انتهت فعاليات منتدى الشباب الرابع الذي أقيم في الفترة بين 10 إلى 13 يناير 2022م بمدينة شرم الشيخ تحت رعاية الدكتاتور عبدالفتاح السيسي، وهو المنتدى الذي جرى في ظل أوضاع غير طبيعية مع تفشي جائحة كورونا واتجاه معظم دول العالم نحو الإغلاق مجددا مع تفشي سلالة أوميكرون، بينما جرت وقائع وجلسات المنتدى في ظل غياب واضح لقيود الوقاية من الجائحة.

ورعى السيسي النسخ الثلاث الماضية في سنوات 2017، و2018، و2019، ثم توقف بسبب تفشي جائحة كورونا حتى تم إقامة النسخة الرابعة، حيث استضاف السيسي 15 ألف شاب وفتاة من 160 دولة؛  وبدأت وفود الضيوف بداية من 7 حتى 15 يناير على نفقة الدولة المصرية الفقيرة باعتراف السيسي نفسه، حيث أقاموا في فنادق 5 نجوم بخلاف خدمات السفر والتنقل عبر مصر للطيران علاوة على الخدمات الأمنية واللوجستية لحماية المنتدى.

وبينما تكلفت نفقات النسخة الثالثة من المنتدى سنة 2019م حيث تم استضافة 5 آلاف فقط، نحو 600 مليون جنيه، فإن تكاليف هذه النسخة الرابعة تصل إلى أكثر من مليار جنيه بحسب تقديرات غير رسمية؛ استنادا إلى أن حجم المشاركين بلغ 15 ألفا بخلاف 5 آلاف آخرين من الشباب المشاركين في تنظيم المنتدى. فقد تم حجز 6 فنادق كبيرة في شرم الشيخ (5 نجوم)، ويبلغ سعر الغرفة الفندقية في الليلة الواحدة من 2000 جنيه (130 دولار)، إلى 7000 جنيه (450 دولار). كما يصل سعر تذكرة الطائرة من القاهرة للمدينة نفسها، إلى 3 آلاف جنيه؛ بخلاف النفقات الأمنية واللوجستية والإعلامية وتسخير جميع مؤسسات الدولة لهذا المهرجان السنوي.

من مفارقات الأمر أن السيسي الذي يتجه نحو رفع أسعار الخبز وتقليص مخصصات الدعم لعشرات الملايين من الفقراء  ومحدودي الدخل، كما يتجه نحو اتفاق جديد مع صندوق النقد الدولي هو نفسه الذي يبذر هذه الملايين على فعاليات وأنشطة بالغة السفاهة وليس لها أي مردود إيجابي على اقتصاد البلاد، ولا تسهم مطلقا في تحسين مستويات المعيشة المتدنية!.. فلماذا يصر السيسي على مثل هذه المنتديات رغم أن جميع توصيات النسخ الماضية لم يتحقق منها شيء على الإطلاق؟!

يستهدف نظام السيسي من النسخة الأخيرة للمنتدى عدة أهداف، أولها  تسليظ الأضواء  على انتشار  حالة الأمن والاستقرار  في مصر. باستعراض وإظهار العظمة باعتبار مصر واحة أمان واستقرار  وسط إقليم مضطرب؛ حيث كان يأمل النظام في أن يحظى المنتدى باهتمام واسع من جانب الصحافة والإعلام الدولي، لكن شيئا من ذلك لم يتحقق. كما يستهدف النظام أن يتحول المنتدى إلى منصة دعاية تلقائية لقطاع السياحة الذي يعاني بشدة منذ تفجير الطائرة الروسية فوق سيناء في 31 أكتوبر 2015م خصوصا  سياحة المؤتمرات. وتفاقمت أزمته مع تفشي جائحة كورونا مع بدايات سنة 20م.2 وكذلك محاولة رسم صورة مغايرة عن سيناء؛ حيث لا يعرف العالم سوى أخبار المواجهات المسلحة في شمال سيناء برفح والعريش وغيرها.

الهدف الثالث للنظام هو هدف شخصي يتعلق بالسيسي نفسه؛ لأن هذه المؤتمرات والمنتديات التي يشرف عليها جهاز المخابرات العامة إنما تشبع رغبات دفينة عند السيسي نفسه، وتلبي رغباته الجامحة وولعه بحب الظهور والاستعراض والتركيز على اللقطة دون اهتمام بالجوهر والحقائق حتى لو كانت شديدة المرارة، فمنذ اغتصاب الجنرال للسلطة منتصف 2013، ثم إقامة مسرحيتين لما تسمى مجازا بانتخابات رئاسية أبدى السيسي ولعه الشديد بهذه النوعية من المؤتمرات حيث عقد «المؤتمر الاقتصادي بشرم الشيخ 2015» الذي قيل إن عوائده تتجاوز 180 مليار دولار، واحتفالات افتتاح «قناة السويس الجديدة 2015» التي قيل إنها ستدر 100 مليار دولار، ثم عقد أكثر من 10 مؤتمرات شبابية بدأت بالمؤتمر الأول في يناير 2016م. فالسيسي محب للاستعراضات والخطابة في الجموع الصامتة والظهور بمظهر صاحب الفلسفة والرؤية العالمية.

