تطبيقية على أرض الواقع غير أن هناك مصادر مصرية وفلسطينية تتخوف من أن يكون هذا التقدم مقدمة لتقسيم قطاع غزة وخلق مناطق عازلة بين مناطق يسيطر عليها الاحتلال وأخرى يتواجد فيها الفلسطينيون.
وقال مصدر مصري مطلع على ملف المفاوضات، إن القاهرة شهدت الأيام الماضية اجتماعات بين الوسطاء وبين وفد حركة حماس الذي وصل إلى القاهرة يوم الأربعاء الماضي، وكذلك مع وفد أعضاء الجيش الإسرائيلي الذي وصل الخميس، إلى جانب اتصالات مع مستشاري الرئيس الأميركي دونالد ترامب وكذلك اتصالات مصرية قطرية تركية تعددت خلال الساعات الماضية، مشيراً إلى أن حركة حماس أصرت على موقفها الرافض لتسليم السلاح قبل الانسحاب الإسرائيلي من قطاع غزة وهو ما أبلغته مصر للوفد الإسرائيلي وكذلك للولايات المتحدة.
وأوضح المصدر ذاته، أن خيار نزع السلاح بشكل كامل تراجع الآن بخاصة وأن العناصر التي قبلت المشاركة في قوة الاستقرار الدولية رفضت أن تقوم بتلك المهمة، وبالتالي أصبح هناك اتجاه دولي لأن يتم البدء في المرحلة الثانية دون نزع سلاح المقاومة وقد يكون هناك مناطق تجريبية يتم فيها إعادة الإعمار لكن دون أن يكون لحركة حماس تواجد فيها، كما يتم التجهيز الآن للجنة التكنوقراط لأن تتولى مهامها، مع وصول عناصر من القوات المتعددة الجنسيات إلى معبر كرم أبو سالم استعداداً لبدء مهامها، مشيراً إلى أن هناك عناصر بوسنية وصلت بالفعل.
وشدد المصدر ذاته على أن الانتقال إلى المرحلة الثانية من اتفاق وقف إطلاق النار يعنى أن هناك انسحاباً إسرائيلياً تدريجياً سوف يحدث خلال الفترة المقبلة وأن إدخال قوات الاستقرار ولجنة إدارة غزة يساهمان في الإعمار مبكراً في جزء من المناطق وبالتالي فإن ذلك يمكن البناء عليه للانسحاب من 60% من إجمالي مساحة القطاع بخاصة وأن سكان القطاع محشورين الآن في منطقة لا يتجاوز مساحتها 40% من مساحة القطاع وهو أمر من المستحيل أن يظل كذلك لفترة طويلة.
ولفت المصدر ذاته إلى أن قيادة حركة حماس تعول على تفاهمات تصل إليها الولايات المتحدة مع إيران يمكن أن تساهم في فك عقد اتفاق غزة ورغم أن هناك تصعيد آني لكن مازال التعويل على عامل الوقت لكسب مزيد من الضغط الإيراني إضافة إلى ضغوط الوسطاء، مشيراً إلى أن إسرائيل سوف تصور انسحابها بأنها تأتي بضغوط من الوسطاء وليس نتيجة لما حققته المقاومة من مكاسب بعد أن صدمت على الأرض وتمسكت بموقفها، لكنه في الوقت ذاته حذر من إمكانية اتجاه الاحتلال نحو التصعيد إذا وجد رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو أنه في مأزق انتخابي قبل أكتوبر المقبل وهو أمر تخشاه مصر وتعمل على تفويت الفرصة للاتجاه نحو التصعيد.
وأشار المصدر ذاته إلى أن الاجتماعات التي جرت بين الوفد المصري والإسرائيلي شهدت تأكيداً لضرورة الانتقال إلى المرحلة الثانية مع تقديم ضمانات تتعلق بالسلاح، وأن القاهرة في الوقت ذاته أكدت رفضها تقسيم غزة وأعادت التأكيد على أن يكون هناك تطبيقاً لبنود الاتفاق مشيراً إلى أن بعض النقاط المرتبطة بالمرحلة الثانية تتعارض مع خارطة الطريق التي قدمها مبعوث مجلس السلام في غزة، وهناك رغبة مصرية بالسير في إطار تنفيذ واضح.
