تتجه حكومة الجنرال عبدالفتاح السيسي نحو إقامة حوار إستراتيجي مع الإدارة الأمريكية، بحسب إعلان الخارجية الأمريكية أن الوزير أنتوني بلينكن سوف يستقبل وزير الخارجية بحكومة الانقلاب سامح شكري وفريقه في واشنطن العاصمة، يومي 8 و9 نوفمبر 2021ك، للمشاركة في الحوار الاستراتيجي بين البلدين.
وبحسب بيان وزعته السفارة الأمريكية في القاهرة الخميس 4 نوفمبر 2021م، سينضم إلى الوزير بلينكن مسؤولون كبار من الوكالة الأمريكية للتنمية الدولية ووزارة الدفاع. ويلقي كلّ من بلينكن ونظيره شكري تصريحات علنية يوم 8 نوفمبر عند افتتاح الحوار، ويناقش الوفد بعدئذ قضايا دولية وإقليمية وحقوق الإنسان والتعاون الثنائي في القضايا الاقتصادية والقضائية والأمنية والتعليمية والثقافية.
انصب تركيز البيان الأمريكي على التآكيد على الشراكة الحيوية بين البلدين منذ أربعين سنة، لا سيما من خلال تعزيز التعاون الأمني، مع الإشارة إلى النهوض بحقوق الإنسان وتنمية العلاقات الاقتصادية والثقافية بين البلدين.
وعود انتخابية
وأثناء ترشح جوبايدن للرئاسة في منتصف 2020م، انتقد رئيس الانقلاب في مصر عبدالفتاح السيسي، مؤكدا أن إدارته لن تمنح دكتاتور ترامب المفضل شيكا على بياض؛ وشدد ــ في تغريدة له يوم 12 يوليو 2020م ــ على أن انتهاكات نظام السيسي المتكررة لحقوق الإنسان لن تقابلها إدارته بالتجاهل والصمت كما تفعل إدارة الرئيس الجمهوري دونالد ترامب. من ناحية أخرى، وعد أنتوني بلينكن مستشار حملة بايدن للسياسة الخارجية وقتها والذي يتولى وزارة الخارجية حاليا-خلال محادثة بالفيديو مع نشطاء الجالية العربية الأمريكية- بالتزام إدارة بايدن بالمبادئ الديمقراطية وحقوق الإنسان في تعاملها مع الدول العربية، خاصة السعودية ومصر". وقال بلينكن "إن ترامب يفعل الكثير لتقويض مكانتنا الأخلاقية على مستوى العالم وقدرتنا على القيادة، ولنتذكر أنه يطلق على السيسي لقب: دكتاتوري المفضل". وتعهد بلينكن -الذي سبق أن عمل نائبا لمستشار الأمن القومي في إدارة باراك أوباما- "بأن علاقات الولايات المتحدة مع السعودية ومصر تحت حكم بايدن ستبدو مختلفة تماما عما هي عليه الآن".
وفي أعقاب فوز بايدين برئاسة البيت الأبيض، وقعت واشنطن في مارس 2021م، مع 30 دولة أخرى في مجلس حقوق الإنسان التابع للأمم المتحدة على بيان انتقد الانتهاكات الحقوقية في مصر، وحضَّ سلطات الانقلاب على التوقف عن اللجوء إلى قوانين مكافحة الإرهاب لإسكات المعارضين والحقوقيين والصحافيين وإبقاء المنتقدين في الحبس الاحتياطي إلى أجل غير مسمى. وكان تقرير للخارجية الأمريكية نشر في أبريل 2021م، قد أشار إلى أن قوات الأمن المصرية ارتكبت "انتهاكات عديدة"، وأن الحكومة المصرية لم تحقق بشكل "شامل" ما ساهم في "خلق بيئة من الإفلات من العقاب". وأثار هذا التقرير وقتها انتقادات حادة من نواب ديمقراطيين. ولفت التقرير إلى أن هذه المخاوف قد عُززت بتقرير الخارجية الأميركية عن الوضع الحقوقي حول العالم، والذي انتقد إدارة السيسي بسبب انتهاكات حقوقية تشمل، "القتل غير القانوني، الاختفاء القسري، التعذيب والعقوبات القاسية أو اللاإنسانية أو المهينة من قبل الحكومة".
ديكتاتور بايدن المفضل!
لكن هذه السياسات سرعان ما ثبت أنها مجرد وعود انتخابية، وتخلى بايدن عن كل وعودة وتبنى ذات السياسات التي تقوض المكانة الأخلاقية للولايات المتحدة ــ هذا إن كان لها مكانة أخلاقية من الأساس ــ وقامت إدارته بالإجراءات الآتية:
أولا، في فبراير 2021م، وافقت وزارة الخارجية الأمريكية على صفقة صواريخ ومعدات عسكرية لمصر، تقدر بنحو 197 مليون دولار، بحسب تقرير واشنطن بوست.
