شهدت العاصمة الإيرانية طهران، السبت، مراسم تشييع شعبية للمرشد الإيراني الراحل علي خامنئي، عقب مراسم تشييع رسمية أُقيمت الجمعة، وذلك في أعقاب توقيع مذكرة تفاهم بين الولايات المتحدة وإيران تمهيدا للوصول إلى اتفاق شامل يُنهي الحرب التي بدأتها واشنطن وتل أبيب ضد طهران في فبراير الماضي.
وعرفت الجمهورية الإسلامية في إيران العديد من الجنازات الحاشدة منذ تأسيسها عام 1979، وارتبطت بالمحطات المفصلية للنظام، وتحولت إلى أداة أساسية لإظهار الشرعية الشعبية والتعبئة الأيديولوجية، وتميزت بكثافتها العددية الهائلة التي تجاوزت أحيانا الطاقة الاستيعابية للمدن.
أولا: جنازة مؤسس الثورة الإيرانية الخميني عام 1989
تُصنف هذه الجنازة كأضخم جنازة في تاريخ إيران الحديث، ودخلت موسوعة غينيس للأرقام القياسية كأكبر تجمع بشري في يوم واحد مقارنة بعدد السكان وقتها.
ووفق تقارير تاريخية، بلغت حشود المشاركين في الجنازة نحو 10.2 مليون شخص، أي ما يعادل قرابة سدس سكان إيران في ذلك الوقت، وشهدت الجنازة حالة عارمة وهستيرية من البكاء والتدافع، ومن شدة التزاحم تمزق كفن الجثمان وسقط أرضا، ما اضطر الحرس لنقله عبر مروحية عسكرية، وسُجلت وفاة 11 شخصا وإصابة الآلاف بسبب الاختناق والدهس وسط الأمواج البشرية.
ثانيا: جنازة ضحايا تفجير حزب "جمهوري إسلامي" عام 1981
بعد عامين فقط من قيام الثورة، استهدف تفجير ضخم مقر حزب "جمهوري إسلامي" وأسفر عن مقتل رئيس السلطة القضائية آية الله محمد بهشتي وبرفقته أكثر من 70 مسؤولا حكوميا ونوابا في البرلمان.
ونزل ملايين الإيرانيين إلى شوارع طهران في مسيرات غاضبة، وصُنفت الجنازة كأول استعراض قوي شعبي ضخم للنظام الناشئ في مواجهة معارضيه، وامتزج الحزن بالهتافات السياسية الحادة ضد منظمة "مجاهدي خلق" التي اتُهمت بالوقوف وراء الهجوم. وتشير التقديرات التاريخية إلى مشاركة أكثر من مليون مشيّع.
ثالثا: جنازة رئيس الوزراء محمد جواد باهنر والرئيس محمد علي رجائي عام 1981
بعد شهرين فقط من تفجير الحزب، اغتيل رئيس الجمهورية "رجائي" ورئيس وزرائه "باهنر" في تفجير آخر، استهدف مكتب رئيس الوزراء.
وامتدت الطوابير البشرية لعدة كيلومترات في شوارع العاصمة، بمشاركة مئات الآلاف إلى الملايين، وعمّ الغضب والذهول الشارع الإيراني بسبب خسارة رأس الهرم السياسي في الدولة خلال فترة وجيزة، وتحول التشييع إلى مسيرة تعبئة وطنية تزامنا مع بدايات الحرب الإيرانية- العراقية.
رابعا: جنازة تشييع 175 من الغواصين عام 2015
تجاوزت الجنازة الانقسامات السياسية آنذاك، واحتشد مئات الآلاف في ساحة بهارستان بالعاصمة طهران، لتشييع رفات 175 غواصا إيرانيا أُسروا وقتلوا مكبلي الأيدي خلال "عمليات كربلاء4" في الحرب الإيرانية- العراقية عام 1986.
وتميزت الجنازة بفيض من المشاعر الإنسانية والوطنية الجارفة، وحضرها الإيرانيون من مختلف التوجهات السياسية والاجتماعية تكريما لتضحية هؤلاء الجنود.
