في توقيت واحد، وضمن محاولات نظام عبد الفتاح السيسي إرضاء الرئيس الأمريكي بايدن، لمنع حجب أجزاء من المعونة الأمريكية، جاءت القرارات الخمسة المتلاحقة خلال الأشهر الماضية لتصفية ملف العديد من منظمات المجتمع المدني مع إطلاق أعداد قليلة من المعتقلين.
القرار الخامس من نوعه الذي صدر 29 أغسطس 2021 بإنهاء الدعوى الجنائية في مواجهة أربع جمعيات ومنظمات في قضية التمويل الأجنبي هو قرار سياسي، وجزء من عملية تلميع وجه النظام قبل فعاليات عدة ستتم خلال شهر سبتمبر 2021 في نيويورك وواشنطن الذي يطمع السيسي أن يحضره، لتقديم أوراق اعتماده خادما لمصالح أمريكا كـديكتاتور بايدن الجديد.
هناك ترتيبات تجري للقاء السيسي وبايدن على هامش حضورالسيسي اجتماعات الجمعية العامة للأمم المتحدة سبتمبر 2021، ورغبة النظام في تحسين صورته قبل اللقاء بالاستجابة لمطالب أمريكية في ظل تهديد الكونجرس بحجب 300 مليون دولار من المعونة.
توالي صدور القرارات في الملف الحقوقي ولكن على صعيد محدود، بغلق ملف محاكمة بعض المنظمات هو استباق لصدور قرار وزير الخارجية الأميركي أنتوني بلينكن بصرف 300 مليون دولار تمثل الجزء الخاص من المعونة الأميركية، المرتبط بتحقيق تقدم في التعامل مع منظمات المجتمع المدني وحقوق الإنسان.
برغم سبق إصدار قاضي التحقيقات في قضية التمويل الأجنبي المستشار علي مختار أربعة قرارات سابقة في أربعة مناسبات متتالية أسقط بمقتضاها الملاحقة الجنائية عن 63 منظمة مجتمع مدني و160 عضوا بها، أخرها 20 يونيو 2021.
إلا أن قراره الخامس الأخير تضمن إسقاط الملاحقة الجنائية والمنع من السفر عن 4 حقوقيين من المغضوب عليهم أبرزهم صاحبة شعار ثورة 25 يناير 2011 إسراء عبد الفتاح التي تم الإفراج عنها قبل شهر.
وتضمن القرار رفع أسمائهم من قوائم الممنوعين من السفر وترقب الوصول، وقوائم المنع من التصرف في أموالهم وهم: نجاد البرعي مدير المجموعة المتحدة وعزة سليمان مُؤسِسة محامين من أجل العدالة والسلام ومجدي عبد الحميد رئيس الجمعية المصرية للنهوض بالمشاركة المجتمعية وحسام الدين علي مدير المعهد المصري الديمقراطي وإسراء عبد الفتاح، مديرة المشاريع السابقة بالمعهد.
انفراجة بسبب!
تسريع نظام السيسي من عملية إغلاق ملف قضية التمويل الأجنبي المفتوح من 10 سنوات جاء بالتزامن مع تأكيد نواب في الكونجرس أن الإدارة الأمريكية ستقوم بالبت في مسألة احتجاز واشنطن 300 مليون دولار من أموال المساعدات الأمريكية لمصر لحين تحسين ملف حقوق الإنسان ووقف الانتهاكات ضد المجتمع المدني أوائل سبتمبر 2021.
كما جاء بالتزامن مع اقتراب شهر سبتمبر وعقد الدورة العادية للأمم المتحدة التي يحرص السيسي علي حضورها وسعيه للقاء الرئيس الأمريكي.
شهر سبتمبر سيشهد أيضا عقد مجلس حقوق الإنسان التابع للأمم المتحدة الدورة الثامنة والأربعين من 13 سبتمبر 2021 إلى 1 أكتوبر 2021 والتي تشهد انتقادات حادة لمصر، ويُعتقد أن القاهرة تسعى لغلق ملف المنظمات الحقوقية قبله.
كما قد يشهد الشهر ذاته إطلاق ما سُمِي "إستراتيجية حقوق الإنسان" التي كان من المقرر أن يعلنها السيسي في يونيو ولم يحدث ثم مؤتمر حياة كريمة وهو ما لم يحدث أيضا وتشير مصادر مصرية لإطلاقها قبل سفر السيسي لأمريكا لتحسين ملف مصر شكليا أمام الكونجرس.
