“الضرائب عبادة لله”!.. دار الإفتاء تسحق الناس ابتغاء مرضاة “السيسي”

- ‎فيتقارير

قبل أسابيع، وأثناء خطبة الجمعة في أحد مساجد المنوفية، أفتى وزير الأوقاف بحكومة الانقلاب المدعو محمد مختار جمعة بأن "العقم" قد يكون نعمة من الله". واعتبر لجوء بعض الأزواج الذين لم يرزقوا بالذرية إلى الوسائل الطبية من أجل الإنجاب شكلا من أشكال الاعتراض على حكم الله! وهو ما يراه الغالبية الساحقة من الناس نفاقا للسلطة وتزلفا إليها على حساب الشرع والدين والوطن. ويكرر مفتي الديار "السيسية" ذات النغمة النشاز ويطلق أيضا الفتاوى الشاذة لإضفاء مسحة دينية زائفة على مواقف السلطة مهما كانت بالغة الشذوذ والانحراف ومهما كانت بالغة الظلم والإجرام.
وأمس السبت 6 مارس 2021م، أصدر المفتي محمد شوقي علام، بيانا أفتى فيه بأن «الضرائب» عبادة لله لأنها من طاعة ولي الأمر في الحق والخير والبناء، وهي طاعة للقانون الذي وضعه ولي الأمر ونحن مأمورون بطاعته فيما لا يخالف الله ورسوله. وانتهى مفتى الديار السيسية إلى أنه لا يجوز التهرب من الضرائب ولا يجوز دفع رشوة لإنقاصها"!
وأضاف: "يجوز لولي الأمر أن يفرض ضرائب عادلة في تقديرها وفي جبايتها إلى جوار الزكاة، لتغطية النفقات العامة والحاجات اللازمة، باعتبار أن وليّ الأمر هو القائم على مصالح الأمة التي تستلزم نفقات تحتاج إلى وجود مورد ثابت، ولا سيما في هذا العصر الذي كثُرت فيه مهام الدولة واتسعت مرافقها".
يذكر أن رئيس الانقلاب أصدر قراراً، في فبراير 2021م بتجديد تعيين شوقي علام منصب مفتي الديار المصرية، حتى بلوغه سن التقاعد في 12 أغسطس المقبل، على الرغم من انتهاء ولايته الثانية والأخيرة في 3 مارس الحالي، طبقاً لقانون تنظيم الأزهر والهيئات التي يشملها، واللائحة التنفيذية لهيئة كبار العلماء. ويعتبر مراقبون شوقي علام مفتي السلطة بامتياز، وأن التجديد مكافأة له على دعمه السلطة التنفيذية باستخدام الآراء الفقهية، التي عادة ما يواجهها شيخ الأزهر أحمد الطيب، ويفندها ويرفضها.

التنزيل الخاطئ للنصوص على الواقع
مشكلة مثل هذه الفتاوى أنها يمكن أن تكون صحيحة في شكلها المجرد بعيدا عن السياق والظرف الذي تصاغ فيه، لكن عندما ننظر إلى فتوى شوقي علام، فإن الهدف منها هو دعم مواقف السلطة رغم أنها أولا سلطة عسكرية اغتصبت الحكم بانقلاب عسكري على رئيس شرعي منتخب. ثانيا، سفكت دماء الآلاف من المصريين من أجل تكريس وجودها اللا شرعي. ثالثا، تمارس أبشع صور البغي والعدوان وتزج بعشرات الآلاف في السجون بتهم سياسية ملفقة. رابعا، منحت هذه السلطة نفسها سلطات مطلقة في الحكم والتشريع، واتخذت قرارات عشوائية قهرت الناس، ودفعت بعشرت الملايين تحت خط الفقر، كما حدث مع بعد اتفاق هذه السلطة مع صندوق النقد الدولي في نوفمبر 2016م. وهي القرارات التي تسببت في موجات لا تتوقف من الغلاء الفاحش الذي سحق الناس سحقا. خامسا، فرضت هذه السلطة الانقلابية لأول مرة في تاريخ مصر ضرائب ورسوما جبائية تفوق مستوى الناس المالي والاقتصادي. سادسا، تزايدت معاناة المواطنين في أعقاب تفشي جائحة كورونا وطرد ملايين الموظفين والعاملين من شغلهم لأسباب اقتصادية، وكل حكومات العالم تقدم مساعدات هائلة للمواطنين في ظل هذه الظروف القاسية إلا حكومة السيسي فإنها ترهق الناس بالمزيد من الجباية والضرائب والباهظة. سابعا، لا تزال هذه السلطة تهدر مئات المليارات على مشروعات عبثية بلا جدوى اقتصادية مثل العاصمة الإدارية الجديدة وغيرها من المشروعات (الضخمة!) التي لا تنعكس على الناس ولا ترفع مستواهم المادي. ثامنا، تعمد هذه السلطة على التوسع في الاقتراض من أجل رفاهية كبار الجنرالات وتبني القصور الفارهة من أجل رفاهية هذه النخبة العسكرية الحاكمة وأسرهم على حساب جموع الشعب الجائع والفقير.
وفي ظل هذه الأوضاع المزرية حيث يتكبد الناس مشقة بالغة في الحصول على الرزق تأتي فتوى شوقي علام لتنحاز للسلطة الجائرة على حساب الشعب المسحوق! ولذلك ووجه بيان المفتي بانتقاد واسع. واعتبره كثيرمن النشطاء والمغردين خلطا للدين بالسياسة، وجرى وصفه بشيخ السلطة الذي توظفه لخدمة أجندتها، لكن الأزمة أكبر من ذلك؛ فمنذ الانقلاب العسكري الأول يوليو 1952م ثم الانقلاب العسكري الثاني يوليو 2013م، يجري توظيف المؤسسة الدينية الرسمية على نطاق واسع لخدمة السلطة حتى تنسجم مع توجهات السلطة مهما كانت بالغة الشطط والانحراف.

