تخلي عن المبادئ التاريخية .. “الاشتراكيون الثوريون” يتبنون نقدا لمساندة “اليسار” انقلاب 2013

- ‎فيتقارير

تبنت حركة "الاشتراكيون الثوريون" نقدا لمساندة "اليسار" انقلاب 2013، وهو ليس جديدا عليهم، وطرحت المنصات الإعلامية لتيار الاشتراكيين الثوريين قراءة مغايرة للمشهد السياسي المصري الممتد عبر العقود السبعة الماضية، وذلك من خلال مقال تحليلي معمق للكاتب فارس حكيم تحت عنوان "حين صفّق اليسار للجلاد: لماذا أيّد اليسار المصري انقلاب يوليو 2013؟".

وقالت: إن "عام 2013 كان اللحظة التي أغلقت فيها كل الدوائر الفكرية التي رسمها مسار اليسار التقليدي على مدى سبعين عاماً، حيث قاده المنطق الذي يضع الدولة فوق الطبقة إلى دعم التدخل العسكري والموافقة على التدابير الأمنية العنيفة ضد اعتصامات الإخوان المسلمين باعتبارها ضرورة موضوعية لحماية كينونة الدولة".

وأفرد للمقال محوراً كاملاً لـ "الإسلام السياسي" (الذي يمثل الإخوان المسلمين جوهره في هذا السياق) في الفقرتين الرابعة والخامسة من المقال.

ملء الفراغ الذي تركه اليسار

ويرى المقال أن صعود الإسلام السياسي لم يأتِ من فراغ، بل جاء نتيجة لانهيار العقد الاجتماعي الناصري وفشل اليسار في بناء قاعدة طبية مستقلة.

وملأت الحركة الإسلامية هذا الفراغ في أوساط الطبقات الشعبية والفقيرة وعمال المدن الجدد عبر تقديم شبكات خدمات حقيقية (مستشفيات، جمعيات، مدارس) وتقديم إجابات هوياتية ومقاومة ثقافية في مجتمع يتفكك.

نظرة اليسار الاستعلائية للإخوان والجماهير

وأشار المقال إنه بدلاً من أن يقوم اليسار بنقد ذاتي ليعرف لماذا ذهبت الجماهير للإسلام السياسي، طرح سؤالاً استعلائياً: "كيف نحمي الجماهير من الظلامية؟" وأوضح أن تعامل اليسار مع الجماهير التي انضمت للإخوان كـ "كتلة جاهلة تحتاج للتنوير والحماية من نفسها"، بدلاً من التعامل معها كطبقة تبحث عن مصالحها المادية.

شعار "أبداً مع الإسلاميين، ودائماً مع الدولة"

وانتقد المقال تبنى اليسار التقليدي (مثل حزب التجمع) هذا الشعار؛ لأن التهديد الأول بالنسبة لانتلجنسيا الطبقة الوسطى كان يكمن في تهديد مكانتها الثقافية والمهنية من قِبَل الإخوان (الذين يستندون لطبقات شعبية لا تحتاج لوساطة المثقفين)، وليس الاستغلال الطبقي.

ولفت إلى أنه في ثورة يناير 2011؛ كان المحرك الأساسي لخطوات اليسار ومشاركتهم هو مخاوفهم من صعود الإسلام السياسي، وليس حماسهم للثورة نفسها. أما في يوليو 2013، فقاد الخوف من الإخوان المسلمين اليسار التقليدي إلى الارتماء في أحضان الدولة ومباركة الانقلاب العسكري ووصفه بأنه "إنقاذ من خطر داهم".

وعن مجزرة رابعة العدوية (التي أدانها "الاشتراكيون الثوريون") أكد المقال أن منطق اليسار التقليدي جعله يبارك فض الاعتصامات، ويستنكر التقارير الحقوقية الدولية (مثل هيومن رايتس ووتش)، بل واعتبر المجزرة "ضرورة موضوعية" ودعم وصم "الإخوان" بالإرهابيين.

