مناقشات شكلية وقرارات جاهزة.. هكذا تُدار الحياة النيابية في مصر

- ‎فيتقارير

تعرضت الحياة النيابية للتجريف منذ الانقلاب علي الرئيس الشرعي محمد مرسي 2013، ومنذ ذلك التاريخ يتم اختيار أعضاء البرلمان من خلال الأجهزة السيادية والأجهزة الأمنية وعمليات الاقتراع تتم بشكل صوري بسبب هندسة القوائم وإعادة تقسيم الدوائر الانتخابية، فأصبحت الانتخابات بلا أي جدوى لان من تم تعيينهم على القوائم صاروا نوابًا دون أي خبرة سياسية، حيث تكفي ثقة الأجهزة التي بيدها التعيين.

"قيمة الدولة أعلى من قيمة الأدوات الرقابية"، هكذا يرى وكيل لجنة السياحة والطيران بمجلس النواب عمرو درويش، بحسب ما صرّح خلال لقائه في برنامج "حقائق وأسرار" المذاع على فضائية "صدى البلد" من تقديم زميله النائب مصطفى بكري.
تصريحات درويش، جاءت لتوضيح أسباب موافقة "النواب" على الموازنة العامة للدولة للعام المالي المقبل 2026 /2027، والحساب الختامي لموازنة العام المالي 2024 / 2025، بالرغم من وجود "إشكاليات كتير جدًا" بهما على حد تعبيره.
واعترف درويش "أن لو هناك دور رقابي حقيقي فإن الموازنة العامة لن تُقبل وكذلك الحساب الختامي"، بحسب تعبيره، ولكنه برر قبول مجلس النواب لهما لأنه "يُغلّب الدور الوطني على الدور الرقابي".

 

حديث درويش الذي فصل فيه الدور الوطني عن "الرقابي" كأنهما متعارضان، يتعارض مع الدور الذي من المفترض أن يقوم به الذي أقره الدستور المصري، حيث ينص في مواده على أن سلطة مجلس النواب هي الرقابة على السلطة التنفيذية وإقرار الموازنة العامة للدولة واعتماد الحساب الختامي لها.

ويُعيد حديث درويش، النظر إلى تدني ترتيب مصر في الديمقراطية والمساءلة السياسية، وفقًا للعديد من المؤشرات الدولية؛ على سبيل المثال احتلت مصر في مؤشر الديمقراطية الصادر عن مجلة الإيكونوميست لعام 2024، المرتبة الأدنى من المؤشرات وهو ما يعني أن نظامها "سلطوي".

وتنقسم تصنيفات الدول في "المؤشر" من حيث تمتعها بالديمقراطية، إلى أربعة، هي: ديمقراطية كاملة، ومعيبة، ونظام هجين بين الديمقراطية والاستبداد، وأنظمة سلطوية. وتحتل مصر المرتبة 128 مكرر مع الكونغو من بين 167 دولة شملها المؤشر، مشيرًا إلى أنها تمتلك برلمانًا هدفه فقط المصادقة على القرارات.

وتحتل مصر المرتبة 127 من أصل 151 دولة بحسب أحدث تقرير للمعهد الدولي للديمقراطية والمساعدة الانتخابية  (IDEA)، الذي عد تمثيل الناخبين مقياسًا لمدى تحقق الديمقراطية التمثيلية.
ويُبنى ذلك التقييم على مجموعة من المؤشرات الفرعية تشمل: نزاهة الانتخابات، وشمول حق الاقتراع، وحرية التنظيم من خلال الأحزاب السياسية، وفعالية السلطة التشريعية، وممارسة الديمقراطية على المستوى المحلي.

 

كما احتلت مصر في مؤشر "سيادة القانون" المرتبة 135 من أصل 143 دولة في أحدث تقرير صادر في عام 2025. ويقيس مؤشر سيادة القانون الصادر عن مشروع العدالة العالمية مدى سيادة القانون من خلال عدد من المؤشرات منها القيود المفروضة على سلطات الحكومة من قبل السلطة التشريعية والقضائية، وكفالة حرية الرأي والتعبير بفعالية، وكفالة حرية التجمع وتكوين الجمعيات بفعالية، وغيرها من المؤشرات المتعلقة بالعدالة الجنائية والمدنية التي تصل إلى 44 مؤشرًا.

 

ملاحظات على الموازنة العامة والحساب الختامي

الدور الرقابي الذي يقلل من أهميته درويش، يمكن النظر إلى أهميته في الملاحظات التي وردت على الحساب الختامي للعام المالي 2025/2024، حيث كشفت ملاحظات الجهاز المركزي للمحاسبات عليه إهدار الحكومة 30.7 مليار جنيه في مشروعات بسبب غياب دراسات الجدوى.
 

وأيضًا أشار "المركزي للمحاسبات"، إلى وجود 218 ألف وحدة سكنية مبنية، لم يُستفد منها، كما أن الموازنة العامة، تواجه انتقادات متكررة، من أهمها توسع الحكومة في الإنفاق على الدين العام، وخدمته، مقابل تراجع الإنفاق على خدمات ذات أولوية للمواطن مثل التعليم، والصحة، وهي انتقادات يمكن أن تُسهم الأدوات الرقابية لمجلس النواب، في معالجتها.

وسبق أن أكد تقرير حقوقي صادر عن الجبهة المصرية لحقوق الإنسان في سبتمبر 2025 تناول دورة مجلس النواب الماضية (2020- 2025) على "اقتصار النشاط الرقابي للنواب على استخدام أدوات أقل قوة مثل "طلبات الإحاطة" و"الاقتراح برغبة"، موضحًا أنه ترَّكز بشكل شبه كامل على قضايا خدمية ومحلية في دوائرهم الانتخابية، دون التطرق للملفات الحقوقية والسياسية الجوهرية".
 

ويشير التقرير البرلماني العالمي لعام 2017، الصادر عن برنامج الأمم المتحدة الإنمائي، إلى أن "الرقابة البرلمانية هي إحدى الوظائف الثلاث الأساسية للبرلمانات، وهي الطريقة التي من خلالها تُحاسب البرلمانات الحكومة نيابةً عن الشعب، وتُعدّ جزءًا أساسيًا من نظام الضوابط والتوازنات الذي يضمن ألا يتمكن أي طرف من ممارسة سلطة مطلقة في النظام الديمقراطي".
 

وبحسب دراسة صادرة عن البنك الدولي، فإن "المشاركة التشريعية الفعّالة في عملية إعداد الموازنة وإقرارها هي الأقدر على تحقيق الضوابط والتوازنات الحكومية الشفافة وخضوعها للمساءلة، وضمان تقديم الخدمات العامة بكفاءة.
 

تعزيز الدور الرقابي يمكن أن ينعكس بصورة مباشرة على المواطنين، من خلال على سبيل المثال رفع النمو الاقتصادي، وهو هدف أساسي للدولة. إذ توصل تحليل إحصائي للناتج المحلي لـ 175 دولة حول العالم من 1960 إلى 2010، إلى أن الديمقراطية في الدول أدت إلى زيادة نصيب الفرد من الناتج المحلي بنسبة 20%، وفق دراسة منشورة في يناير 2019 بـ "مجلة الاقتصاد السياسي" الصادرة عن جامعة شيكاغو بالولايات المتحدة.