من المسئول عن تدهور قيمة الجنيه بهذه الحدة والعنف حتى تراجعت قيمته من 7 جنيهات في منتصف 2013م إلى 27.25 في بداية 2023م؛ بنسبة تراجع تصل إلى 300%؟ ومن رفع أسعار الوقود بنسبة 800% من جنيه واحد لكل ليتر إلى أكثر من 8 جنيهات؟ ومن رفع فواتير الكهرباء والمياه بنسبة تصل إلى نحو 600%؟ ومن رفع أسعار تذكرة المترو من جنيه واحد لكل المحطات إلى نحو 15 جنيها؟ ومن رفع أسعار استخراج جميع الوثائق الحكومية بمعدل يصل إلى نحو 500%؟ ومن الذي رفع أسعار سلع التموين (السلع المدعمة) بشكل جنوني؛ حيث ارتفع سعر الكيلو الزيت في التموين من 3.5 أيام باسم عودة إلى 30 جنيها حاليا، والأرز والسكر من ثلاثة جنيهات إلى أكثر من 10 جنيها في الوقت الحالي، ومرشح للزيادة إلى 15 جنيها مع استلام تموين يناير؟ من الذي رفع الرسوم والجمارك والضرائب؟ أليست الضرائب تمثل 80% من قيمة إيرادات الدولة؟ فهل التجار هم من رفعوا أسعار كل هذه السلع والخدمات أم الحكومة؟! وهل يحق بعد كل هذا أن تتهرب الحكومة وزعيم انقلابها من المسئولية وتلقي بها على جشع التجار؟! فماذا عن جشع الحكومة وفسادها وفشلها؟!
اليوم ارتفع طن الدقيق إلى 20 ألف جنيه، بمعنى أن سعر الكيلو قد يصل إلى 25 جنيها للمستهلك، وقد كان سعره نحو 6 جنيهات فقط قبل عام واحد! وارتفعت اللحوم الحمراء من 100 جنيه قبل سنة إلى 220 جنيها، كما ارتفعت أسعار بيع الدواجن البيضاء من 30 جنيها قبل سنة إلى 65 جنيهاً للكيلوجرام، والكيلو البانيه ارتفع من 75 جنيها قبل عدة شهور إلى 140 جنيها، وطبق البيض (30 بيضة) من 40 جنيها قبل شهور إلى أكثر من 90 جنيها حاليا. وارتفع سعر الكيلو الجبن الأبيض من 50 جنيها قبل سنة إلى 95 جنيها حاليا. والجبن الرومي إلى 190 جنيهاً. أما زيت الطعام، فشهد قفزات متتالية في الأيام الأخيرة، حتى وصل سعر الليتر من زيت الذرة إلى 80 جنيهاً، ومن زيت دوار الشمس إلى 65 جنيهاً، على خلفية تناقص المعروض منه في السوق المحلية، وارتفاع أسعار الزيت الخام المستورد من الخارج؛ بخلاف تكاليف عمليات التكرير والتعبئة.
السيسي وحكومته يتهمان جشع التجار بالمسئولية عن هذا الغلاء الفاحش وغير المسبوق؛ من أجل التهرب من المسئولية؛ فالمذيع المقرب من سلطات الانقلاب عمرو أديب يحاول أن يتقمص دور المدافع عن الفقراء بقوله إن «إحنا مش خائفين أو قلقين على مصر؛ نحن خائفين على أنفسنا، وعلى أولادنا، وهذا خوف مبرر لا يزرعه أحد. يوجد حالة قلق وخوف حقيقي من المستقبل داخل كل بيت مصري، وكلمة اطمئنوا فقط هي غير كافية». لكن الرسالة الأهم في كلام أديب هي قوله: « إنّ سعر صرف الدولار سيصل إلى 28.5 جنيهاً مع عودة البنوك إلى العمل يوم الإثنين؛ بينما سعره في السوق السوداء يزيد على 30 جنيهاً. وعدد من المصنعين أكدوا لي ارتفاع الأسعار مجدداً في الأيام المقبلة بسبب التراجع الحاصل في الجنيه؛ وتجربة الفترة الماضية تؤكد أن التجار في مصر أقوى من الحكومة، والدليل هو الزيادة المستمرة في أسعار السلع كافة». كلام أديب يحاول أن يلقي باللوم والمسئولية على التجار؛ وهو نفس كلام رئيس الحكومة مصطفى مدبولي الأربعاء 04 يناير 23م؛ حيث قال خلال الاجتماع الأسبوعي لمجلس الوزراء، إن هناك تكليفا لجميع الوزارات المعنية، ومختلف الأجهزة الرقابية لمتابعة الأسواق، على أن يتم التعامل بمنتهى الحسم مع أي ممارسات غير منضبطة في هذا الشأن، مع التعامل بمنتهى الشدة مع أي مخالفة تصدر عن التجار الجشعين، فمن حق كل مواطن أن يعرف تسعيرة كل سلعة»!
