لماذا امتنعت أمريكا عن وصف استيلاء العسكر على السلطة في السودان بأنه “انقلاب” كما فعلت مع مصر 2013؟

- ‎فيتقارير

حين قام عبد الفتاح السيسي وجنرالاته بالانقلاب العسكري علي أول رئيس مصري مدني منتخب 3 يوليو 2013، أظهرت الولايات المتحدة رفضا شكليا للانقلاب وقامت بوقف توريد 10 طائرات هليكوبتر وأعادتها بعد عام واحد، لكنها لم تقم بتصنيف ما فعله السيسي علي أنه انقلاب.

حينها أُثير جدل في مصر والولايات المتحدة حول أسباب رفض أمريكا اعتبار ما فعله السيسي انقلابا، امتد لتآمرها على الرئيس الشهيد مرسي، والصمت على خطفه وإخفائه ثم محاكمته وقتله خلال المحاكمة.

بينما سارعت للضغط على عسكر السودان لإطلاق رئيس الوزراء المخطوف حمدوك، فأعادوه بعد 24 ساعة لمنزله واتصل به وزير خارجية أمريكا والتقى به سفراء أوروبا كلهم.

حينئذ حضر نائب الكونجرس الأمريكي جون ماكين للضغط علي السيسي، وحين سأله الصحفيون لماذا ترفض أمريكا وصف ما جرى بأنه انقلاب؟ سخر من حكومته الأمريكية ومن الصحفيين المصريين الذين سألوه قائلا إن "البطة حين تمشي مثل البط وتكاكي مثل البط، فهي توصف بأنها بطة وكذلك الانقلاب فهو انقلاب".

ووقتها وصف اللواء أركان حرب نصر موسى نائب قائد القوات الجوية الأسبق، خطوة الإدارة الأمريكية، بإعادة توريد 10 طائرات أباتشي لمصر، بأنه اعتراف بأن ما حدث في مصر ليس انقلابا واعترافا منها بشرعية السيسي.

الآن تكرر الأمر ذاته في السودان عقب انقلاب عبد الفتاح البرهان الذي أكدت صحيفة لوموند الفرنسية وصحف غربية أن السيسي ومحمد بن زايد يقفون خلفه، وأبدت أمريكا غضبها، لكنها رفضت أيضا وصف ما جرى على أنه انقلاب في إشارة لأنها ستتبع نفس الموقف مع انقلاب السيسي وتمرر انقلاب السودان رغم أنه ضد قوى يسارية لا إسلاميين مثل الحالة المصرية.

فلماذا امتنعت أمريكا عن استخدام كلمة "انقلاب" لوصف أحداث السودان كما فعلت مع مصر 2013؟.

منذ إعلانه السيطرة على السلطة في البلاد من خلال حلّ المؤسسات الانتقالية وإعلان حالة الطوارئ، تتجنب الولايات المتحدة إطلاق مصطلح "الانقلاب" Coup على ما فعله البرهان وتسميه "استيلاء عسكريا" Military takeoverعلى السلطة.

بيان الخارجية الأمريكية حول اتصال وزير الخارجية أنتوني بلينكن، ونظيره السعودي، فيصل بن فرحان آل سعود، لإدانتهما ما يجري في السودان استعمل مصطلح "استيلاء عسكري" Military takeover.

ووزير الخارجية بلينكن كتب أيضا على حسابه الرسمي يصف ما جرى بأنه "استيلاء عسكري" Military takeover.

https://twitter.com/SecBlinken/status/1453170188149563398

المتحدث باسم الخارجية الأمريكية، نيد برايس، اضطر لتبرير ذلك ردا على استفسارات الصحفيين بزعم أن "السودان يخضع لمحددات الانقلاب العسكري (Military coup restriction) منذ انقلاب 1989 من قبل نظام البشير".

زعم "لم تُزلْ الخرطوم من هذا الوصف أساسا حتى بعد ثورة ديسمبر 2018 التي أطاحت البشير، مع أنه أكد عندما تنشأ مثل هذه الأحداث، نقوم بالفعل بتحديد وصف الانقلاب".

