كان مشهد عبور القناة في السادس من أكتوبر 1973م العاشر من رمضان 1393هــ، عبقريا ومثَّل مفاجأة مدوية للكيان الصهيوني أصابتهم بصدمة كبيرة دفعتهم إلى الصراخ والعويل والاستغاثة بالولايات المتحدة الأمريكية من أجل إنقاذ الكيان الصهيوني، ذلك الكيان اللقيط الذي غرزته القوى الاحتلالية الغربية في خصر الأمة العربية والإسلامية من أجل استنزافها والهيمنة عليها لقرون عديدة. كان العبور عظيما في توقيته والتخطيط له وتنفيذه الذي أذهل العالم خصوصا بعد الهالة الكبيرة والمبالغة الواسعة التي روجت لها الدعاية الصهيونية لخط بارليف المنيع باعتباره أحد أعظم الموانع في العالم.
جريمة تطوير الهجوم
مضى الجيش المصري على خطى النصر حتى جرى تحول كبير في يوم 10 أكتوبر؛ حيث أمر الرئيس الأسبق محمد أنور السادات بتطوير الهجوم بعمق 40كم حتى منطقة المضايق؛ لتخفيف الضغط عن الجبهة السورية في الشمال والتي تراجعت أمام كثافة الهجوم الصهيوني المرتد.
رفض الفريق سعد الدين الشاذلي، رئيس أركان حرب الجيش وقتها، طلب السادات، مؤكدا أن في ذلك خطورة بالغة على القوات المصرية التي تمركزت على مسافة نحو 17 كم شرق القناة في حماية حائط صواريخ الدفاع الجوي المقام غرب القناة. وأوضح للسادات أن قرار تطوير الهجوم من الناحية العسكرية يمثل قرارا بالانتحار لأن القوات المصرية التي ستنفذ عملية التطوير ستكون بلا حماية من الدفاع الجوي بخلاف التفوق النوعي لقوات العدو الجوية؛ وبالتالي فإن تطوير الهجوم هو إصرار على منح العدو نصرا مجانيا على حساب مصر وجيشها وأبنائها، بخلاف أن الهدف من تطوير الهجوم وهو تخفيف الضغط عن الجبهة السورية لن يتحقق بإلحاق هزيمة بالجيش المصري؛ ما يثير كثيرا من الشكوك حول الأهداف الغامضة لتطوير الهجوم من جانب السادات. يقول الشاذلي في حوار تلفزيوني: «قلت له لا يمكن تخفيف الضغط عن سوريا، طالما أن العدو يتمتع بقوات جوية قوية ومتفوقة تمنع تعاون الطرفين».
ولكن السادات أصّر على قراره بتطوير الهجوم باعتباره قراره سياسيًا واجب التنفيذ من القائد الأعلى للقوات المسلحة؛ مما اضطر الشاذلي لتنفيذه وإيصاله للقادة الميدانيين، وبموجب ذلك القرار توجه اثنان من الضباط لإبلاغ قائدي الجيش الثاني والثالث الميدانيين بتنفيذه.
وجاء الرد صاعقا من الفريق عبدالمنعم واصل قائئد الجيش الثالث الميداني، والفريق سعد مامون قائد الجيش الثاني الميداني؛ مؤكدين للشاذلي أن «التعليمات اللي سيادتك بعتها مش هنقدر ننفذها» بمجرد وصول الأوامر إليهما، وزاد مأمون رفضه لتطوير الهجوم باالإعراب عن استعداده لتقديم استقالته. رفض التطوير أيضًا جاء من قائدي الفرقة السابعة، والفرقة 21 مدرعة، ولكن القيادة السياسية برئاسة السادات وتأييد وزير حربيته أحمد إسماعيل أصرّت على تطوير الهجوم، بالرغم من المخاطرة ورفض القادة الميدانيين.
جرى توصيل القرار للقادة الميدانيين يوم 12 أكتوبر وهي المعلومة التي وصلت للعدو عن طريق أحد جواسيسهم في ذات اليوم؛ ويرى تسفي زامير رئيس الموساد الصهيوني أن حصولهم على هذه المعلومة مثّل تطورا لافتا لصالحهم، قائلا في أحد الأفلام الوثائقية عن الحرب :«عرفنا أنه في اللحظة التي ستتحرك فيها مدرعاتهم سوف ندمرها كلها». وفي الفيلم نفسه اعتبر أهارون ليفران، المسئول في الاستخبارات العسكرية الصهيونية أن «هذه المعلومات الاستثنائية التي حصلنا عليها يوم 12 أكتوبر هي التي أنقذتنا».
