لم يكن الجنرال عبدالفتاح السيسي عندما قام بانقلابه المشئوم في 3 يوليو 2013م، ثم تنفيذ عشرات المذابح الوحشية المروعة سوى بلطجي تم "كراه" بمليارات الخليج لتنفيذ رغبات البلطجي الأكبر «إسرائيل"؛ لحمايته وضمان أمنه واستقراره على حساب الأمن القومي لمصر والمنطقة العربية كلها. وبعرض مسلسل «الاختيار 2» على شاشات النظام في هذا التوقيت فإن النظام ساعد من حيث لا يريد في إيقاظ العاطفة الجياشة تجاه ضحايا مذبحة رابعة حيث تصدر وسم #رابعة_مذبحة الترند على مدار أيام تلت الحلقة الخامسة التي بث خلالها المسلسل سلسلة من الأكاذيب بشأن اعتصامي رابعة والنهضة.
هذا المسلسل المشبوه الذي تنتجته شركة "سينرجي" المملوكة لجهاز المخابرات العامة أعاد من جديد شريط الأحداث الدموية التي تم توثيقها بالصوت والصورة وشهادات شهود العيان؛ حتى تكون سياجا يحول دون طمس الحقيقة أو تشويه التاريخ أو سرد أكاذيب تبرر لكبار جنرالات المؤسسة العسكرية جرائمهم المروعة بحق مصر وشبعها وثورتها المجيدة في 25 يناير 2011م والمسار الديمقراطي الذي جاءت بها؛ فدهس العسكر كل ذلك طمعا في الحكم والسلطة ونهبا لثروات مصر وتمكينا لأعدائها من أجل إضعافها والسيطرة عليها ولتبقى دائما "خادما" للمشروع الصهيوني المدعوم أمريكيا وأوروبيا وخليجيا.
شهادة مؤلمة
وفي شهادته على الأحداث ردا على أكاذيب «الاختيار 2» يقول الدكتور هاني سليمان في شهادته على ما جرى عبر تدوينة كتبها على موقع التواصل الاجتماعي "فيس بوك": «وقت الفض كنت أعمل مديرا لمعهد التدريب القومي التابع لوزارة الصحة، وكنت أعرف الكثير من قيادات الوزارة وقتها بحكم عملي، وبعد الفض بأيام قليلة ذهبت إلى مقر الوزارة لحضور اجتماع، وقابلت هناك واحدا من قيادات هيئة الإسعاف الوطني، وأخذ الرجل يحكي لي تجربة مر بها شخصيا عندما ذهب مع فريق الإسعاف لميدان رابعة بعد انتهاء المذبحة. قال لي الزميل إن التعليمات كانت موجهة إلى الضباط الذي كانوا يحاصرون الميدان بعد الفض بمنع سيارات الإسعاف من حمل ونقل الجرحى من الميدان، وأن يقتصر عملها على نقل جثث القتلى إلى المشرحة، وأن يتركوا الجرحى ليموتوا في الميدان، وأن يتم تفتيش سيارات الإسعاف الخارجة من الميدان للتأكد من هذا. وحكى زميلي أنه وجد بين القتلى في الميدان شابا جريحا يئن من الألم بسبب جروحه البالغة، فرق قلبه، وحمله مع مساعديه إلى سيارة الإسعاف التي كان يستقلها، ووضعه تحت الجثث الموجودة بالسيارة حتى لا يُكتشف أمره أثناء تفتيش السيارة وهي خارجة من الميدان، وطلب منه أن يتحمل آلامه ويكتم صوته حتى تخرج السيارة من الميدان.وفعلا قدر الله أن تخرج السيارة من الميدان بسلام دون أن يُكتشف أمر الشاب الجريح، وخشى الزميل أن يذهب بالشاب إلى مستشفى حكومي لإسعافه حتى لا يتم الإبلاغ عنه كما تنص القوانين واللوائح، فذهب به إلى مستشفى خاص بسيط يعمل به أحد أصدقائه، وطلب منه إسعاف الشاب ورعايته دون الإبلاغ عنه، وفعلا قام الطبيب الزميل بهذا، ومر موضوع الشاب الجريح على خير. هذه كانت أوامر السفاحين القتلة، والذين لم يكتفوا بالقتل والذبح والحرق، بل تركوا الجرحى يعانون من جراحهم ويئنون من آلامهم حتى يموتوا أو يقوم هؤلاء السفاحون بقتلهم. إنك تستطيع خداع بعض الناس كل الوقت، وتستطيع خداع كل الناس بعض الوقت، ولكنك لا تستطيع خداع كل الناس كل الوقت. وإن الحق يعلو ولا يُعلى عليه، وإن غدا لناظره قريب بإذن الله تعالى».