أضاف برايس أن "الإدارة الأميركية تعتبر أن ما يحصل هو استيلاء عسكري على السلطة، مشيرا إلى أن الانقلاب هو وصف قانوني تستخدمه وزارة الخارجية الأميركية".

"ونحن لا نقوم حاليا باستخدام هذا المصطلح في هذه الحالة، لأننا ندرك أننا نعمل تحت كنف تصنيف الانقلاب الذي يعود لعام 1989".

وأوضح برايس أن "محددات الانقلاب التي تعود لعام 1989 ستظل كما هي عليه حتى يقر وزير الخارجية الأميركي أن حكومة منتخبة ديمقراطيا تولت السلطة".

وبحسب تقرير للكونجرس الأمريكي في 21 إبريل 2021 فإن "السودان واحد من البلاد التي تقبع تحت المادة 7008 من قانون المخصصات المالية لوزارة الخارجية والعمليات الخارجية والبرامج الأخرى، بسبب وصف الحكم فيها بـالانقلاب العسكري".

ويلزم هذا الحكم قانونا الولايات المتحدة، بالتوقف عن تقديم المساعدات لحكومة أي بلد قد تمت إطاحة رئيسها بانقلاب عسكري أو بموجب مرسوم بعدما كان قد تم انتخابه حسب الأصول.

لكن ما جرى هو أن الولايات المتحدة الأمريكية قررت مساعدات مالية للسودان 700 مليون دولار، خصوصا عقب تطبيعه مع إسرائيل، ما يعني اعترافها أن حكم "حمدوك-البرهان" ليس انقلابا عسكريا، قبل أن تجمدها بعد انقلاب البرهان الذي ترفض وصفه انقلابا.

 

تواطؤ مع السيسي

ما يحدث في السودان حاليا هو تواطؤ مع البرهان، كما فعلت أمريكا مع السيسي من حيث رفض وصف ما جرى بأنه انقلاب ومن ثم التعامل مع الانقلابيين.

لكن الفارق أنها تضغط على البرهان لإطلاق سراح المعتقلين، وتُبقي على الاتصالات معه كي لا تفقد السودان منطقة انطلاق إستراتيجية لها هي وإسرائيل أفريقيا.

لكن حين قام السيسي باختطاف الرئيس الشهيد محمد مرسي ووضعه في قاعدة بحرية عسكرية في إسكندرية، لم تتحرك أمريكا ولا أوروبا وصمتوا وتعاملوا مع السيسي ولا يزالون، بسبب تعهده لهم بضمان مصالحهم في التطبيع مع الصهاينة ومرور سفنهم في قناة السويس بِحرية.

حينما جرت إزاحة الرئيس المدني المنتخب في مصر محمد مرسي 2013 جاء أول إعلان عن أن أمريكا لا تعتبر ما حدث في مصر انقلابا من المتحدث باسم وزارة الدفاع الأمريكية جورج ليتل.

قال حينئذ إن "قادة البنتاجون لا يرون أن التطورات الأخيرة في مصر انقلابا عسكريا، مبررا هذا بأن الولايات المتحدة متمسكة بعلاقات جيدة ومتينة مع القوات المسلحة المصرية، لذا أفرجت عن أربعة طائرات إف -16 تأجلت عقب انقلاب السيسي".

وعلى نفس المنوال عزفت الخارجية الأمريكية، وقالت المتحدثة باسم الخارجية الأمريكية جنيفر ساكي إن "الرئيس محمد مرسي لم يعد في منصبه رئيسا لمصر".  أي لم تعد تعترف به رئيسا وتوافق على اختطافه واحتجازه من قبل قادة الانقلاب، بل وزادت بالقول إن "ما كان في مصر ليس حكما ديمقراطيا".

 

سر التأييد الأمريكي للانقلاب

كثيرون في مصر ربطوا بين التحول الكامل في الموقف الأمريكي والغربي عموما من الانقلاب العسكري في مصر على الرئيس المنتخب محمد مرسي، وبين موقف أمريكا القلق من فوز الإسلاميين في الانتخابات.