وقالت هيئة البث الإسرائيلية، الخميس الماضي إن وفداً من الجيش الإسرائيلي أجرى مباحثات في القاهرة مع مسئولين عسكريين مصريين بشأن الانتقال إلى المرحلة الثانية من اتفاق وقف إطلاق النار بقطاع غزة، ولم تكشف هيئة البث الرسمية عن أسماء المشاركين في الاجتماعات من الجانبين أو نتائج المباحثات، مضيفة نقلا عن مصادر مطلعة لم تسمها، أن المباحثات جرت في إطار "حوار استراتيجي بين الجيشين بشأن المصالح المشتركة للبلدين في المنطقة"، وتابعت أن "الاجتماعات عُقدت في ظل مساع للانتقال إلى المرحلة التالية في قطاع غزة وفق خطة "الرئيس الأمريكي دونالد ترامب"، مدعية أن حركة حماس "لا تزال ترفض نزع سلاحها".
وتتولى مصر وقطر وتركيا دور الوساطة في مفاوضات تنفيذ اتفاق وقف إطلاق النار وخطة ترامب بشأن قطاع غزة. وأعلن ترامب في 29 سبتمبر 2025 خطة لإنهاء حرب الإبادة الإسرائيلية على غزة، تضمنت في مرحلتها الأولى وقفا لإطلاق النار وانسحابا إسرائيليا جزئيا والإفراج عن الأسرى الإسرائيليين وإدخال 600 شاحنة مساعدات يوميا. وفيما التزمت حركة "حماس" باستحقاقات المرحلة الأولى، عبر الإفراج عن الأسرى الإسرائيليين، تنصلت إسرائيل من التزاماتها الإنسانية وواصلت اعتداءاتها، ما أسفر عن مقتل 1092 فلسطينيا وإصابة 3507 آخرين.
أما المرحلة الثانية، وتتضمن انسحابا أوسع للجيش الإسرائيلي الذي يحتل أكثر من 70 بالمئة من مساحة قطاع غزة، وبدء إعادة الإعمار، مقابل الشروع في نزع سلاح الفصائل، إلا أن إسرائيل لم تنفذ هذه المرحلة، وأصرت على أولوية نزع السلاح. ومؤخراً نقلت وسائل إعلام عربية عن مسئول في مجلس السلام الذي أسسه الرئيس الأميركي دونالد ترامب قوله إن المجلس يُخطط لإنشاء منطقة إنسانية تجريبية لسكان غزة كوسيلة لإعادة تنشيط خطة السلام المتعثرة التي طرحها ترامب، بغض النظر عن التقدم إلى المرحلة الثانية من الاتفاق مع حركة حماس.
ولم يحدد المسئول الموقع، لكنه قال إن المجلس حدد مناطق آمنة يمكن أن تستوعب عشرات الآلاف من سكان غزة، حيث يمكن توسيع نطاق السلع والخدمات لتلبية الاحتياجات الإنسانية لأولئك الراغبين في الانتقال إلى هناك.
وتقول خارطة الطريق التي قدمها المندوب السامي لغزة نيكولاي ملاد ينوف في شهر مايو الماضي "إن المؤسسات الفلسطينية المخولة وحدها هي التي تمارس السلطة الأمنية داخل غزة؛ وأن الأشخاص المخولين فقط يحملون السلاح؛ وأن الجماعات المسلحة توقف نشاطها العسكري؛ وأن تتوحد هياكل الحكم والأمن تحت سلطة مدنية واحدة".
وتطرح خارطة الطريق "عملية تدريجية "لنزع السلاح" يقودها الفلسطينيون ويتم التحقق منها دولياً وفق جدول زمني متفق عليه. ولا تُنقل الأسلحة إلى إسرائيل. إذ تنص الخارطة بوضوح على أن الأسلحة ستُنقل إلى جهات فلسطينية تعمل تحت مظلة اللجنة الوطنية لإدارة غزة مع ترتيبات رقابة دولية". وتربط خارطة الطريق الانسحاب الإسرائيلي من غزة مباشرة بالتنفيذ المتحقق منه لعملية التفكيك التدريجي للسلاح وانتشار قوة الاستقرار الدولية. وتؤكد خارطة الطريق أنه "لن تتمكن عمليات التمويل وإعادة البناء الكبرى من التقدم بشكل مستدام في المناطق التي تستمر فيها الهياكل المسلحة الموازية أو يسود فيها عدم الاستقرار".
