انتهت انتخابات التجديد النصفي في مجلس النقابة العامة للأطباء بالقاهرة ومجالس النقابات الفرعية في المحافظات المختلفة، والتي أجريت الجمعة 08 أكتوبر، وذلك بمشاركة 11 ألفًا و863 طبيبًا، يمثلون نحو 6.4% من أعضاء الجمعية العمومية للنقابة، بحسب ما أعلنته نجوى الشافعي، وكيلة النقابة ورئيسة اللجنة العليا للانتخابات.
وتنافس 294 مرشحًا في الانتخابات على 126 مقعدًا بكل المحافظات، منهم 49 مرشحًا على مقاعد النقابة العامة يتنافسون على 12 مقعدًا بالنقابة العامة. وشهدت العملية الانتخابية منافسة باردة بين قائمتي المستقبل والمحسوبة على الدكتور أسامة عبدالحي الأمين العام الحالي للنقابة، والأمل والمحسوبة على الدكتور إبراهيم الزيات عضو مجلس النقابة والتي تلقى تأييدًا ودعمًا من النقيب العام للأطباء الدكتور حسين خيري، والدكتورة شيرين غالب نقيب أطباء القاهرة، وسط منافسة مع عدد من المستقلين الذين يشكلون قائمة تحمل اسم التغيير. بينما أعلن تيار "الاستقلال" مقاطعة الانتخابات نتيجة تراكم الأزمات المهنية التي لم تجد حلا في ظل صدامات متكررة بين مجلس النقابة السابق الذي سيطر عليه “تيار الاستقلال” وبين الحكومة بعد أن عارضت النقابة إجراءات وزارة الصحة للتعامل مع كورونا، لخلق قناعة بأن الاستمرار على خط الصدام لن يأتي بنتائج إيجابية عقب وفاة 600 طبيب جراء الإصابة بالفيروس.
وحصلت «قائمة المستقبل» غير المحسوبة على أي تيار سياسي على عشرة من أصل 12 مقعدًا في مجلس النقابة العامة، بواقع ستة مقاعد؛ ثلاثة فوق السن وثلاثة تحت السن، وأربعة مقاعد من ستة مخصصة لممثلي القطاعات في المجلس. وحصدت القائمة ذاتها على غالبية المقاعد الفرعية في المحافظات. وتذيلت القاهرة نسبة حضور أعضائها بنسبة لم تتجاوز 1 في المئة فيما حظيت محافظة الفيوم، في جنوب غرب القاهرة، بأعلى نسبة بلغت 26 في المئة.
ضآلة المشاركة
ورغم ضآلة الحضور والمشاركة والتي تعكس عدم اكتراث الأطباء بهذه الانتخابات إلا أن هذه النسبة في المشاركة تفوق انتخابات التجديد النصفي التي جرت في 2017م بحسب أمين عام النقابة، أسامة عبد الحي. ويعزو أحمد حسين، وهو أحد الفائزين في الانتخابات، أسباب انخفاض نسبة التصويت إلى وجود مركز واحد للتصويت في كل محافظة. بينما يعزو آخرون سبب ذلك إلى تفشي جائحة كورونا. وإن كان سببا غير مقنع لأن نسبة التصويت في 2017 كانت أقل من ذلك مع عدم وجود كورونا. وأشار عضو مجلس نقابة الأطباء سابقًا خالد سمير، إلى أن قلة أعداد المشاركين تعود لوجود أكثر من نصف أعداد الأطباء المقيدين بجداول النقابة خارج البلاد في ظل توالي عمليات الهجرة إلى الخارج، وعدم قيام النقابة ببذل جهد على مستوى تعريف الأعضاء بالانتخابات وتوقيتاتها.
معنى ذلك أن هناك شعور عاما يسود بين الأطباء في مرحلة ما بعد انقلاب 3 يوليو 2013م، أن النقابة لم تعد بذات القدر من الهيبة والوقار والاحترام وحتى الدور الذي كانت تؤديه لأعضائها وللمجتمع خلال العقود الماضية في فترات الثمانينات والتسعينات. فرغم أن الحكومة أصدرت القانون رقم 100 لسنة 1993 والذي فرض مشاركة 50% من نسبة الأعضاء بالنقابة فإذا تعذر يتم اعتماد النتيجة بمشاركة 20% من جملة الأعضاء، فإذا تعذر تقوم الحكومة بفرض حراسة قضائية لإدارة النقابة، وهو القانون المعيب الذي سنه نظام مبارك من أجل السيطرة على النقابات المهنية وحرمان التيار الإسلامي من إدارة النقابات لأن مرشحيه كانوا يكتسحون الانتخابات. لكن نقابة الأطباء لم تقع فريسة الحراسة القضائية وكانت انتخاباتها تشهد سخونة كبيرة والمشاركة تتصل إلى نحو 70% رغم تدخلات أجهزة مبارك الأمنية من أجل منع الإسلاميين من الفوز. ورغم ذلك كانوا يكتسحون كل مرة.