اليسار المصري وانقلاب 2013

 

وسلط الكاتب فارس حكيم، مقاله عنوان "حين صفّق اليسار للجلاد: لماذا أيّد اليسار المصري انقلاب يوليو 2013؟" على الجذور التاريخية والطبقية التي دفعت رموزاً وتيارات واسعة من اليسار المصري التقليدي إلى دعم الإطاحة بالنظام في يوليو 2013 ومباركة الإجراءات الأمنية التي تلتها، معتبراً أن هذا الموقف لم يكن "خيانة عابرة للمبادئ" بل نتيجة حتمية لبنية هذا اليسار الفكرية والطبقية على مدار سبعين عاماً.

ويرى الكاتب أن كوادر اليسار التقليدي تشكّلت من الطبقة الوسطى الجديدة (موظفون، أطباء، مهندسون، صحفيون) التي أنتجها مشروع "رأسمالية الدولة" الناصري بعد عام 1952.

ويوضح المقال أن مصلحة هذه الطبقة ارتبطت بنيوياً بالحفاظ على جهاز الدولة بوصفه الضامن لامتيازاتها، مما جعلها عاجزة عن تخيل حراك سياسي خارج مظلة الدولة.

 

ويرجع المقال الأزمة إلى الأربعينيات، حيث تبنت الحركة الشيوعية المنطق الستاليني القائم على "المراحل الميكانيكية للثورة" والتحالف مع البرجوازية الوطنية.

وساهم هذا المنطق في تمرير سياسة جمال عبد الناصر لتأميم الحياة النقابية وسحق التنظيمات المستقلة، وصولاً إلى قيام الحزبين الشيوعيين بحل نفسيهما طوعاً عام 1965 والانضمام للتنظيم الأوحد للنظام (الاتحاد الاشتراكي)، بحسب المقال.

الإسلام السياسي وملء الفراغ

ويؤكد المقال أن الإسلام السياسي ملأ الفراغ الاجتماعي والخدمي والهوياتي الذي تركه انهيار العقد الاجتماعي الناصري وتخلّى عنه اليسار، وأنه بدلاً من النقد الذاتي، تعامل اليسار مع الجماهير كـ "كتلة جاهلة تحتاج للتنوير"، وتبنى حزب التجمع شعاراً غير معلن: "أبداً مع الإسلاميين، ودائماً مع الدولة"؛ لحماية مكانته الثقافية.

 

وأشار إلى وجود تيار راديكالي قطع مع الستالينية في أواخر الستينيات، وتحديداً "حزب العمال الشيوعي المصري"، الذي قدم نقداً صريحاً للناصرية وتوقع استسلامها للإمبريالية.

ورغم صحة تحليل هذا التيار ومشاركته في انتفاضات 1972 و1977، إلا أنه ظل عاجزاً مؤسسياً عن قيادة الشارع مقارنة بالتيار اليساري التقليدي المرتبط بالدولة.

إغلاق الدوائر

ويخلص المقال إلى أن المخاوف من الإسلام السياسي قادت اليسار التقليدي في 2013 إلى دعم الانقلاب العسكري، واعتبار فض الاعتصامات (مثل رابعة العدوية) "ضرورة موضوعية"، مهاجماً تصريحات قادة اليسار (مثل رفعت السعيد) التي باركت تغييب العملية الديمقراطية.

ويختم الكاتب بالتأكيد على أن التجارب السابقة لم تكن اشتراكية حقيقية، بل كانت "رأسمالية دولة"، داعياً إلى العودة لمركزية الطبقة العاملة بمفهومها الحديث الواسع (كل من يبيع قوة عمله) لبناء قيادة ثورية مستقلة.

واعتمد الكاتب فارس حكيم في صياغة أطروحته على مجموعة من المصادر التاريخية والنظرية المتنوعة، ومنها؛ التصريحات الرسمية لرموز اليسار عام 2013، وعلى رأسهم رفعت السعيد زعيم حزب التجمع، والمواقف الحزبية الموثقة من فض اعتصام رابعة والتقارير الدولية الصادرة عن المنظمات الحقوقية مثل هيومن رايتس ووتش.