وقال مصدر فلسطيني مطلع على المفاوضات، إن المفاوضات التي جرت في القاهرة مؤخرا شهدت خلافات بين الوسطاء وحماس وإسرائيل إذ اشترطت الأخيرة أن يكون هناك عدد محدود من قوات الشرطة الفلسطينية ومنحها سلاحاً خفيفاً قد يشبه الأسلحة النارية التي لا تحقق الغرض منها، ولم تبدي إسرائيل موافقة نهائية بعد على نشر قوة الاستقرار وتعمل القاهرة على أن تضغط في هذا الاتجاه باعتباره السبيل الأوحد لبدء تنفيذ المرحلة الثانية من اتفاق غزة.
وأوضح المصدر ذاته أن هناك خلافاً آخر يتعلق بموظفي حركة حماس إذ تسعى إسرائيل لإخراجهم جميعهم من الخدمة وعددهم 50 ألف موظف وإحلالهم بآخرين على أن يكون ذلك من خلال قرارات إدارية تُتخذ في توقيت واحد وليس تدريجياً وهو أمر رفضته حركة حماس أيضاً التي لا تجد حتى الآن مخرجاً من هذا المأزق، هذا بالإضافة إلى ملف السلاح الذي تتمسك به حماس وترفض تسليمه إلى قوات فلسطينية وترى بأن يكون هناك إصلاح أمني شامل يضمن احتفاظ المقاومة بسلاحها.
وشدد المصدر ذاته على أن الفصائل الفلسطينية تنتظر ما سوف يصل إليه اجتماعات قبرص، مشيراً إلى أن آليات الانتقال إلى المرحلة الثانية من اتفاق وقف إطلاق النار مازالت غير واضحة حتى الآن وأن مبعوث مجلس السلام لم يعطي إجابات عن اسئلة عديدة بشأن كثير من الملفات، وأن المخاوف الفلسطينية تبقى من إمكانية تفعيل مسار بديل من خطة ترامب وهو ما يمهد فعلياً لتقسيم القطاع إلى ثمانية مدن تقول الولايات المتحدة أنها مدن ذكية لكنها تبقى بمثابة عازل عن تواجد إسرائيلي في شمال القطاع وكذلك حشر المناطق التي تخضع لسيطرة حركة حماس قرب الساحل.
ولفت المصدر ذاته إلى أن حركة حماس خلال الاجتماعات الأخيرة في القاهرة طرحت إمكانية منحها هدنة لتسليم السلاح إلى السلطة الفلسطينية بخاصة وأن هناك انتخابات شاملة في شهر نوفمبر المقبل على أن يكون السلاح وديعة لدى الشرطة الفلسطينية.
وأعلن الاثنين الماضي المدير العام للمكتب الإعلامي الحكومي في غزة إسماعيل الثوابتة، استقالة رئيس لجنة الطوارئ الحكومية ورئيس متابعة العمل الحكومي بالإنابة محمد الفرا، قائلاً إن الخطوة تأتي "تأكيداً لجدية الالتزام بتنفيذ الاتفاقات، وتسهيل انتقال إدارة القطاع إلى اللجنة الوطنية لإدارة غزة".
وأوضح المكتب الإعلامي الحكومي في غزة أن الموظفين يواصلون عملهم بصفتهم موظفي دولة تحت إشراف اللجنة الوطنية فور تكليفهم بالمهام رسمياً، داعياً إلى تجنب حدوث أي فراغ إداري خلال المرحلة الانتقالية، مؤكدًا أن هذه الخطوة تأتي في سياق نقل إدارة الحكم في القطاع إلى اللجنة الوطنية الفلسطينية لإدارة غزة، وكذلك "استجابة جديدة للمصالح العليا لأبناء شعبنا الفلسطيني، وسعياً من أجل التخفيف من معاناة المواطنين الشديدة نتيجة استمرار الإبادة الجماعية، وتأخر الإعمار واستمرار الحصار وإغلاق المعابر، وعدم انسحاب الاحتلال الإسرائيلي من القطاع".
ويشير محلل سياسي مصري إلى أن القاهرة لديها معلومات بشأن إمكانية إقدام نتنياهو على إعلان تجدد حرب غزة ويضع الانتخابات المقبلة في اعتباره ويحاول أن يكسب ود المتطرفين بما يساعده على تشكيل تحالفات تمكنه من الفوز في الانتخابات المقبلة، وهو أمر ركزت عليه القاهرة خلال اجتماعات مع وفد حركة حماس في القاهرة الأسبوع الماضي.
وأوضح أن مصر تهدف في الوقت ذاته إلى انقاذ الوضع الإنساني المتدهور وتفويت الفرصة على أي محاولات من شأنها تهجير الفلسطينيين من غزة، وتدرك بأن الاحتلال يعمل على استغلال عامل الوقت لفرض واقع جديد على الأرض.