النتيجة كانت مؤسفة وقاسية على الجيش المصري؛ بخسارته نحو 13 ضعفَ ما خسره نظيره الصهيوني؛ إذ خسرت مصر نحو 260 دبابة في مقابل خسارة الكيان الصهيوني 20 دبابة فقط، وانسحاب الجيش المصري نحو الضفة الشرقية، بعتاد يبلغ نحو 100 ألف مقاتل، وألف دبابة، ولكن ثغرة قدرها نحو ميل، جلبت الكثير من المعاناة للجيش المصري.
ثغرة الدفرسوار
ترتب على الهزيمة التي لحقت بالجيش المصري يوم 14 أكتوبر 1973م وهو اليوم الذي وصفه الشاذلي بالأكثر كارثية في الحرب، نتائج كارثية على الجبهة المصرية إذا خسرت مصر مئات العتاد وآلاف الضباط والجنود. وتراجعت الروح المعنوية العالية التي أعقبت النجاح الهائل في مشهد العبور، ومكنت العدو من استرداد القدرة على المبادرة وتطوير الحرب لحسابهم وهو ما تجلى في ثغرة الدفرسوار وهي مسافة "ميل" بين الجيشين الثاني "مقره الإسماعيلية" والجيش الثالث ومقره السويس، حيث استطاع إيرئيل شارون قيادة فرقته لاختراق الثغرة والعبور بقواته إلى الضفة الغربية للقناة (عبروا كما عبرنا)، ثم جرى حصار محافظة السويس، بل وصلت قوات شارون حتى الكيلو "101" على طريق القاهرة السويس.
المقاومة الشعبية
انقلب مشاهد الحرب رأسا على عقب بعد قرار السادات الكارثي الذي لم يحاكم عليه حتى اليوم، وبات الجيش المصري في وضع بالغ الصعوبة ؛ فهو أشبه بالمحاصر في مسافة 17 كم بعمق سيناء من الضفة الشرقية للقناة في حماية مظلة الصواريخ، لكنه محاصر من الشرق بقوات الاحتلال المتمركز في تحصينات كبيرة وتفوق نوعي كبير لقواته الجوية بخلاف فرقة كاملة باتت تحاصر محافظة السويس حيث جرى توصل إنذار إلى المحافظ بالاستسلام، وبدوره تواصل مع القيادات العسكرية في المحافظة والتي تتبع الجيش الثالث والتي قررت هي أيضا الاستسلام وتم رفع الراية البيضاء على مبنى المحافظة بالفعل وهنا حدثت المفاجأة؛ إذ ارتفعت ميكرون مسجد النور الذي يؤمّه الشيخ حافظ سلامة ورفض الاستسلام مهددا بتدمير آي آليات صهيونية تحاول اقتحام المدينة.
مثّل دخول المقاومة الشعبية على خط المواجهة تطورا لافتا واستطاعت أن تستر هزائم الجيش المذلة ولكي نعرف قيمة هذه المقاومة لك أن تتخيل الوضع لو تمكن العدو فعلا من احتلال محافظة السويس فهل كان لاحتفالات نصر أكتوبر التي يحتفل بها الجيش كل سنة أي معنى؟ فالشعب هو من حمى الجيش وستره من الفضيحة والمسجد كان هو الرمز الذي استطاع الصمود والثبات عندما خنع أصحاب الكاب وقرروا الاستسلام.
وظل حصار السويس مائة يوم كاملة حتى جرى اتفاق وقف إطلاق النار في يناير 1974م ثم دخل السادات في مفاوضات "كامب ديفيد" 1978م والتي مثلت اعترافا بالكيان الصهيوني وتخليا عن كل القيم الأخلاقية والقانونية والشرعية في الصراع الذي تحول إلى بيزنس للنظم العربية التي رأت في الاعتراف بالصهاينة وسيلة لضمان بقائهم على عروشهم رغم القهر والظلم والطغيان.