ومنذ الانقلاب لم يعد للتيار الإسلامي مشاركة في أي انتخابات في ظل حالة السعار التي تهمين على نظام 3 يوليو العسكري الذي اغتصب الحكم بانقلاب عسكري دموي أطاح بالتجربة الديمقراطية الوليدة والرئيس المنتخب بإرادة الشعب الحرة، وقتل الآلاف واعتقال مئات الآلاف من الأبرياء والنبلاء الذين يحلمون بوطن حر تسوده العدالة والحرية. لكن نظام الدكتاتور عبدالفتاح السيسي أغلق المجال العام وأمم الإعلام وكمم الأفواه حتى باتت مصر سجنا كبيرا، والنظام بأجهزته الأمنية والحكومية هم سجانو هذه المعتقل الكبير الذي يتسع بامتداد الأراضي المصرية كلها.
ويعزو أسامة عبد الحي، أحد مؤسسي تيار المستقبل، الذي هيمنت قائمته على الانتخابات، أسباب فوز القائمة إلى أنها ضمت رموزا هامة، وطرحت برنامجًا واقعيًا وأقرب لحال اﻷطباء، معتبرًا أن حالة الإحباط المستشرية بين اﻷطباء حاليًا، بحسب وصفه، كانت أحد الأسباب لاختيارهم قائمة المستقبل، أملًا في التغيير، وهو ما اتفق معه أحمد حسين، الذي ترشح على القائمة نفسها، مضيفًا أنها أتت متنوعة، وأنها تعتبر أن النقابة يجب أن تمثل جميع الأطباء، وليس فقط العاملين منهم بالحكومة. .
ويطرح برنامج القائمة، بحسب موقع "مدى مصر" أولويات مثل: سرعة إقرار قانون المسؤولية الطبية، لحماية المهنة، وتعديل قانون نقابة الأطباء ولائحته، وتطوير مشاريع العلاج والتأمين الصحي للأطباء، ودعم مشروع مجلس النواب لضم الأطباء لصندوق شهداء الجيش والشرطة، والتوسع في اللجان النقابية التي تدعم الأطباء وأسرهم، والتوسع في تدريب الأطباء.
وفي حين ينتظر أن تتحدد هيئة مكتب مجلس النقابة في أول اجتماع اجرائي، المقرر عقده الجمعة المقبل، بحسب عبدالحي، اعتبر حسين أن النقابة بشكل عام لا تمتلك آليات كثيرة للتغيير، وأن مفاتيح النقابة في يد السلطة التنفيذية، وبالتالي يبقى الفارق بين مجلس وآخر هو الضغط على السلطة التنفيذية للحصول على حقوق الأطباء، آملًا أن ينجح المجلس الجديد في استعادة وتوسيع المشاركة بين الأطباء.
الشعب لا يثق في أي انتخابات
وأوضح الخبير بمركز الأهرام للدراسات الإستراتيجية عمرو هاشم ربيع أن إصرار الحكومة على غلق الفضاء العام وعدم تقديم ما يثبت جديتها نحو إتاحة حرية العمل السياسي جعل هناك شكوكا في أي انتخابات تُعقد، سواء أكانت تشريعية أو حتى على مستوى النقابات التي كانت تصل معدلات التصويت فيها إلى 70 في المئة. وأضاف في تصريحات صحفية أن غياب تيار الإسلام السياسي الذي ظل مهيمناً على غالبية النقابات منذ تسعينات القرن الماضي وحتى عام 2014 وتضييق الخناق على التيارات المحسوبة على المعارضة أفضى لغياب المنافسة، كما أن العديد من المرشحين يخشون إبراز هويتهم ما غيّب ممارسات الحشد التي كانت مهيمنة على انتخابات النقابات سابقا.
وأكد الخبير بمركز الأهرام بحسب صحيفة "العرب" أن عدم المشاركة في انتخابات النقابات يعطي إشارات سلبية لحالة المجتمع المدني الذي تتجه الحكومة نحو الانفتاح على مكوناته على نحو أكبر وفقًا للاستراتيجية الوطنية لحقوق الإنسان.
ويشير متابعون إلى أن سيطرة الشق الخدمي جعل التيارات السياسية غير مهتمة بالترشح أو المشاركة بالتصويت في الانتخابات، وأدركت أن النقابات لن تكون منبراً لممارسة السياسة واختارت الكمون كي لا تحرق نفسها ويتم تصنيفها على اتجاه معين.
وتبنت قائمة “المستقبل” إقرار قانون المسؤولية الطبية ومنع حبس الأطباء في القضايا المهنية التي لا تتضمن إهمالا متعمدا بعد أن جرى رفضه مرتين من جانب البرلمان السابق، وهي خطوة لمنع هجرة الأطباء وزيادة إقبالهم على تخصصات تحمل ممارستها مخاطر لصاحبها.