خلال فترة حكم الدكتور محمد مرسي، رحمه الله، هاجم الإعلام المصري الصكوك الإسلامية بضراوة ولاحقها بترصد، وتعامل معها وكأنها "رجس من عمل الشيطان"، وأنها الخطيئة الكبرى في حق الاقتصاد المصري، وأنها أداة مالية مشبوهة واختراع إخواني لم يعرفه العالم وأسواقه وقطاعه المالي من قبل.

بل ووصفها بأنها أداة جهنمية مدمرة للاقتصاد حيث يتم عبرها رهن أصول الدولة وممتلكاتها، ومنها قناة السويس والأهرامات، لجهات خارجية تسعى للسيطرة على مقدرات وثروات المصريين، وإغراق البلاد كذلك في وحل الديون الضخمة، وإرهاق الموازنة العامة والأجيال المقبلة بأطنان من الديون، وأن الصكوك عودة لحكم الخديوي إسماعيل والاستعمار الاقتصادي والتبعية للخارج.

وقتها لم تترك وسائل الصحف والفضائيات وغيرها من وسائل الإعلام نقيصة وإلا وألصقتها بالصكوك، بل إن الإعلام اتهم نظام الحكم في ذلك الوقت بأنه يسعى إلى أسلمة الاقتصاد، وإلباس الاقتصاد عمامة الإسلام ورداء الأزهر الشريف، وتندر وقتها كتاب كبار ومثقفون وأدباء معروفون أمثال علاء الأسواني على الصكوك حينما أطلقوا عليها "صكوك بلحية إسلامية ونقاب".

في 2012 هاجم الاعلام الصكوك بضراوة، ووصفها بأنها أداة مدمرة للاقتصاد ويتم عبرها رهن أصول الدولة ومنها قناة السويس، وإغراق البلاد في وحل الاقتراض، وإرهاق الموازنة والأجيال المقبلة بالديون، والعودة لحكم الخديوي إسماعيل.

بل إن أحزابا وقوى سياسية ذات مرجعية إسلامية، مثل حزب النور، هاجمت بقوة مشروع الصكوك الذي عرضته حكومة مرسي على المجتمع المدني ثم الجهات التشريعية في ذلك الوقت وتحمست له باعتباره من الأدوات المالية المهمة في العالم التي تساهم في تنويع مصادر التمويل، في بلد يعاني أزمة مالية مثل عجز الموازنة العامة للدولة وتراجع الموارد الدولارية.

كما تلعب الصكوك دورا في جذب الأموال والاستثمارات الخارجية، خاصة الخليجية المستثمرة في البنوك الغربية، وإعادة الأموال والمدخرات المصرية المودعة في بنوك إسلامية خارجية، كما أنها تساعد في سد الفجوة التمويلية للبلاد.

وهي، أي الصكوك، أداة تمويلية أفضل عشرات المرات من ألية القروض الخارجية التي عادة ما يكون الحصول عليها مصحوبا بشروط وإملاءات كما هو الحال حاليا مع قروض صندوق النقد والبنك الدوليين.

كما أن الصكوك، من وجهة نظر حكومة مرسي، كانت بديلا أفضل من قروض صندوق النقد الذي كان وقتها يشترط عليها تطبيق برنامج تقشفي حاد يثير غضب الشارع من أبرز ملامحه تعويم الجنيه المصري وزيادة الأسعار والضرائب والرسوم وتحرير سعر الوقود وإلغاء دعم رغيف الخبز والكهرباء مقابل الحصول على قرض تقل قيمته عن 5 مليارات دولار.

ببساطة شهد العام الذي حكم فيه الدكتور محمد مرسي شيطنة للصكوك الإسلامية عبر التوسع في مهاجمتها والمبالغة في الحديث عن مساوئها ومخاطرها التي كانت موجودة فقط في عقل مروجيها ومطلقي الشائعات والساعين إلى الانقلاب على التجربة الديمقراطية التي شهدتها البلاد بعد ثورة 25 يناير العظيمة.

بل وتم تأليب الرأي العام وقتها على الحكومة عبر التأكيد على أنها أقرت مشروع قانون الصكوك رغم تأكيد مجمع البحوث الإسلامية التابع للأزهر مخالفته للشريعة، وأن إقرار قانون الصكوك هو أحد أبرز ملامح أخونة الدولة، وأن نظام الحكم يسعى لإلغاء البنوك التجارية التقليدية وتعميم تجربة البنوك الإسلامية كما يحدث في باكستان وأفغانستان والسودان.