هل تصمد الأكاذيب؟
ويذهب الكاتب والشاعر عبدالرحمن يوسف إلى أن الهدف من المسلسل ليس إثبات رواية النظام.. فهي رواية متهافتة، لا يصدقها أحد، وغالبية من يتشدقون بها سيغيرون كلامهم فور سقوط النظام، أو زوال رأسه، والقلة المخدوعة أتفه من أن تمثل رأيا عاما صلبا، إنهم مجرد غثاء.. وكل الروايات الكاذبة تجد من يصدقها.. مهما بلغ تهافتها.. وغاية أملهم أن نشك نحن في روايتنا الحقيقية.. أن نكذب أعيننا.. أن نفلسف المذبحة بقسمة الجريمة بين القاتل والمقتول.. أن نلتمس عذرا للقناصة.. أن نردد كلاما فارغا عن أن من قتل هؤلاء المظلومين "هو من أخرجهم".. أن نصدق كلاما تافها لشعراء مهزومين يدّعون البصيرة بأن التاريخ "ضمن الغنائم".. وبذلك نتقاعس عن كتابة روايتنا، ونستحي من توريثها لأبنائنا، وأبناء أبنائنا، وأبناء أبناء أبنائهم.. إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها! لقد كانت رابعة (وأخواتها من المجازر التي امتدت سنوات بطول وعرض الوطن) مجزرة ضد الوطن وأبنائه، ضد الوطن كله.. وأبنائه كلهم.. ليست ضد فصيل، وليست من أجل الوطن.. لقد كانت جريمة ضد الإنسانية، ارتكبتها مليشيات مسلحة، لا سند لها من دين أو قانون أو أخلاق، بهدف الاستيلاء على السلطة وما يتبعها من ثروة وجاه ومميزات..إذا ظللنا على هذه القناعات الصادقة، وورثنا هذه الحقيقة التي لا تقبل الشك لأبنائنا.. فتأكد أننا قد انتصرنا، وأننا قد كتبنا التاريخ، ولينتجوا ما شاءوا من أفلام ومسلسلات، وليستأجروا من يريدون من مرتزقة لا هم لهم سوى المال.. لقد كان اختيارا خاسرا من السلطة أن تنتج هذا المسلسل، لأنها أكدت لنا أننا ما زلنا على قيد النضال، وأننا ما زلنا ــ رغم فصل الهزيمة ــ على طريق النصر، وأنهم ما زالو رغم صولجان السلطة في رعب من يوم الحساب القريب.
وتباينت أرقام ضحايا المحرقة، بناء على قدرة كل مؤسسة في الوصول إلى شهود العيان وأهالي الضحايا؛ فمن جانبها، أعلنت وزارة الصحة بحكومة الانقلاب بعد يوم واحد من المذبحة عن وقوع 333 قتيلا مدنيا وسبعة ضباط خلال فض الاعتصامات و1492 مصابا وزعوا على 23 مستشفى، بينما أكدت مصلحة الطب الشرعي على لسان متحدثها الرسمي في نوفمبر 2013 حصر 627 قتيلا خلال واقعة فض اعتصام رابعة وحدها. وأعلن تحالف دعم الشرعية أن ضحايا الفض تجاوز الـ2600 قتيل، بينما ذكر القياديان في جماعة الإخوان المسلمين محمد البلتاجي وعصام العريان أن العدد تجاوز الثلاثة آلاف قتيل، فضلا عن آلاف المصابين والمعتقلين، وهو ما قد يضم ضحايا الفض على مستوى الجمهورية في هذا اليوم المشئوم من تاريخ مصر.
ووثق المرصد المصري للحقوق والحريات 1162 حالة قتل. وذكر موقع ويكي ثورة -وهو موقع مختص بتوثيق أعداد ضحايا أحداث الثورة المصرية- أسماء 932 قتيلا من خلال جثامين كاملة التوثيق، و133 قتيلا آخر بمبادرات حصر بلا وثائق رسمية، فضلا عن خمس جثث مفقودة وفقا لشهادات ذويهم، و29 قتيلا مجهول الهوية بحصر أولي لجهات حقوقية به احتمال تكرار، إلى جانب ثمانين جثة في مستشفيات الصحة غير معلومة البيانات بها احتمال تكرار، و81 حالة وفاة أو أشيع وفاتها بلا بيانات كافية. وعلى صعيد المنظمات الدولية، قالت منظمة العفو الدولية إنها وثقت ستمئة حالة قتل، مشيرة إلى أن الجهات الأمنية لم تمكنها من الوصول إلى كل أماكن الاشتباك والاعتداء بشكل ييسر لها الحصر بدقة، بينما أكدت مؤسسة الكرامة الدولية إن عدد القتلى بلغ 985 شخصا.