حين يصبح “الخبير الاستراتيجي” هو من يعلن مواقف الدولة بينما تلتزم الدولة الصمت، يتحوّل التحليل العسكري إلى أداة سياسية، ويتحوّل الجمهور إلى متلقٍّ لرسائل مشفّرة لا يعرف مصدرها الحقيقي. والأخطر أن بعض هذه التصريحات — مثل “الضوء الأخضر من مصر” — قد تُفهم خارجيًا باعتبارها مواقف رسمية، ما يعرّض البلاد لمخاطر لا علاقة لها بمصالحها المباشرة.
التصريح الذي أشعل الجدل: الضوء الأخضر من القاهرة
في لقاء مع أحمد موسى، قال سمير فرج نصًا إن أي عملية أمريكية أو “إسرائيلية” ضد إيران تحتاج إلى ضوء أخضر من مصر. وعندما سأله المذيع عن التفاصيل، ردّ اللواء: “دي قصة تانية نخشها بعدين”.
هذا النوع من التصريحات لا يمكن أن يمر مرور الكرام، فهو يضع مصر — نظريًا — في موقع الشريك المباشر في أي حرب على إيران، ويحوّل القاهرة إلى هدف محتمل إذا قررت طهران الرد على من “بارك” أو “سهّل” أو “غطّى” الهجوم عليها.
ورغم ذلك، لم يعلّق النظام، ولم ينفِ، ولم يصحّح، ولم يقل إن هذا رأي شخصي. وكالعادة تُرك الأمر معلّقًا، وكأن اللواء يتحدث بصفته “مواطنًا مهتمًا بالشأن العام”، لا بصفته أحد أبرز الوجوه التي تتحدث باسم الدولة في الإعلام.
لواءات على الشاشات بدل المواقف الرسمية
اعتاد السيسي، كمنتمٍ للمؤسسة العسكرية، أن يتجاهل الشكل الرسمي للتصريحات في المواقف الملتبسة، خصوصًا تلك المتعلقة بتصعيد عسكري تمسّ القوات المسلحة مباشرة. فيترك المجال لمجموعة من اللواءات المتقاعدين — مثل سمير فرج، سمير راغب، ومؤخرًا أحمد وصفي — ليقولوا ما يريد قوله دون أن يتحمّل مسؤوليته رسميًا. ويظلّ فرج هو الاسم الأبرز بينهم، بوصفه “لسان الدولة غير الرسمي”.
حضور دائم في كل الملفات
تحوّل اللواء سمير فرج خلال السنوات الماضية إلى ما يشبه “المتحدث غير الرسمي” للدولة، أو النسخة الإعلامية من صوتها حين لا تريد أن تتكلم. فالرجل حاضر في كل ملف: من حرب اليمن إلى حرب غزة، ومن إيران إلى البحر الأحمر، ومن قناة السويس إلى مضيق هرمز، ومن أسعار البترول إلى مستقبل النظام الدولي.
وتعكس تصريحاته رؤية تعتبر أن “توازن القوى” هو الضمان الوحيد للسلام، وأن زوال الخصم الإيراني لإسرائيل يعني زيادة التهديد الوجودي لمصر. فالمعركة في إيران — وفق هذا المنطق — لا تخص طهران وحدها، بل تتعلق بمن سيكون التالي في قائمة الاستهداف إذا خلا الجو لتل أبيب.
قناة جانبية للرسائل السياسية
هؤلاء اللواءات ليسوا محللين مستقلين ولا أكاديميين متخصصين، بل أشبه بـ“قناة جانبية” يتحدث عبرها النظام دون أن يورّط نفسه. وعندما يكون التصريح حساسًا أو مثيرًا للجدل، يكفي أن يخرج أحدهم ليقول ما لا تريد الدولة قوله، ثم يختفي الجميع خلف ستار “هذه مجرد آراء خبراء”.
من “الجبنة المثلثات” إلى الأمن القومي
لا يمكن تجاهل القصة التي رواها فرج بفخر عن “التلميذ الذي أصبح رئيسًا”، حين قال إنه رقّى عبد الفتاح السيسي لأنه “أبدع” في استبدال جبنة الصفائح بالجبنة المثلثات أثناء تدريب عاصف في رياح الخماسين. والقصة موجودة على يوتيوب، والجمهور صفق، والسيسي ابتسم، بينما بدا فرج وكأنه يروي لحظة تاريخية في مسار العسكرية المصرية.
واللواء الذي خرج من محافظة الأقصر بفضيحة مالية في عهد مبارك، أصبح اليوم خبيرًا في الوطنية والأمن القومي، ويتكرر ظهوره مدغدغًا مشاعر الجمهور، ربما بحكم رئاسته السابقة للشؤون المعنوية ولدار الأوبرا.
تناقضات في الخطاب
لم تتوقف تناقضات الرجل في حواره. فمن قوله إن “الشعب كله متعاطف مع إيران” إلى تحذيره من أن “إسرائيل ستأتي إلينا بعد سقوط طهران”. ثم عاد ليقول إن انهيار إيران ليس في مصلحة مصر، لأن سقوط طهران يعني أن إسرائيل ستتفرغ لمصر بعد أن انتهت من سوريا والعراق ولبنان. وهنا يقدّم إيران كدرع غير مباشر يحمي مصر من الاستفراد الإسرائيلي.
هذه الرؤية ليست جديدة، لكنها المرة الأولى التي تُقال بهذه الصراحة على لسان شخصية تُقدَّم للجمهور باعتبارها قريبة من دوائر القرار.
لماذا يلجأ النظام إلى اللواءات المتقاعدين؟
هناك ثلاثة أسباب رئيسية لظهورهم المتكرر:
- المرونة السياسية — اختبار ردود الفعل عبر تصريحات غير رسمية.
- الإنكار المحتمل — إذا أثارت التصريحات غضبًا خارجيًا، يمكن القول إنها “آراء خبراء”.
- الرسائل المزدوجة — خطاب رسمي هادئ، وخطاب غير رسمي أكثر صراحة للجمهور المحلي أو الإقليمي.
ومع تصاعد التوتر في الخليج ودخول إيران في مواجهة مفتوحة مع الولايات المتحدة وإسرائيل، أصبحت هذه التقنية أكثر وضوحًا.
رؤية الجنرالات للصراع
تستشف من تصريحات فرج رؤية تعتبر أن “توازن القوى” هو الضمان الوحيد للسلام، وأن زوال الخصم الإيراني لإسرائيل يعني زيادة التهديد الوجودي لمصر. فالمعركة في إيران — وفق هذا المنطق — ليست معركة طهران وحدها، بل معركة حول “من سيكون التالي” إذا خلا الجو لتل أبيب.