العلاقة بين الدين والسياسة
العلاقة بين الدين والسياسة، أو بين الدين والسلطة، هي علاقة شائكة، ومنذ أمد بعيد. وفي مصر يعتبر البعض أن ما يحدث الآن، ومنذ 3 يوليو، هو تجلّ لإشكاليات هذه العلاقة، كما أنّ الجنرال عبدالفتاح السيسي نفسه لم يخفِ أن سببًا من أسباب تحركه بالجيش ضد الرئيس محمد مرسي، والحكومة المنتخبة هو “الخلاف العقائدي القديم
إذا ليس غريبا أن الحجة التي تذرع بها الجنرال للانقلاب على نظام الرئيس مرسي وحكومته المنتخبة وهي «توظيف الدين لخدمة مصالح سياسية»، يمارسها الجنرال وأركان نظامه بصورة أكثر بشاعة؛ تجعل ما أشيع عن الإخوان والرئيس مرسي بهذا الشأن مزحة تستوجب الاعتذار ممن أطلقوها.
فتوظيف نظام 30 يونيو للدين والمؤسسة الدينية الإسلامية والكنسية على حد سواء لتكريس حكمه الاستبدادي وتمرير مصالحه عبر الفتاوى وتسويق رجال الدين، بلغ حد الهوس الذي يتواري معه ما تردد من شائعات بحق نظام مرسي الذي كان ديمقراطيا بحق، وجاء بإرادة شعبية حرة لم تحدث من قبل ولا من بعد في تاريخ مصر، وكان حريصا ــ كل الحرص ــ على استقلال المؤسسة الدينية واحترامها حتى تسترد دورها الإيجابي المنشود على مستوى مصر والعالم.
وتمارس المؤسسة الدينية في عهد السيسي سواء كانت إسلامية مثل الأزهر والأوقاف والإفتاء أو كنسية (الكنائس الثلاث الأرثوذوكسية والكاثوليكية والإنجيلية)، تدخلات سافرة تستهدف دعم سلطة 30 يونيو في كل المواقف والسياسات ما يجعل منها حزبا سياسيا داعما للسلطة لا مؤسسات دينية يفترض أنها تتسم بالاستقلالية والحيادية حتى تحافظ على احترامها بين الجمهور المختلف بطبيعة الحال حول السياسات القائمة.
وشهدت سنوات ما بعد الانقلاب سيلا من الفتاوى والتحركات من رجال المؤسسة الدينية لدعم النظام العسكري وتكريس وجوده وضمان بقائه، فالفتاوى جاهزة على مقاس السلطة وعلى مقاس معارضيها أيضا تنزع عنهم صفة الإسلام؛ وبالتالي فنظام السيسي يمارس التكفير بشقيه الديني والسياسي ويمنح نفسه سلطة مطلقة للحكم على الناس فمن والاه كان مسلما وطنيا غيورا ومن عارضه كان مرتدا زنديقا خائنا وعميلا، ومع تتابع السنوات لا يتوقف النظام عند إدمان توظيف الدين لخدمة مصالحه بل تأميم الدين واحتكاره؛ فمن يحرر الإسلام من قبضة السلطة الجائرة؟ ومن يحرر الوطن من هذه البلاء المبين؟