ثانيا، تعامل بايدن مع السيسي باستنكاف كبير، ولم يعره اهتماما على مدار نحو 4 شهور كاملة رغم أن السيسي كان أول زعيم عربي يهنئ بايدن بفوزه بالرئاسة، واستمر هذا الجفاء حتى اندلعت الحرب في فلسطين بالعدوان الإسرائيلي على المسجد الأقصى وحي الشيخ جراح في مايو 2021م، ورد المقاومة بالصواريخ ثم العدوان الإسرائيلي على غزة، حتى نجحت الوساطة المصرية في التوصل إلى وقف إطلاق النار وتهدئة هشة، الأمر الذي دفع بايدن إلى مهاتفة السيسي وتقديم الشكر له على جهوده في استقرار المنطقة. بعدها بأيام هاتف بايدن السيسي مجددا وتناقش معه حول ملف حقوق الإنسان. لكنه كان قد وقع بالفعل على تسليم النظام المصري نحو "410" ملايين دولار من المساعدات كانت متبقية من عهد ترامب.
ثالثا، استمرت إدارة بايدن في تعاملها مع القاهرة كما هو معتاد، ومنحت حازم الببلاوي،رئيس أول حكومة للانقلاب، حصانة من المساءلة أما المحاكم الأمريكية بدعوى أنه مندوب مصر في صندوق النقد الدولي. وفي سبتمبر 2021م قضت محكمة أمريكية بعدم الاختصاص في البت في دعوى الناشط الأمريكي من أصول مصرية محمد سلطان ضد الببلاوي. وأفادت صحيفة الأهرام" المملوكة للدولة، عبر نسختها الإنجليزية أن "تقارير إعلامية ذكرت أن محكمة في واشنطن رفضت، القضية بسبب حصانة الببلاوي بموجب إعلان رسمي قدمته الإدارة الأمريكية".وقالت: "في أوائل أبريل (نيسان) الماضي، قدمت وزارة العدل الأمريكية إعلانًا تحث فيه المحكمة على رفض القضية التي رفعها سلطان ضد الببلاوي لأن الأخير كان يتمتع بحصانة دبلوماسية وقت رفع الدعوى".
رابعا، اكتفت إدارة بايدن في سبتمبر 2021م، بحجز 130 مليون دولار من أصل 300 مليونا كانت مجمدة من المساعدات العسكرية الأمريكية للجيش المصري للضغط من أجل تحسين ملف حقوق الإنسان، وهو القرار الذي صدم الأوساط الحقوقية في أمريكا ومصر، والذي جاء بعد ثلاثة أيام من إعلان السيسي ما تسمى بالإستراتيجية الوطنية لحقوق الإنسان بهدف تجميل صورة النظام أمام واشنطن. واعتبر كثيرون قرار إدارة بايدن استمرارا لسياسات واشنطن في دعم الطغاة والمستبدين والمضي على طريق ترامب بمنح "دكتاتوره المفضل" شيكا على بياض لمواصلة القمع والتعذيب. وهناك توقعات بأن تفرج واشنطن عن الـ130 مليون دولار المحتجزة خلال الأسابيع والشهور المقبلة. لا سيما وأن واشنطن شاركت كالمعتاد في مناورات النجم الساطع في سبتمبر 2021م مع الجيش المصري وهي المناورات التي يتم التدريب فيها على مواجهة الإرهاب. ويرى الدبلوماسي الأميركي السابق الذي عمل في مصر، تشارلز دن، في تصريحات لمجلة فورين بوليسي أن "دور القاهرة في التوسط في اتفاقيات السلام في الشرق الأوسط، وتعاونها في مكافحة الإرهاب، ومنحها أفضلية للسفن الحربية والطائرات العسكرية الأميركية التي تعبر قناة السويس لطالما تفوَّق على أي قلق بشأن الطبيعة الاستبدادية للحكومة المصرية وانتهاكاتها الجسيمة لحقوق الإنسان".
خامسا، بعيدا عن الوعود التي قطعها بايدن خلال حملته الرئاسية بشأن عدم منح دكتاتور ترامب المفضل شيكات على بياض، فإنه يتعين التنويه إلى مواقف بايدن السابقة وأبرزها أنه كان ضمن فريق عواجيز إدارة أوباما الذي ضم بايدن، نائب الرئيس وقتها، وهيلاري كلينون وزير الخارجية، ووزير الدفاع روبرت جيتس وآخرين، وكان هؤلاء يدعمون بقاء مبارك ولا يرحبون بالثورة الشعببية ضد نظامه بوصفه حليقا وثيقا لواشنطن. وخلال أيام الثورة نفى بايدن أن يكون مبارك ديكتاتورا. ورد فى مقابلة مع برنامج ساعة إخبارية News Hour أنه يعرف مبارك جيدا، وعندما سأله مقدم البرنامج جيم ليرر، عن وصف مبارك بالدكتاتور. قال بايدن: «مبارك كان حليفا لنا فى العديد من القضايا، وكان حليفا مسئولا.. ولن أصف مبارك بأنه ديكتاتور».