دراسة إيطالية تناقش تكتيكات السيسي في إدارة العلاقات المدنية العسكرية

- ‎فيتقارير

قال المعهد الإيطالي لدراسات السياسة الدولية، في ورقة تحليلة طرحتها "ريسا بروكس"، الأستاذ بجامعة ماركة الإيطالية، إن الجيش في عهد الطاغية عبد الفتاح السيسي، يشدد قبضته على الاقتصاد، ويخنق السياسة المدنية والمجتمع، مضيفة أن "هذا ليس شيئا جديدا". وقالت بروكس، في الورقة التي جاءت بعنوان: "القديم والجديد في العلاقات المدنية العسكرية المصرية"، إن هذا الوضع يعكس ظاهرة عمرها عقود تعود إلى الستينيات في عهد جمال عبد الناصر. واستدركت الدراسة، أن الجيش زاد في عهد السيسي بشكل كبير من أدواره في المؤسسات التجارية، وشرع في مشاريع بنية تحتية جديدة. وأنه زاحم المجتمع المدني والمؤسسات المدنية في مصر، أو تم تهميشها عمدا من قبل الحكومة، وتهجيرها قسرا بشكل حازم وغير خاضع للمساءلة بشكل متزايد. وقالت الورقة، إن السيسي يعتمد على تقنيات مجربة للحفاظ على ولاء الجيش، ومع ذلك فهو يجمع بين هذه التكتيكات بطريقة تعكس مقاربته الشخصية والسلطوية في إدارة العلاقات المدنية العسكرية.
وتحت عنوان "الجشع والسلطة والسيطرة على الاقتصاد"، أكدت الباحثة أن تدخل الجيش في الاقتصاد هو أحد أكثر السمات ديمومة للعلاقات المدنية العسكرية في مصر. واضافت أنه في الستينيات، سعى المشير عبد الحكيم عامر، قائد الجيش، إلى بناء ولاءات بين ضباطه من خلال توسيع الصناعة العسكرية والادعاء بأدوار رئيسية في الدولة، مثل استصلاح الأراضي، مما تسبب برأيها بتنافس بين عبد الناصر وعامر، وفقد "ناصر" نفوذه على الشؤون العسكرية بشكل متزايد منذ أواخر الخمسينيات.
وأشارت إلى أن توسع "عامر" في الأنشطة العسكرية السياسية والاقتصادية سمح لـ عامر بزيادة نفوذ الجيش داخل النظام وتحدي سلطة عبد الناصر. وقالت بريكس إن الجيش وضباطه المنخرطين في السيطرة على ثروة البلاد، إنما هو لصالح "التنظيم" فضلا عن أبعاد شخصية خاصة.(في إشارة إلى تنظيم الولاءات داخل الجيش). وأضافت أنه من الناحية الهيكلية، فإن القوة العسكرية في الدولة تنمو بالتنسيق مع الامتداد الاقتصادي للمؤسسة، وأن إزالة الجيش من السياسة يستلزم أيضًا إعادة هيكلة الاقتصاد، والعكس صحيح. وخلصت إلى أنه ليس الجشع فقط، بل القوة أيضا تغذي سعي الجيش للسيطرة والنفوذ الاقتصادي.
إرث السادات
ونقلت الباحثة عن دراسة أجرتها الباحثة المصرية زينب أبو المجد، تشير إلى أن الرئيس الأسبق محمد أنور السادات بحث عن دور للجيش في الاقتصاد يتلاءم بشكل أفضل مع العلاقات المدنية العسكرية في السبعينيات. وأن السادات أجاز توسع الجيش في الاقتصاد التجاري مع إنشائه جهاز مشروعات الخدمة الوطنية عام 1979 لتعويض الجيش عن نزع السلاح في سيناء وتوفير فرص عمل للجنود بعد أن توصل إلى اتفاقيات كامب ديفيد.
وأضافت أن "حسني مبارك" بني على هذا الإطار المؤسسي الأساسي في ثمانينيات القرن الماضي، في عهد وزير الدفاع عبد الحليم أبو غزالة. وأوضحت أن "مبارك" اعتمد على تكتيك شائع بين الحكام المستبدين، يقوم على أن التنازل عن الامتيازات والموارد المؤسسية للجيوش مقابل ولائهم هو سمة منتشرة في العلاقات المدنية العسكرية الاستبدادية.
مراكز القوى
وحاولت أن تزاوج الباحثة بين ما فعله السادات والسيسي بشأن مراكز القوى، حيث كان السادات يتناوب على القادة العسكريين، ولعب أفرادا وفصائل مختلفة داخل القطاع القمعي ضد بعضهم البعض وأنه تجنب انقلابا محتملا في عام 1971 بين يساريين مدنيين في النظام ووزير حربه اللواء محمد فوزي من خلال إدارته الحاذقة للفصائل المتنافسة والمصالح في أجهزة الأمن والاستخبارات. وأن السادات طرد القادة العسكريين، مثل أولئك الذين عارضوا خطته الحربية المحدودة في حرب أكتوبر 1973. وبالمثل، قام السيسي أيضا بتناوب وفصل القادة العسكريين وأولئك الذين يشغلون مناصب رئيسية.
ورأت أن خبرة السيسي السابقة في الاستخبارات العسكرية ساعدته في تنظيم هذا الباب الدوار لضباط الجيش داخل وخارج المناصب القيادية. في المقابل، فضل مبارك الاعتماد على المتملقين الموثوق بهم وترسيخهم في السلطة. وقالت: "السيسي أكثر مهارة ويميل إلى ممارسة لعبة فرق تسد".
جوانب مزدوجة للمنافسة السياسية
واعتبرت الباحثة أن نزوع السيسي نحو السيطرة على المجتمع المدني تحول إلى ساحة منافسة للاستحواذ بين جهاز المخابرات والأمن والجهاز العسكري للدولة، وأن النفوذ في مصر يدور حول هذه الأجهزة، حيث يسعى السيسي إلى تلبية حاجتهم إلى فرص اقتصادية جديدة، مع إدارة المنافسة بين أجهزة الأمن والاستخبارات والجيش لتأمين منصبه.