من جهة رابعة، فإن هذه المؤتمرات والمنتديات تمثل حالة هروب من الأزمات وقفز على حقائق الواقع المؤلم الذي يئن فيه عشرات الملايين من المصريين تحت خط الفقر في ظل  تآكل الأجور والمرتبات والمدخرات بعد قرارات التعويم سنة 2016م، وتبني النظام لجميع شروط صندوق النقد الدولي بشكل بالغ  الخضوع والإذعان. وبالتالي يستهدف النظام بهذه المنتديات العالمية صناعة بروباجندا تستحوذ على خطاب الإعلام الموالي للسلطة من فضائيات وصحف ومواقع وذلك للتغطية  على تدهور الأوضاع السياسية والاقتصادية والاجتماعية. لكن ذلك يؤكد حجم السفه الذي يتصف به نظام العسكر؛ إذ كيف لدولة شديدة الفقر بحسب اعتراف الجنرال نفسه، وتعاني من حجم ديون رهيب وصل إلى أكثر من 6 تريليونات جنيه وبلغت فوائد الديون وأقساطها أكثر من تريليون جنيه بحسب أرقام الموازنة العامة للدولة؛ ما يعني أن الحكومة تدفع كل يوم حوالي نحو 3 مليارات جنيه كفوائد وأقساط ديون فقط!! كيف لهذه الدولة أن تهدر حوالي "ملياري جنيه" على مثل هذا المنتدى؛  فلماذا  رغم الفقر والديون، يتم بعزقة الأموال بهذه السفه على «مكلمة» لا جدوى منها سوى تلبية رغبه الجنرال المعتوه؟!

يرد النظام على ذلك بأن أموال المنتدى ليست من الخزانة العامة؛ لكنها أموال رعاية لعدد من الشركات متجاهلا أمرين: الأول أن معظم الرعاة هي شركات حكومية أو للحكومة نصيب الأغلبية بها، والثاني أن الشركات الخاصة لا تقدم أموالها هباء؛ إلا إذا تم خصم هذه الأموال من مستحقات الضرائب عليها أو تم تعويضها بمزايا أخرى تحقق لها أضعاف مع أنفقته؛ لأن القطاع الخاص لا يرمي أمواله عبثا كما تفعل حكومة العسكر!.

من جهة خامسة، يحاول النظام بهذه المؤتمرات الادعاء بأنه يرعى الشباب ويهتم بهم ويتحاور معهم؛ لكن هذا الكم من المؤتمرات المخصصة للشباب لا يعكس اهتمام النظام بالشباب بقدر ما يعكس أزمته معهم باعتبارهم هاجسه الأكبر، فما حدث في ثورة 25 يناير 2011 بيد الشباب، ما زال حاضرًا بقوة في الأذهان، وخاصة أذهان المسؤولين وعلى رأسهم جنرال الانقلاب السيسي، الذي كان يشغل وقت اندلاع الثورة منصب مدير المخابرات الحربية؛ فالنظام يحاول  من خلال هذه المؤتمرات التغطية على أزمته مع الشباب، الذين يعتقل عشرات الآلاف منهم في سجونه ويخفي المئات منهم قسريًا، ويمارس بحقهم بشع صور التعذيب والاغتيال خارج إطار القانون. فشباب مصر ليسوا أبناء الجنرال ونواب البرلمان وكبار رجال الحكم، لكن شباب مصر يعاني بشدة في ظل أوضاع مزرية ويغامر حتى بروحه للفرار من هذه الدولة الظالم أهلها.

من جهة سادسة، فإن نظام العسكر يستهدف بهذه المؤتمرات والمنتديات صناعة طبقة موالية له من شباب الأثرياء والمقربين من النظام،  أو أولئك الشباب المنتمين لأحزاب علمانية موالية للسلطة مثل مستقبل وطن والمصريين الأحرار والوفد وغيرها. ويتولى تنظيم هذه المؤتمرات والمنتديات غالبا  مكتب السيسي بالتنسيق مع المخابرات العامة التي يقودها اللواء عباس كامل الذراع الأيمن للسيسي ويعاونه عدد من ضباط المخابرات؛ وأعضاء «البرنامج الرئاسي لتأهيل الشباب للقيادة» الذي أطلقه السيسي قبل سنوات. ويكون في طليعة الحضور عادة شباب هذا البرنامج، الذين تم اختيارهم بعناية شديدة وفق معايير أمنية عالية.  ويستفيد المشاركون في هذه المؤتمرات من عدة جوانب، أغلبها مادية، فعلى سبيل المثال يُوفَّر للمشاركين في هذه المؤتمرات حافلات خاصة تابعة لنقلهم إلى مقر انعقاد المؤتمر، ويقيمون بشكل مجاني في فنادق -أغلبها تابع للقوات المسلحة- طوال فترة انعقاد المؤتمر. كما يحظى المشاركون بفرصة للاقتراب من دوائر الوزراء والمسؤولين بشكل قد يخدم مصلحتهم الشخصية، كما هو الحال مع شباب «البرنامج الرئاسي» الذين عُين بعضهم، بسبب الانتماء إلى البرنامج والمشاركة في المؤتمرات، كمعاونين ومساعدين للوزراء، برواتب تبدأ من 10 آلاف جنيه لمساعد الوزير، و5 آلاف جنيه لمعاون الوزير، بالإضافة إلى حوافز ومزايا أخرى. معنى ذلك أن السيسي عندما يكلم هؤلاء إنما يكلم نفسه؛ أما شباب ومصر شعبها فقد ولى وجه عن السلطة ويبحث عن لقمة عيش شريفة في ظل أوضاع بالغة البؤس والشقاء.

 

Facebook Comments