محمد مرعي مدير المرصد المصري، التابع للمركز المصري للفكر والدراسات الإستراتيجي التابع للمخابرات أكد أن "سبتمبر 2021 سيشهد إطلاق هذه الإستراتيجية الوطنية لحقوق الإنسان".
https://twitter.com/mar3e/status/1432370665202520067
زيارة عباس لجس النبض
ملف حقوق الإنسان كان ملفا هاما في المباحثات التي أجراها مدير المخابرات العامة المصرية، عباس كامل في واشنطن خلال زيارة قصيرة التقى خلالها مسؤولين في مجلس الأمن القومي ومُشرّعين أمريكيين يونيو الماضي.
وربما تكون زيارة عباس تمهيدا وجس نبض لإمكانية استقبال الرئيس الأمريكي للسيسي على هامش مؤتمر الأمم المتحدة، خصوصا في ظل تسويق مصر نفسها كوسيط تلعب دورا في غزة للتهدئة مع إسرائيل.
تسريع القاهرة من عملية إغلاق ملف قضية التمويل الأجنبي المفتوح من 10 سنوات جاء بالتزامن أيضا مع تأكيد نواب في الكونجرس أن الادارة الأمريكية ستقوم بالبت قريبا في مسألة احتجاز واشنطن 300 مليون دولار من أموال المساعدات الأمريكية لمصر لحين تحسين ملف حقوق الإنسان ووقف الانتهاكات ضد المجتمع المدني.
وكان السناتور الأمريكي كريس مورفي قد وجه نقدا لاذعا لانتهاكات حقوق الإنسان التي ترتكبها الحكومة المصرية يوم 30 يوليو 2021 وحث إدارة بايدن على عدم التنازل عن قرار الكونجرس بتعليق جزء بسيط من المساعدات العسكرية السنوية للقاهرة.
https://twitter.com/ChrisMurphyCT/status/1421200673543176197
وانتقد في جلسة لمجلس الشيوخ الإعدامات الكثيرة في مصر التي جعلتها في المرتبة الثالثة بعد الصين وإيران وقال إنه "يجب إلزام الدول التي تحصل على معونة أمريكية بالالتزام بقيم حقوق الإنسان".
وتقدم الولايات المتحدة 1.3 مليار دولار من المساعدات العسكرية لمصر سنويا، وفي عام 2017، منع الكونجرس الإفراج عن 300 مليون دولار من تلك المساعدات "ما لم تقلص القاهرة انتهاكاتها لحقوق الإنسان وتطلق سراح السجناء السياسيين".
وتقدر منظمات حقوقية مثل هيومن رايتس ووتش أن حوالي 60 ألف شخص يقبعون في السجون المصرية بتهم سياسية، وقال مورفي "من غير المقبول أن نقدم مليار دولار كمساعدة لمصر بينما هم يحتجزون حتى أمريكيين في سجون مصر بتهم سياسية".
بعد شهر واحد من فوز بايدن برئاسة أمريكا في 6 نوفمبر 2020، قام القاضي المصري المكلف بالتحقيق في قضية التمويل الأجنبي للمنظمات الأهلية، بتبرئة عشرات المنظمات من الملاحقة القانونية.
وفي أربعة مناسبات متوالية أسقط القاضي "علي مختار" الملاحقة الجنائية عن 63 منظمة مجتمع مدني و160 عضوا بها، أخرها حفظ التحقيقات مع 5 جمعيات أهلية في اتهامها بتلقي تمويلات أجنبية غير مشروعة يوم 20 يونية 2021، كما صدر أول قرار بإلغاء منع سفر أحدهم.
وأخر من حقق معهم قاضي التحقيقات في قضية التمويل الأجنبي 29 يوليو هو حسام بهجت مدير المبادرة المصرية للحقوق الشخصية الذي التقاه وزير الخارجية الأمريكي 20 أبريل 2021 لبحث أزمة حقوق الإنسان، وقبل أن يتصل الرئيس الأمريكي بالسيسي لحاجته له في أزمة غزة، والذي أصدرت الخارجية الأمريكية بيانا تندد بالتحقيق معه في قضية أخرى.
