كادت فرنسا أن تنجح في أهدافها من وراء تدبير زيارة "برنارد ليفي" إلى ليبيا، أولا ادعائه بصفته كمبعوث من الرئيس ماكرون بعد هزيمة مليشياتها بأنه طوق النجاة، التي ستتعلق به حكومة الوفاق لكسب فرنسا في صفها، ثانيا إدخال مدينة مصراتة في دوامة الاتهامات والفتنة والالتفاف على الجسم الشرعي المعترف به وهو حكومة الوفاق.
إلا أن الرياح في ليبيا تعاكس أجندة شياطين فرنسا والإمارات، إذ طُرد "ليفي" شر طردة من مطار مصراتة مذمومًا مدحورًا، ورجع بخيبة أمل ورسالة قوية من اتحاد ثوار المنطقة الغربية؛ بأنه لا مكان للأجندة الفرنسية الإماراتية سوء أكانت ناعمة أو خشنة فمصيرها إلى زوال.
الماء العكر
من جهته يقول وزير الداخلية الليبي، فتحي باشاغا إن: "حكومة الوفاق لم تدعُ رسميًا أي شخصية صحفية لزيارة ليبيا، وبعض الأطراف اعتادت الاصطياد في الماء العكر خدمةً لمآرب سياسية معروفة".
في حين يخادع أحد أبواق الإمارات بمصر مصطفى بكري الجمهور، ويمارس مهنة الدعارة الإعلامية التي برع فيها مؤخرًا، قائلًا: "الصهيوني برنارد ليفي عرّاب الربيع العبري وصل صباحا إلى مصراته، حيث كان هناك وفد رفيع المستوى من حكومة المليشيات في استقباله، حيث سيجري تنظيم زيارات له إلى الخمس وترهونه وطرابلس، ويلتقي عددا من كبار المسئولين في حكومة المليشيات".
وفي الوقت الذي يتنافس فيه السفيه السيسي مع شيطان أبو ظبي في خدمة الكيان الصهيوني، يمضي بكري في تنفيذ الأوامر التي أعطيت له، بالقول: "ليفي كان له دور خطير في نكبة ١٧ فبراير ودعم جماعة الإخوان والمليشيات، ليفي يستحق المحاكمة على دوره الصهيوني التخريبي الذي أدى إلى سيادة الفوضى والموت والدمار في العديد من البلدان العربية. ليفي ضيفا لدى حكومة السراج، حقا اتلم المتعوس على خايب الرجا".
ويغلق بكري صنبور الأكاذيب المتدفق من فمه، بالقول: "طرد الصهيوني برنارد ليفي من ترهونة، ولعنات الليبيين تطارد من تآمر على أمن بلادهم في عام ٢٠١١، مهمة ليفي هي بحث عودة اليهود مجددا إلى مصراتة في ليبيا، بعد أن غادروها في الفترة من ١٩٤٨- ١٩٦٧".
وروّجت وسائل إعلام موالية للإرهابي خليفة حفتر، أن زيارة "ليفي" تمت بالتنسيق بين حكومة الوفاق ومباركة الجانب التركي، إلا أن مصدرا حكوميا أوضح كذب هذه الادعاءات.
السفيه السيسي
وأكد مصدر حكومي من الوفاق المعترف بها دوليا، أن هذه الادعاءات التي تروجها وسائل إعلام حفتر والإعلام المصري الموالي للسفيه السيسي "لا صحة لها"، وأكد أنها محض أكاذيب عارية عن الصحة ولا أساس لها.
ويقول خالد المشري، رئيس المجلس الأعلى للدولة في ليبيا: "نستغرب السماح بدخول المدعو برنارد ليفي إلى مدينة الصمود في ظل الموقف الفرنسي الداعم لمجرم الحرب حفتر، وأطالب الجهات المعنية التحقيق بسبب الزيارة والجهة الداعية لها".
وكانت وسائل إعلامية مثل "ليبيا 24" الموالية للإرهابي حفتر، وصحيفة "المصري اليوم" الموالية للسفيه السيسي من بدأتا هذه الشائعة على المنصات الإعلامية والتواصل الاجتماعي، مدعيتين أن رئيس المجلس الرئاسي الليبي فائز السراج من رتب لهذه لزيارة "ليفي".