خامسا: جنازة أكبر هاشمي رفسنجاني عام 2017
شهدت جنازة الرئيس الإيراني الأسبق ورئيس مجمع تشخيص مصلحة النظام، أكبر هاشمي رفسنجاني عام 2017، حضورا جماهيريا وسياسيا ضخما، واعتُبرت حينها واحدة من أكبر التجمعات الشعبية في العاصمة طهران منذ رحيل مؤسس الجمهورية الإسلامية آية الله الخميني عام 1989.
ووفق التقديرات الرسمية والشعبية، غصّت الشوارع المحيطة بجامعة طهران وميدان الثورة بحشود هائلة قُدرت بنحو 2.5 مليون مشيّع، وتميزت الجنازة بحضور لافت ومزيج من مختلف أطياف المجتمع الإيراني.
وشارك في الجنازة أنصار التيار المحافظ، إلى جانب كثافة واضحة لأنصار التيار الإصلاحي الذين كانوا يرون في رفسنجاني مظلة حامية وضامنا لمشاركتهم السياسية في سنواته الأخيرة.
سادسا: جنازة قاسم سليماني عام 2020
جابت جنازة قائد فيلق القدس قاسم سليماني 5 مدن إيرانية رئيسية، وقدرت الحشود الإجمالية بالملاييين، وكانت الأضخم منذ رحيل الخميني.
وأفرز الاكتظاظ الشديد ومحدودية المساحة في مسقط رأسه بمدينة كرمان مأساة إنسانية، ولقي أكثر من 50 شخصا حتفهم دهسا تحت الأقدام، ما تسبب في تأجيل الدفن مؤقتا.
سابعا: جنازة الرئيس إبراهيم رئيسي عام 2024
شاركت حشود كبيرة في جنازة الرئيس الإيراني الراحل إبراهيم رئيسي عبر مسارات متعددة شملت مدن تبريز وقم وطهران ومشهد، واستمت بالطابع الرسمي المنظم والحداد العام، بمشاركة وفود دبلوماسية رفعية المستوى لتعزية النظام في فقدان رئيس الدولة ووزير خارجيته.
تحدثت وسائل إعلام إيرانية رسمية عن مشاركة الملايين في الجنازة، ووفقا لبعض التقديرات المقربة من المسؤولين الإيرانيين، فإن الأعداد في العاصمة طهران وحدها بلغت قرابة 1.5 مليون شخص.
ثامنا: المرشد الإيراني علي خامنئي عام 2026
بدأت مراسم التشييع رسميا بعد تأجيل دفنه لعدة أشهر إثر اغتياله جراء غارة جوية في شباط/ فبراير 2026، وتوزعت المراسم إلى 6 أيام وينتقل فيها إلى عدة مدن إيرانية وعراقية (طهران، قم، النجف، كربلاء، مشهد).
وأعلنت اللجنة الإيرانية للجنازة أنها وضعت خططها اللوجستية وتوقعاتها على أساس استيعاب حشود بشرية ضخمة تتراوح ما بين 15 إلى 20 مليون مشيع في العاصمة طهران وحدها، مع توقعات إجمالية للمنظمين بأن يتجاوز عدد المشاركين عبر المدن المختلفة 30 مليون شخص كعرض للقوة الشعبية.
غلب على مراسم التشييع حتى الآن الطابع العسكري وإجراءات الطوارئ الأمنية المشددة جدا، لتفادي كوارث التدافع الشعبية الكلاسيكية، وصيغت كأكبر حدث سياسي تشهده البلاد منذ عقود لإنهاء حقبته الطويلة في الحكم.
ويمكن القول إن الجنازات الرسمية في إيران تستخدم كأداة استراتيجية لإرسال رسائل سياسية للخارج واستعراض العمق الشعبي، لذا يتم تنظيمها عى مدار أيام ويجري نقل الجثامين بين المدن الدينية الكبرى، مثل قم ومشهد والعاصمة طهران، لضمان أعلى معدلات مشاركة ممكنة.