أثارت قرارات الانقلاب بمنع آلاف النشطاء والمدافعين عن حقوق الإنسان والمعارضين لنظام عبد الفتاح السيسي قائد الانقلاب الدموى بصفة عامة من السفر انتقادات حقوقية محليا ودوليا.
وأكد حقوقيون أن هذه القرارات بمثابة انتهاك لحقوق الإنسان محذرين من أن الانقلاب يعمل على تحويل مصر إلى سجن كبير لأن المعتقلات لم يعد فيها مكان لمزيد من المعتقلين.
يشار إلى أن عددا من الحقوقيين والمدافعين عن حقوق الإنسان يواجهون قرارات بالمنع من السفر، على خلفية القضية رقم 173 لسنة 2011، والمعروفة إعلاميا باسم "قضية منظمات المجتمع المدني”.
وكانت محكمة الجنايات في 18 يوليو الماضي، قد قررت عدم قبول تظلم 14 من الحقوقيين والمدافعين عن حقوق الإنسان والعاملين في المجتمع المدني، على قرار منعهم من السفر. وتضم قائمة المتظلمين المحامي محمد زارع وإسراء عبد الفتاح ومازن حسن وياسر عبد الحفيظ وعلاء الدين عبد التواب وأحمد غنيم وأحمد راغب وحسام بهجت ومالك مصطفى عدلي وجمال عيد وناصر أمين وعزة سليمان وهدى عبد التواب وحسام الدين أحمد.
وكان قاضي التحقيقات في القضية، قد قرر في وقت سابق، منع الحقوقيين من السفر والتحفظ على أموالهم على خلفية القضية التي مازالت منذ 9 سنوات قيد التحقيقات. كما سبق لهيئة التحقيق القضائية أن قررت في الفترة بين 2015 و2017 منع عدد من نشطاء المجتمع المدني والمحامين الحقوقيين من السفر، وأيدت محكمة جنايات القاهرة التحفظ على أموال بعضهم ومنعهم من التصرف فيها.
وبحسب تقرير سابق للجبهة المصرية، بدأت القضية في منتصف عام 2011 لتضم عددًا من منظمات المجتمع المدني والعاملين بها من المصريين والأجانب، لتنقسم بعد ذلك لنصفين الأول خاصة بالمصريين والثانى بالأجانب.
رفع فوري
من جانبه طالب مركز القاهرة لدراسات حقوق الإنسان، بـ”الرفع الفوري لحظر السفر” المفروض على عدد من النشطاء الحقوقيين والمدافعين عن حقوق الإنسان في مصر.
وقال المركز في بيان له اليوم الاثنين حول المنع من السفر "إن القمع الشديد الذي تمارسه حكومة الانقلاب ضد منظمات حقوق الإنسان بما في ذلك حظر السفر المفروض على عشرات النشطاء، يجعل من المستحيل على منظمات حقوق الإنسان المصرية أن تلعب دورها".
وانتقد مايكل فورست المقرر الخاص للأمم المتحدة المعني بالمدافعين عن حقوق الإنسان هذا الكمّ الكبير من قرارات المنع من السفر الذي نصدره حكومة الانقلاب معتبرا ان هذا الإجراء جزء من مسعى لإسكات المنتقدين.
وقال فورست في بيان إن القيود التي يفرضها نظام الانقلاب على حرية التنقل صارت للأسف شيئا معتادا في نطاق ما يعتبر حملة أوسع على المجتمع المدني المصري استمرت منذ 2011."
سجن كبير
وطالبت منظمة هيومن رايتس ووتش ومنظمة العفو الدولية في بيان مشترك سلطات الانقلاب بالتوقف عن منع المدافعين عن حقوق الإنسان من السفر.
وقال جو ستورك نائب مدير الشرق الأوسط وشمال أفريقيا في هيومن رايتس ووتش ان سلطات الانقلاب تريد قطع الصلة بين حركة حقوق الإنسان المصرية والعالم الخارجي.
وكشفت منظمة العفو الدولية إن سلطات الانقلاب تستخدم المنع من السفر في تخويف المدافعين عن حقوق الإنسان وعرقلة عملهم.
وقال الناشط الحقوقى محمد زارع اننى منعت من السفر رغم أنه لم توجه لى اتهامات رسميا ولم يتم ابلاغى مسبقا بالمنع من السفر مؤكدا أنه لم يحصل على تفسير للإجراء المتخذ ضده من قبل سلطات مطار القاهرة الدولى.
وأضاف زارع فى تصريحات صحفية – مشيرا إلى رواية فرانز كافكا (المحاكمة) التي يحاكم فيها بطل الرواية في ملابسات غامضة – ”الموضوع كافكاوي للغاية. أنا مش عارف أنا ممنوع ليه. مش عارف مين منعني ومش عارف حتى أجيب ورقة بتقول دا منين.
وأعرب عن أسفه لأن البلد كلها تحولت إلى سجن كبير ومش عارف حتى مدتي (في السجن) قد إيه.
تيران وصنافير
وقال مالك عدلي محام حقوقي منع من السفر في وقت سابق إنه لم يتلق تفسيرا لقرار منعه من مغادرة البلاد.