وبالحديث عن المدعو "ليفي" فإنه تتحكّم فيه خمس نزعات أولها كراهيته الشديدة للعرب، من خلال تعصبّه وغلوه الصهيوني، واحتقاره للحضارة الاسلامية ونعتها بأسوأ النعوت، ثم ازدواجيته، فهو ممثل بارع للفكر التقدمي، ولكنه غارق في اليمينية والفكر غير الإنساني، فهو يوظف مفاهيم الحوار في خطاباته، لكن مواقفه تنبئنا بما يحمله من مشاعر التدمير الكاسح.
ويمثل "ليفي" خديعة ثقافية، نظرا لخداعه كبار الساسة والقادة والإعلاميين الفرنسيين وغيرهم، ويستغل سمعة مزيفة في تنقلاته، ويثير الأسئلة عن أدواره المشبوهة في بيئات متنوعة في العالم.
وليس له تخصص ثابت، فهو ليس مفكّرا حقيقيا، ولا مخرجا سينمائيا، ولا عالمًا ذكيًا ولا إعلاميًا مهنيًا.. إنه أداة صهيونية متنقلة من أجل إثارة الفتن وصناعة الكوارث واستلاب الثورات.
الجفرة
أما هزيمة ميليشيات حفتر واندحارهم على أسوار طرابلس العصية، ثم هروبهم من ترهونة وقريبا بني وليد وحتى الجفرة، فلا تعني شيئا بالنسبة لمن يفهمون المعادلة الجيوسياسية إلا هزيمة مشروع فرنسا في ليبيا، وفشل خططها في استكمال حصارها للجزائر من جميع الجوانب.
وتعتبر فرنسا رأس الحربة ضد مشروع الدولة المدنية في المنطقة، ورأس الحربة في الثورات المضادة المعادية لحرية الشعوب، وما دول البترودولار العربية التي تظهر في الواجهة إلا غطاء وأدوات صغيرة.
وتستغل فرنسا موقعها في الاتحاد الأوربي، لتقود عملية (إيرني) لحظر السلاح على حكومة الوفاق، بينما تواصل هي مع دول البترودولار تسليح ميليشيات حفتر، وتشجع فرنسا التدخل الروسي على حساب تركيا رغم أن فرنسا وتركيا نظريا في حلف واحد وهو الناتو، وبينما يستقبل ماكرون السراج أمام الكاميرات، يوقّع مع الإرهابي حفتر اتفاقيات السيطرة على النفط الليبي.
ولم يكن "ليفي" سوى ورقة فرنسية لإحراج الحكومة المعترف بها دوليًا، وقلب الطاولة في ليبيا ومنع تشكل الدولة المدنية الديمقراطية، وقد اتضح ذلك جليا منذ إسقاط طياريها قرب بنغازي، ومصادرة صواريخ (الجافلن) في غريان، والقبض على عناصر استخباراتها عند محاولتهم الهروب عبر الحدود التونسية.
ومن أوجعه التدخل التركي الذي قلب المعادلة رأسا على عقب، ولديه عقدة من تركيا المسلمة متغاضيا عن دور فرنسا وروسيا وعصابات الخيانة العربية، ليعلم أن الطبيعة تأبى الفراغ، وقد ملأته من امتلكت القوة والشجاعة في تمريغ الأنف الفرنسي في الوحل اللبيبي.
يقول الناشط الليبي ابراهيم قصودة، عن أصابع الإمارات وفرنسا التي فضحتها زيارة ليفي: "أم حسب الذين في قلوبهم مرض أن لن يُخرج الله أضغانهم".. لقد كشف الله أمر الخونة والذي في قلوبهم مرض باستقبال برنارد ليفي، يجب أن تحاسب تلك الرؤوس الكبيرة التي تواصلت وأشرفت واستقبلت وأمّنت له الزيارة، يجب أن يكون العقاب بفضحهم وتنحيتهم وإحالتهم إلى القضاء".