وأوضحت أنه بسبب هذه السياسة تلاشت استقلالية وموارد الجهات الفاعلة والمؤسسات المؤثرة سابقًا، من الحزب الوطني الديمقراطي (NDP) ونخبة رجال الأعمال ووسائل الإعلام والجامعات في مصر لصالح السيسي. واستدركن أن خطوة السيسي بإعادة تأهيل أو تمكين فئات جديدة في المجتمع المدني والنخبة لموازنة تأثير القطاع السيادي سبقه لها عبدالناصر مع إنشائه الاتحاد الاشتراكي العربي عام 1962 والسادات مع الطبقة الوسطى والمصالح الاقتصادية التي تم قمعها في الستينيات، بينما اعتمد مبارك على الحزب الوطني الديمقراطي ونخب رجال الأعمال.
شخصنة العلاقات المدنية العسكرية
واعتبرت أن السمة المثيرة للقلق وربما جديدة للعلاقات المدنية العسكرية في مصر، هو اعتماد السيسي بشكل متزايد على الرجال الذين تربطهم روابط شخصية وأفراد أسرته لتولي المناصب في الدولة. وأشارت إلى نماذج سابقة غير مصرية كما القذافي، والأسد، وصدام حسين، كنوع إضفاء الطابع الشخصي على السياسة المدنية العسكرية التي يمكن اكتشافها في مصر اليوم.
ورأت أن هذا خروج عن العقود الأخيرة في العلاقات المدنية العسكرية، لافتة إلى أن التجربة العسكرية الكارثية في حرب 1967. كان الدرس ي هو أن السياسة والجيش لا يختلطان جيدًا ويقوضان الفعالية العسكرية. وأنه من المفارقات، أنه خلال فترة حضوره للكلية الحربية للجيش الأمريكي في منتصف العقد الأول من القرن الحادي والعشرين، بدا أن السيسي يعتقد أن الانخراط في السياسة يضر بالجيش. ونبهت إلى أن الضباط الذين ترجع هويتهم وولائهم للجيش المؤسسي قد يستاءون من السيسي لقيامه بترقية أفراد الأسرة إلى مناصب رئيسية داخل الجيش والجهاز السيادي- وهو أمر تجنبه كل من مبارك والسادات.
والمعهد الإيطالي للدراسات السياسية الدولية (ISPI) هو مؤسسة فكرية مستقلة وغير حزبية وغير هادفة للربح تقدم أبحاثًا رائدة وخيارات سياسية قابلة للتطبيق للمسؤولين الحكوميين ورجال الأعمال وعامة الناس الذين يرغبون في فهم القضايا الدولية بشكل أفضل، بحسب موقعه على الشبكة.