وأضاف عدلي – وهو أحد أعضاء فريق المحامين الذى كان يسعى أمام المحاكم لإبطال اتفاقية ترسيم الحدود البحرية بين مصر والسعودية والتى تنازل الانقلاب بمقتضاها عن تبعية جزيرتي تيران وصنافير لصالح السعودية – أعتقد أنىى مستهدف لمعارضتى للسيسي.
وتابع فى تصريحات صحفية : أنا ما شفتش وما استلمتش أي ورقة بتقول إن أنا ممنوع من السفر.
11 جهة
وقال طارق عبد العال محامى حقوقى إن الحق فى التنقل والسفر، من أهم المفردات الحقوقية الشخصية اللصيقة بالإنسان، مشيرا إلى أن هناك توسعا فى المنع من السفر الخارجى، والوضع على قوائم الممنوعين من السفر، أو قوائم ترقب الوصول
وأشار إلى أن هناك إحدى عشرة جهة رسمية لها الحق فى الإدراج على قوائم الممنوعين من السفر بالنسبة للأشخاص الطبيعيين وبناء على طلب الجهات الآتية دون غيرها: المحاكم فى أحكامها وأوامرها واجبة النفاذ، والنائب العام، وقاضى التحقيق، ومساعد وزير العدل للكسب غير المشروع، ورئيس المخابرات العامة، ورئيس هيئة الرقابة الإدارية، ومدير إدارة المخابرات الحربية، ومدير إدارة الشئون الشخصية والخدمة الاجتماعية للقوات المسلحة، والمدعى العام الاشتراكى ومساعد وزير الداخلية لقطاع الأمن الوطنى، ومساعد وزير الداخلية لقطاع مصلحة الأمن العام، ويجب أن يكون الإدراج فى غير حالات طلب المحاكم صادرا من رئاسة الجهات المشار إليها دون فروعها.
وأوضح عبد العال فى تصريحات صحفية أن أهم أسباب المنع من السفر تكمن فى أن يكون القرار صادرا من المكتب الفنى للنائب العام على خلفية التورط فى قضايا جنائية تستلزم المنع، وتتمثل فى أن يكون الشخص الممنوع من السفر متهما فى جناية أو جنحة يعاقب عليها، بعقوبة مقيدة للحرية وأن هذه الجريمة من ضمن الجرائم التى تمس أمن وسلامة البلاد، وأن يكون صادرا ضده أحكام نهائية واجبة النفاذ فى قضايا تتعلق بالمصلحة العامة للدولة. وكذلك عدم تأدية الخدمة العسكرية والحصول على شهادة تؤكد ذلك، أو الحصول على إذن بالسفر من المنطقة العسكرية ممن هم فى سن التجنيد ولم يتم تحديد موقفهما بشكل نهائى، كل هذا بخلاف إمكانية المنع لأسباب وقتية مثل حيازة مبالغ تزيد على عشرة آلاف دولار أو ما يعادلها، أو حيازة أدوية علاجية مدرجة على جداول المخدرات، دونما إفادة طبية.
تنظيم قانونى
وتابع: أثارنى كل هذه الجهات التى من حقها مصادرة حرية أو حق التنقل والسفر، حيث يكفى أن يكون هنالك رقم قضائى فقط ضد الشخص، حتى تكون هناك أسباب تجعل من حق السلطات أن تصدر أمرا بالمنع من السفر، حتى لو استمر ذلك الرقم القضائى محبوسا دون ممارسة أى تحديثات عليه مثل استكمال التحقيقات، أو الإحالة إلى المحاكمة على أسوأ الفروض، وهو ما يجعل من هذا الأمر الذى يتم تغليفه تحت مقولة إنه إجراء احترازى عقوبة مسبقة دونما محاكمة، وهو ما يتناقض مع ما أرسته المحكمة الدستورية بقولها إنه «من المقرر أن حق المواطن فى الانتقال يعكس رافدا من روافد حريته الشخصية التى حفل بها الدستور، دالا بذلك على أن حرية الانتقال تنخرط فى مصاف الحريات العامة وأن تقييدها دون مقتضى مشروع إنما يجرد الحرية الشخصية من بعض خصائصها ويقوض صحيح بنيانها».
وطالب عبد العال بأن يكون هناك تنظيم قانونى للمنع من السفر، لا يخل بالقيمة الحقوقية أو الدستورية للحق فى التنقل والسفر، ولا يجعل أمر تنظيمه فى يد السلطة التنفيذية بشكل غير محدد، وأن تكون نصوصه واضحة محددة الصياغة، غير فضفاضة، وعصية على التأويل والالتباس، كما أنه لا يجب أن يكون مطلقا أبدا، وأن يكون محددا فى مداه الزمنى.
وأكد أنه فى غياب القانون الذى ينظم القواعد الموضوعية والشكلية لإصدار قرارات المنع من السفر، وفى ضوء حكم الدستورية العليا، لا تستنهض النيابة العامة هذه الولاية فى خصوص المنع من السفر ولا تقوم لها قائمة، ويكون ما تصدره النيابة العامة فى هذا الشأن مجرد إجراء فاقد لسنده الدستورى والقانونى.