“لا نظام حاكم حتى تكون معارضة”.. مراقبون: التحريض على اعتقال زياد العليمي تكميم للحريات 

- ‎فيحريات

شهدت منصات التواصل الاجتماعي والفضائيات، في الأيام القليلة الماضية، تفاعلاً واسعاً ونقاشاً حاداً إثر المقابلة الصحفية المصورة التي أجراها البرلماني السابق والسياسي زياد العليمي مع موقع "زاوية ثالثة".

ولم يتضمن حوار العليمي نقداً صدامياً أو لغة إنشائية، بل ركّز على تقديم توصيف موضوعي للواقع المصري الممتد عبر أكثر من 12 سنة، واصفاً ملامحه بانغلاق المجال العام، واستمرار أزمة المحبوسين سياسياً، وتلاحق الأزمات الاقتصادية الهيكلية نتيجة غياب الرقابة والمساءلة السياسية.

إلا أن هذا الطرح الهادئ قوبل بموجة عاتية من الهجوم والتحريض الرقمي والإعلامي، قادتها حسابات ومنصات مقربة من الأجهزة الأمنية، ما يفتح مجدداً ملف تكميم المجال العام واستهداف البدائل المدنية السلمية.

وطرح العليمي في مقابلته تساؤلاً جوهرياً يشغل الشارع والنخبة على حد سواء: كيف يمكن تحقيق الاستقرار السياسي والانتقال السلمي في مصر دون إحداث هزات عنيفة لكيان الدولة؟ وجاءت إجابته مرتكزة على ضرورة صياغة "عقد اجتماعي جديد" يضمن دولة القانون والحقوق الكاملة للمواطنين كافة.

ونقل موقع زاوية ثالثة @zawiaa3 عن العليمي تشديده على أن "مصر كبيرة على أي طرف.. طول ما في طرف شايف إنه قادر لوحده يحكم ويطيح بالآخرين ده مش هيوصلنا لنتيجة كويسة".

واعتبر العليمي أن غياب آليات المحاسبة والإنصاف والرقابة الشعبية يعطل بناء الدولة الحديثة، مؤكداً أن مصر أكبر من النظام الحالي، وأكبر من نظام مبارك، وأكبر من المعارضة المدنية أو الإسلاميين.

https://x.com/zawiaa3/status/2062202118455406873

رؤية العليمي الاقتصادية:

هاجم العليمي السياسات الاقتصادية المتبعة، مستنكراً التوسع غير المدروس في الديون الخارجية، قائلاً بوضوح: "مفيش دولة بتستثمر في الإسكان الفاخر". وأكد أن النظام لم يطرح رؤية اقتصادية قائمة على الإنتاج والتحفيز الصناعي من الأصل، بل ركز على الاستدانة والمشاريع غير العائدة، ما فاقم معدلات التضخم وأضعف قيمة العملة المحلية.

وفي مواجهة حملات التخوين، تضامنت نخب حقوقية وسياسية مع الطرح الذي قدمه العليمي، معتبرة أن الأزمة تكمن في طبيعة العقلية الأمنية الحاكمة التي ترفض الشراكة الوطنية.

الحقوقي بهي الدين حسن (رئيس مركز القاهرة السابق لحقوق الإنسان)، وعبر @BaheyHassan، حلل جوهر الهجوم الأمني والتحريضي ضد العليمي، موضحاً أنه يمثل استدعاءً فجاً لمنطق الخديو توفيق الذي كان يرى في مطالب الشعب "عبيد إحساناتنا". وأشار حسن إلى أن التلويح المستمر بإعادة العليمي إلى السجن يعيد إحياء سياسة الصوت الواحد التي كرسها ناصر قديماً ولم تسمح بأي نقاش، لافتاً إلى أن الهدف اليوم هو الإبقاء على سلطات مطلقة فوق دستورية.

وكتب الصحفي والناشط طارق سلامة @tariksalama أن العليمي يطالب بخروج السلطة العسكرية من العمل السياسي كخطوة أولى للإصلاح. ويوضح أن الأزمة الهيكلية في مصر تكمن في أن "العسكر شايفين نفسهم حزب، ويمكن كذا حزب كمان"، بينما يضطر بعض المدنيين للاندماج معهم للاستقواء بالقوة، واصفاً الإدارة الحالية بأنها تفتقر إلى الفهم السياسي وتدار بفكر "ناظر أو خولي عزبة".