فمبدأ الأمريكان هو البراجماتية (النفعية) التي تبحث عن المصالح بأكثر مما تنتصر للمبادئ أو الديمقراطية أو حقوق الإنسان، كما أن كافة المؤشرات وردود أفعالهم على فوز الإسلاميين في خمسة انتخابات واستفتاءات مصرية عقب ثوة 25 يناير وفوز أول رئيس إسلامي مصري كانت تشير لتآمرهم مع رموز الدولة العميقة والمعارضة الليبرالية لإفشاله وإسقاطه.

وصل الأمر إلى التنسيق الأمريكي الصهيوني لإسقاط الرئيس الإسلامي وإرسال نتنياهو مسئولي الأمن القومي الصهيوني لأمريكا لهذا الغرض، عندما كلف رئيس مجلس الأمن القومي، بالتنسيق مع السيناتور الجمهوري راند دول، لشن حملة لنزع الشرعية الدولية عن مرسي، وعمل السفير الإسرائيلي فى واشنطن «م. أورن» على مدار الساعة لدفع تشريعات في الكونجرس لمعاقبة مرسي ونزع الشرعية عنه، بحسب صحف تل أبيب نفسها حينئذ.

صحيفة واشنطن بوست كشفت يوم 11 يولية 2013 العلاقة الخاصة بين وزير الدفاع السيسي ووزير الدفاع الأمريكي تشاك هاجل باعتبار أن السيسي تلقى علومه العسكرية في أمريكا وارتبط بصداقات مع كبار المسئولين الأمريكيين العسكريين هناك.

صحيفتا (واشنطن بوست) و(وول ستريت جورنال) أشارتا إلى أن أحد الأسباب التي جعلت الولايات المتحدة لا تسمي ما حدث في مصر انقلابا – بخلاف مصالحها ومصالح إسرائيل -هو العلاقة الشخصية والودية التي تربط وزير الدفاع المصري السيسي ووزير الدفاع الأمريكي.

هذه العلاقة ساهمت أيضا في تبديل الموقف الأمريكي الرسمي من أي انقلاب عسكري وتعليق الكونجرس أتوماتيكيا بموجب هذا للمساعدات العسكرية السنوية لمصر ، لأن هناك رغبة أمريكية في الحفاظ على نفوذها مع قادة الجيش المصري، أحد المؤسسات الأكثر نفوذا في واحدة من أهم الدول في منطقة الشرق الأوسط ولو بالتضحية بالديمقراطية ونتائج الانتخابات المصرية والتنكر لمبادئ الديمقراطية التي تتشدق بها .

كانوا مستعدين للتضحية بالرئيس المنتخب مرسي لا الانقلابي العسكري السيسي، لأن استبعاد السيسي سيكون من شأنه أن يترك الولايات المتحدة من دون قناة تواصل قابلة للحياة مع واحدة من أهم حلفائها في الشرق الأوسط، بحسب قول صحيفة وول ستريت جورنال، وهذا يفسر سر التقلب في الموقف الأمريكي من الانقلاب ثم إعلان أنه ليس انقلابا.

وجاء أول إعلان عن أن أمريكا لا تعتبر ما حدث في مصر انقلابا من المتحدث باسم وزارة الدفاع الأمريكية جورج ليتل الذي قال إن "قادة البنتاجون لا يرون أن التطورات الأخيرة في مصر انقلابا عسكريا، مبررا هذا بأن الولايات المتحدة متمسكة بعلاقات جيدة ومتينة مع القوات المسلحة المصرية".

أما التباين الذي ظهر في المواقف الأمريكية بين معارض للانقلاب ومؤيد له فلم يكن سوى تعبير عن المخاوف من نتائج هذا الانقلاب علي مصالح أمريكا.

بيت القصيد في الموقف الأمريكي من الانقلاب أنهم يتشدقون بالديمقراطية لو جاءت بمن يخدم مصالحهم فقط ، أما لو جاءت بإسلاميين أو وطنيين، لا يرهنون إرادة بلادهم للمعونة الأمريكية فلتذهب الديمقراطية إلى الجحيم.