وفي عام 2015 تم بقرار جمهوري إلغاء العمل بمشروع قانون الصكوك الذي مررته حكومة الدكتور مرسي رغم كل هذا الهجوم الشرس والتشويه المتعمد.

ومنذ ذلك الوقت دخلت الحكومات المصرية المتعاقبة في ماراثون لا يتوقف للاقتراض من الشرق والغرب وبأسعار فائدة عالية وأحيانا بشروط مجحفة.

والنتيجة حدوث قفزة في القروض الخارجية لترتفع إلى 130 مليار دولار بنهاية العام الماضي 2020 مقابل نحو 46 مليار دولار في العام 2014.

كما استدانت الحكومات المتعاقبة مليارات الدولارات عبر طرح سندات في الأسواق الدولية بأسعار فائدة مبالغ فيها تمثل إرهاقا شديدا للمالية العامة وموازنة الدولة خاصة مع زيادة أعباء وحجم الدين العام عاما بعد آخر لدرجة أن تلك الأعباء باتت تقترب من قيمة إيرادات الدولة في عام، وتلتهم الأموال المخصصة لدعم السلع وسداد الأجور وتمويل الاستثمارات العامة ومشروعات البنية التحتية وتدفع الحكومة نحو الحصول على مزيد من القروض.

الآن تحولت صكوك مرسي "الشيطانية"، حسب وصف الاعلام في عامي 2012-2013، إلى ملاك رحيم بأجنحة بيضاء يرفرف على الاقتصاد ويحنو على الموازنة العامة التي تعاني من عجز حاد وجفاف بعض مصادر النقد الأجنبي مثل السياحة، وتعالج الفجوة التمويلية التي تعاني منها البلاد.

وأخيرا وجدت الحكومة الحالية ضالتها في الصكوك التي تحولت إلى أداة مالية "عظيمة" تأخرت الدولة كثيرا في إصدارها رغم مزاياها الضخمة حيث سبقتنا إليها الحكومات الخليجية والأوربية والآسيوية على حد سواء، وكيف أن بلدا مثل بريطانيا وألمانيا وغيرها من دول العالم المتقدمة اقتصاديا تلجأ إلى هذه الآلية في حال جمْع أموال من الأسواق والمستثمرين.

بل إن دولة مثل الإمارات تصنف على أنها الثانية عالميا والأولى خليجيا في إصدار الصكوك في بعض السنوات، وتتبادل المرتبة مع السعودية، كما تعتمد دول مثل الكويت وقطر وماليزيا وإندونيسيا وتركيا على الصكوك في تدبير السيولة الدولارية، هكذا تردد بعض الاعلام في الوقت الحالي.

يترجم اهتمام الحكومة المصرية المفاجئ بالصكوك ما أعلنه وزير المالية محمد معيط، الأسبوع الجاري، من استعداد مصر لدخول سوق التمويل الإسلامي عبر طرح صكوك سيادية لأول مرة، وذلك بعد إقرار البرلمان مشروع قانون الصكوك التي سيتم إصدارها وفقاً لمبادئ الشريعة الإسلامية.

وبعد أن كان الإعلام المصري يهاجم بشدة هذه الآلية المالية في عام حكم مرسي ويقلل من حجمها وتأثيرها في الأسواق العالمية، ينقل هذه الأيام عن وزير المالية قوله إنّ مصر، بصدور قانون الصكوك، تدخل سوق التمويل الإسلامي لأول مرة، والذي يصل حجم إصدارات الصكوك به إلى 2.7 تريليون دولار، أي 2700 مليار دولار.

السؤال هنا: من المسؤول عن ضياع فرصة استفادة مصر من آلية الصكوك الإسلامية طوال السنوات الثمانية الماضية والتي تقول الأرقام إن 80% من حائزيها غير مسلمين، وإنها باتت تلعب الدور الأكبر في تمويل المشروعات الكبرى سواء المتعلقة بالبنية التحتية كالطرق والكباري وشبكات الكهرباء أو المشروعات الإنتاجية كالمصانع.

وإن أوروبا باتت تستحوذ على 20% من أصول صناديق الاستثمار الإسلامية وعلى 13% من الصكوك، وإن العديد من المراكز المالية الأوروبية باتت تتسابق على إصدار هذه الآلية المالية المهمة، وإن بريطانيا تسعى لأن تكون العاصمة الأولى في العالم المصدرة للصكوك، وإن تركيا تقاتل لأن تكون عاصمة التمويل الإسلامي الأولى؟

Facebook Comments