تفسير فهمي هويدي
الكاتب الكبير فهمي هويدي له تفسير لهذا المشهد المعقد والمرتبك؛ ففي منتصف 2014م عندما بدأت الأسعار ترتفع بعد الانقلاب، لكنها لم تكن بهذه الحدة والانفلات والعنف؛ كتب هويدي مقالا بصحيفة "الشروق" بعنوان: «فتش عن الحكومة»؛ يلقي فيه بالنسبة الأكبر من اللوم على الحكومة لا التجار؛ يقول هويدي: « ليس عندى أى دفاع عن جشع التجار وتحايلهم، لكننى أحاول أن أفهم لماذا هم كذلك. القضية تثيرها الزيادات الأخيرة فى أسعار بعض السلع. التى فوجئنا بأنها جميعا حمـِّلت على المستهلكين بأضعاف قيمتها. فما زاد بنسبة 10٪ مثلا حمـَّل المستهلكين بخمسين فى المائة على الأقل، وتحولت هذه إلى ظاهرة عامة، دفع ثمنها عامة الناس الذين ألهب الغلاء ظهورهم وأثار لديهم درجات متفاوتة من الضجر والسخط».
ويرى هويدي أن الحكومة علمت الناس الاحتيال والالتفاف على القانون؛ فأساءت تقدير ذكاء المستهلكين، ولقنتهم درسا فى الاحتيال وشجعتهم على أن يعاملوها بالمثل. واستشهد على ذلك بثبات سعر الخبز حينها وتخفيض وزنه من 130 إلى 90 جراما، وكذلك ثبات سعر أنبوبة الغاز وتخفيض وزنها. ويرى أن
الأخطر من ذلك والأهم أن هذا السلوك زرع بذور عدم الثقة بين المواطن والسلطة. ذلك أنه كما تتفنن السلطة فى الضحك على المستهلك، فإن الأخير أصبح لا يتردد فى الاحتيال على الحكومة بمختلف السبل.
ويستشهد هويدي على كلامه بقوله: «قبل ربع قرن تقريبا كتبت مقالة عن «الحكومة وأخلاق الناس» تضمنها كتابى الذى صدر بعنوان «التدين المنقوص»، استشهدت فيها بما كتبه الفيلسوف الفرنسى هلفتيوس (القرن الثامن عشر) حين قال: «إن التفاعل بين المجتمع والسلطة ذو اتجاه واحد، فالشعب لا يؤثر فى طبيعة السلطة وانما تؤثر السلطة فى خصائص الشعب وأخلاقه. واستنتج من ذلك أن السلطة مسئولة عن مساوئ الشعب كما انها مسئولة عن محاسنه». أضفت: أن الكذب والاحتيال والغش والتدليس رذائل متوطنة فى كل المجتمعات الإنسانية منذ قديم الأزل. ولا تملك سلطة فى الأرض أن تجتثها أو تقضى عليها. لكن أى سلطة تستطيع بممارساتها ان تكسب تلك الرذائل شرعية وتثبتها كقيم فى المجتمع، رغم أنها قد تعلن على الملأ بألف لسان وبيان إصرارها على مكافحة أمثال تلك الرذائل والتصدى لها. قلت أيضا إن ممارسات السلطة قد تبدو فى ظاهرها جولات سياسية أو حسابات اقتصادية أو أهدافا تنموية تتعجل بلوغها.. غير أن ذلك يظل فقط الوجه المرئى والمحسوس. الوجه الآخر يتمثل فى أن تلك الممارسات تشكل منهجا فى تربية الجماهير من ناحية، ومدرسة تتخرج فيها كوادر السلطة المبثوثة فى كل مكان من ناحية ثانية»!.