واعتمد التحليل على "البيان الشيوعي" الصادر عام 1848 لكارل ماركس وفريدريك إنجلز، بالإضافة إلى "أطروحات حول فويرباخ" لماركس، لتأصيل مفاهيم الفهم النظري والممارسة الثورية.

واستند إلى الأطر النظرية التي طورها المفكر توني كليف في كتابه "رأسمالية الدولة في روسيا" الصادر عام 1948 لتعريف طبيعة الأنظمة القومية وتمايزها عن الاشتراكية الحقيقية.

وشملت المراجع دراسات منشورة عبر بوابة الاشتراكي، ومنها دراسة الباحث سامح نجيب "من ناصر إلى مبارك" الصادرة عام 2006، وأبحاث عبد الغفار العوضي حول التجربة الناصرية المنشورة عام 2013.

واعتمد فارس الحكيم على الوثائق التأسيسية والدراسات التاريخية التي حققها سعيد العليمي حول مسيرة ونصوص "حزب العمال الشيوعي المصري" منذ عام 1969.

وتضمنت المراجع كذلك كتابات المفكر الماركسي اللبناني مهدي عامل الصادرة عام 1972 حول حركة التحرر الوطني ونمط الإنتاج الكولونيالي، وأطروحة كريس هارمن "النبي والبروليتاريا" الصادرة عام 1994، إلى جانب الأبحاث المعمقة للباحث يزيد صايغ الصادرة عن مركز كارنيغي للسلام الدولي في عامي 2019 و2020 حول الاقتصاد العسكري ورأسمالية الدولة في مصر.

https://web.facebook.com/photo/?fbid=1310373727936839&set=a.115584794082411

موقف ليس جديدا

وموقف تنظيم "الإشتراكيون الثوريون" من أحداث عام 2013 والسنوات التي تلتها ليس موقفاً جديداً أو وليد اللحظة، بل هو امتداد لمنهج فكري وسياسي يتبنونه منذ تأسيس التنظيم في مصر في تسعينيات القرن الماضي، وهو ما يظهر بوضوح في المقال الذي قمتَ بمشاركته.

والاشتراكيون الثوريون يمثلون تيار "اليسار الراديكالي" أو (التروتسكي)، وهم تاريخياً في صدام فكري مع اليسار التقليدي (مثل حزب التجمع).

والمقال نفسه يوضح هذا التمايز؛ فاليسار التقليدي يرى في جهاز الدولة والجيش حليفاً "تقدمياً" محتملاً ضد الاستعمار أو الإسلام السياسي، بينما يرى الاشتراكيون الثوريون أن جهاز الدولة هو أداة قمعية بطبيعتها لا يمكن التحالف معها.

وهذا الشعار صاغه المفكر الاشتراكي كريس هارمن في التسعينيات، وهو المبدأ الذي ساروا عليه؛ أي التضامن معهم كفصيل سياسي يواجه قمع الدولة، أو التنسيق معهم في ملفات محددة (مثل القضايا العمالية، أو مناهضة الحرب على العراق في 2003، أو دعم الانتفاضة الفلسطينية).

ولأنهم يرفضون مشروع الإخوان الاقتصادي (الرأسمالي) والسياسي والديني، ويرون أنهم لا يمثلون مصالح الطبقة العاملة.

وفي 2011، دعّم الاشتراكيون الثوريون الثورة الشعبية بكل قوتهم، وعندما وصل مرسي للحكم في 2012، عارضوا سياساته الاقتصادية والسياسية بشدة، ودعموا حراك "تمرد" والجماهير في 30 يونيو 2013 باعتباره حراكاً شعبياً ضد سلطة الإخوان.

ولكن في يوليو 2013 ، وبمجرد تدخل الجيش وعزل مرسي، أعلن التنظيم رفضه لـ"الحكم العسكري"، واعتبر ما حدث "انقلاباً على الثورة"، ورفض المجازر الأمنية (مثل رابعة والنهضة).

وهذا الموقف جعلهم يواجهون عزلة سياسية وقتها، حيث اتهمهم الإعلام والنظام بـ"التحالف مع الإخوان"، بينما اتهمهم الإخوان بـ"التمهيد للانقلاب" عبر معارضة مرسي.