وكان ناشطون قد استنكروا الصمت الإقليمي والدولي من بعض الرموز (كالبرادعي) تجاه تصفية المعارضة، وذكّروا بأن حبس العليمي وهشام فؤاد سابقاً لم يكن إلا بسبب رغبتهما في ممارسة حقهما الدستوري في الترشح للانتخابات، متسائلين: هل من يسجن السياسيين بسبب التخطيط لخوض الانتخابات البرلمانية مؤهل لإحداث إصلاح سياسي؟

جبهة التحريض الإلكتروني والإعلام الأمني

في المقابل، قادت الحسابات الموالية للأجهزة الأمنية والإعلام الرسمي حملة شرسة وشيطنة علنية للسياسي زياد العليمي، مطالبة بإعادة حبسه وإسكات صوته تماماً. ومن هؤلاء سلوى السوبي والناشطة المؤيدة للنظام شيرين هلال @sherinhelal555، التي شنت هجوماً حاداً، واصفة حوار العليمي بـ"مسلسل احبسني والنبي يا عمو" والفرقعات الصحفية. وانتقدت عدم اعترافه بالنظام، مستشهدة بـ39.7 مليون صوت حصل عليها الرئيس في الانتخابات الأخيرة. كما أعادت إنتاج الاتهامات الأمنية في قضية "خلية الأمل"، معتبرة إياها قضية تمويل وإرهاب وليست معارضة، وتهكمت على رفاقه كأحمد الطنطاوي، واصفة إياهم بـ"المعارضة الكوميدية"، متهمة العليمي بإهانة المشير طنطاوي والمجلس العسكري تاريخياً ومهاجمة العلاقات الاقتصادية مع الخليج.

وتهكم حساب (الشَخْرِسْتاني ™) @ElFadila_1، معلقاً بما يجسد واقع الفاشية الأمنية الممارسة؛ إذ طالب الحساب بالقبض فوراً على زياد العليمي وكل أطياف المعارضة والمنتمين للحركة المدنية، مبرراً ذلك بعبارة فجة: "مصر دولة دينية فاشية عسكرية لها أنياب.. ومفيش حاجة اسمها معارضة، إنما الحكم هو للسيسي وحده"، كاشفاً عن الطبيعة الإقصائية لشعار "الجمهورية الجديدة".

الديهي والقنوات الأمنية

وقاد الديهي، عبر برنامجه الفضائي، رأس الحربة في الهجوم، موجهاً اتهامات جاهزة للعليمي مثل "التطاول على الدولة"، وبث السباب غير المهني، متجاهلاً أن القضايا التي طرحها العليمي (كالإفراج عن المحبوسين وتخارج الجيش من الاقتصاد) هي ذاتها العناوين التي طُرحت سابقاً في "الحوار الوطني" برعاية الرئاسة، ما يكشف التناقض البنيوي للإعلام الأمني.

وتُظهر القراءة التاريخية لشهادات النشطاء، مثل الحقوقي جمال عيد والإعلامي أحمد رجب، أن استهداف زياد العليمي ليس وليد اليوم. فمنذ عام 2003 تعرض العليمي للاعتقال والاعتداء البدني لمعارضته نظام مبارك، وكان أحد الوجوه الشابة لثورة يناير 2011 ونائباً في برلمان 2012.

وفي يونيو 2019، تجلت ذروة القمع عندما أُلقي القبض عليه رفقة حسام مؤنس وهشام فؤاد وعمر الشنيطي، بتهمة فبركتها الداخلية (بالتنسيق مع قيادات متنافرة في الخارج كأحمد حسين وعلي بطيخ)، بينما كانت الجريمة الحقيقية هي التخطيط السلمي لتشكيل تحالف انتخابي يخوض انتخابات البرلمان، بناءً على معيارين: رفض التنازل عن جزيرتي تيران وصنافير، ورفض تعديلات الدستور. واستمر حبسه 3 سنوات حتى صدر عفو رئاسي عنه في أكتوبر 2022.

ويرى العليمي والمدافعون عنه أن المخرج الحقيقي يتطلب "العدالة الانتقالية" (المادة الدستورية المعطلة منذ 2014) لإنصاف المظلومين ومحاسبة المسؤولين، مع ضرورة حوكمة المؤسسات بحيث تلتزم وزارة الداخلية بالأمن لا بإدارة السياسة، ووزارة الصحة بالطب لا بالاستثمار، ويتفرغ الجيش لحماية الحدود بعيداً عن النشاط الاقتصادي ومنافسة الأفراد.

ويعتبر متابعون أن حملات الاغتيال المعنوي والتحريض التي تشنها اللجان الإلكترونية والإعلام الأمني تهدف بالأساس إلى إعدام العمل السياسي المدني وإسكات أي وعي مجتمعي بالأزمات الهيكلية للبلاد. وإن وجود سياسيين مستقلين كزياد العليمي وأحمد الطنطاوي يثبت أن خيار التغيير السلمي يظل البديل الوحيد لثلاثيات القمع والتطرف، ويؤكد حقيقة راسخة: أن مصر، بوعيها وتاريخها، أكبر بكثير من أن يتم اختزالها في الصوت الواحد.