مفارقات القضية
وتعود وقائع قضية منظمات المجتمع المدني، إلى ديسمبر 2011، حينما اقتحمت قوات الأمن مقرات عدد من منظمات المجتمع المدني الأجنبية وشُكّلت لجنة للتحقيق في قضية منظمات المجتمع المدني.
حينئذ انقسمت التحقيقات إلى شقين، أولهما تم تخصيصه للمنظمات الأجنبية العاملة في مصر، وهو الذي صدر حكم بصدده، أما الشق الثاني فيخص المنظمات المحلية ولا يزال قيد التحقيق حتى الآن.
وفي 4 يونيو 2013، أصدرت محكمة الجنايات أحكاما بالسجن في هذه القضية تتراوح بين عامين وخمس سنوات لـ 32 متهما في القضية، وسنة مع إيقاف التنفيذ لـ 11 آخرين.
وقررت حل فروع المنظمات الأجنبية المتهمة في القضية وهي: المعهد الجمهوري الأمريكي والمعهد الديمقراطي الأمريكي ومنظمة فريدوم هاوس ومنظمة المركز الدولي الأمريكي للصحفيين ومنظمة كونراد الألمانية وإغلاق جميع فروعها.
وفي مارس 2012 جرى تسديد كفالة الـ 19 أمريكي بواقع 2 مليون جنيه لكل متهم بإجمالي 38 مليون جنيه، والسماح بسفرهم على طائرة خاصة رغم أنهم متهمون.
ليظل المتهمون هم المصريون فقط مثل مسئولي مركز النديم لضحايا التعذيب، والشبكة العربية لمعلومات حقوق الإنسان وغيرهم.
لاحقا تنحت المحكمة وجرى تشكيل أخرى وتأجيلها إلى أبريل 2012، ثم أُعيد فتحها يونية 2013، بالحكم على الـ 43 موظفا أجنبيا ومصريا (27 غيابيا بينهم 18 أمريكيا) بالسجن ما بين عام و5 أعوام، مع إيقاف التنفيذ أو غيابيا، وإغلاق مقار المنظمات الأجنبية الخمسة.
ونقضت محكمة النقض هذا الحكم عام 2013 وفي مارس 2016 أُعيد فتح التحقيق في القضية بعد غلقها 3 سنوات، وقصره على أشخاص ومنظمات مصرية، وصدر قرار قضائي بمصادرة أموال أربعة من الحقوقيين.
انتقادات لمصر
ثم توالت قرارات المصادرة والمنع من السفر لقرابة 30 حقوقيا ممنوعين أيضا من التصرف في أموالهم.
يوم 13 ديسمبر 2018، أصدر البرلمان الأوروبي قرارا ينتقد مصر بعنف، بسبب المحاكمات الجماعية للمعتقلين وأحكام الإعدام وأدان استهداف النشطاء ومنظمات المجتمع المدني.
لم يمضِ سوى أسبوع واحد على قرار البرلمان الأوروبي الذي طالب السلطات المصرية "بإسقاط جميع التحقيقات الجنائية التي لا أساس لها في عمل المنظمات غير الحكومية" حتى برأت محكمة مصرية كل المتهمين في الشق الأجنبي من قضية التمويل الأجنبي المرفوعة منذ عام 2011.
حيث قضت محكمة جنايات القاهرة في 20 ديسمبر 2018 بتبرئة المتهمين الـ 43 (حتى من لم يُقبل نقضه) ما يؤكد أن الحكم بإدانتهم في البداية كان سياسيا.
وجاء الحكم بالبراءة رغم أن تحقيقات النيابة كانت قد اتهمت 43 متهما منهم 14 مصريا و29 أمريكيا وأوروبيا وعربيا، بأنهم تلقوا معونات أجنبية بلغت قيمتها 60 مليون دولار، من خلال 68 منظمة حقوقية وجمعية أهلية تعمل في مصر بدون ترخيص.
لكن ظل الشق المصري من المنظمات المتهمة بالتمويل الأجنبي معلقا 10 سنوات حتى بدأت التحقيقات الأخيرة لغلق هذا الملف لتقديم قرابين إلى إدارة بايدن، كي ترضى عن السيسي ونظامه وفقا لنظام المصالح الأمريكية.