على إثر الأزمات الاقتصادية التي تضرب الاقتصاد المصري في عام الرمادة الذي يعايشه الاقتصاد المصري في ظل حكم العسكر، من تراجع عوائد السياحة والصادرات وقناة السويس وتحويلات المصريين بالخارج، ونقص العملات الأجنبية لدى البنوك المصرية، التي أصبحت بالسالب، وصلت لسالب 8 مليار دولار، وفق بيانات البنك المركزي، بجانب استحقاقات سداد ديون بنحو 36 مليار دولار بنهاية العام المالي في يونيو المقبل، للدائنين، ما يمثل نحو 90% من قيمة الودائع الأجنبية بالبنك المركزي، مع تفاقم أزمات السيولة لدى البنوك وتآكل مدخرات المودعين بالبنوك المصرية ، إثر إقراضها المتواصل والكثيف للحكومة عبر السندات وأذون الخزانة وإقراض مشاريع السيسي الوهمية بالعاصمة الإدارية وغيرها، ما حدا البنك المركزي ، لإعلان قواعد جديدة لإمداد البنوك المتعثرة عن توفير أموال المودعين، وذلك عبر آلية السيولة الطارئة، وغيرها من الأزمات التي تتوالى على الاقتصاد المصري من هروب الأموال الساخنة وعزوف المستثمرين والاستثمار المباشر في السوق المصري، بسبب العسكرة وغياب المنافسة والشفافية وانحياز الدولة لصالح الشركات العسكرية وترسية المشاريع والمناقصات لتلك الشركات بالأمر المباشر، فوق ما تتمتع به من إعفاءات ضريبية وجمركية وعدم تشغيلها لعمالة برواتب، معتمدة على نظام السخرة وتشغيل المجندين ، ما يفقد قواعد المنافسة الاقتصادية مع الشركات والمستثمرين، الذين بات عليهم إما أن يعملوا من الباطن كمقاولين لتلك الشركات العسكرية نظير خصم 30% من قيمة المناقصة كمكسب دون مجهود لتلك الشركات العسكرية، أو مغادرة السوق المصري.
ومع تصاعد الديون وفوائدها مع اتجاه البنك الفيدرالي الأمريكي لرفع الفائدة لثلاث مرات هذا العام، أولاها في مارس المقبل، تقف مصر مشلولة أمام مواجهة التزاماتها الاقتصادية والمعيشية، سواء باستيراد أدوات الإنتاج أو الدواء والغذاء، وخاصة القمح الذي ترتفع أسعاره العالمية بعد تصاعد أزمة أوكرانيا وروسيا، ما يهدد برفع كبير لأسعاره بالأسواق العالمية، تتزايد حاجة مصر لتمويلات أجنبية لتعويم نظامها الاقتصادي الفاشل، بعد أن أهدر مدخرات المصريين في الطرق والكباري ومشاريع الفنكوش الكبرى في العاصمة الإدارية والعلمين والجلالة وغيرها.
وفي هذا السياق ، ومع نضوب التمويلات الخليجية وإدارة المانحين لنظام السيسي الذي أثبت فشله الاقتصادي، كشفت مصادر دبلوماسية وحكومية واقتصادية عن بدء مصر تواصل مع صندوق النقد الدولي خلال الشهور القليلة الماضية للنظر في إمكانية الحصول على قرض جديد، مشيرين إلى أن القرار المصري للتقدم رسميا بطلب الحصول على قرض يتوقف على ما ستجنيه مصر من مصادر الاقتراض الأخرى التي اعتمدت عليها في السنوات الأخيرة، وبالأخص سوق الديون، وودائع الحلفاء من دول الخليج، وبيع الأصول الذي يتولاه صندوق مصر السيادي.
وعبر هذا القرض، تسعى مصر لتحقيق أهداف متنوعة، منها أن أموال الصندوق منخفضة الفائدة مقارنة بسوق الديون.
يأتي هذا على خلفية أزمات عدة تواجه الاقتصاد المصري من ناحية، ينتظر أن تتزايد احتياجات الحكومة هذا العام للحصول على تمويلات لضمان الوفاء بالتزاماتها، خصوصا في ظل استمرار ضعف الاستثمارات الخارجية المباشرة، وعدم كفاية عائدات التصدير بشكل عام، ومن ناحية أخرى، هناك تحديات مختلفة تنتظر منابع الديون المعتادة، بعضها بسبب تقلبات اقتصادية يشهدها العالم هذه الأيام، والأخرى بسبب علاقات إقليمية معقدة.
وقد اعتمدت مصر بشكل أساسي على الديون الخارجية بأشكالها المختلفة خلال السنوات الماضية، بحسب آخر تقارير البنك المركزي، بلغ إجمالي حجم الدين الخارجي المصري 137.9 مليار دولار بنهاية يونيو الماضي (بزيادة قدرها 14.4 مليار دولار عن نهاية يونيو 2020) هذه القيمة لا تمثل كل أشكال الديون الخارجية، لأن الأرقام الرسمية المصرية تستبعد بعض الأشكال من حساباتها، مثل السندات المحلية التي يشتريها الأجانب.
ووفق مراقبين اقتصاديين، تنوعت أشكال هذه الديون فبعضها جاء في صورة قروض من مؤسسات إقراض دولية أهمها صندوق النقد الدولي.
وحصلت مصر على قرضين من الصندوق خلال الأعوام الستة الماضية، الأول كان في 2016 بقيمة 12 مليار دولار عبر آلية تسهيل الصندوق الممدد، الميزة في هذا النوع هو ارتفاع حجم القرض وطول مدة السداد، والتي قد تصل إلى عشر سنوات، كما أنها لا ترتبط بمشاريع محددة وإنما تدخل إلى الموازنة.
والقرض الثاني كان في 2020 بقيمة 5.2 مليار دولار، بعد تفجر أزمة «كورونا»، واستند إلى آلية الاستعداد الائتماني، ويعد هذا النوع قرضا قصير الأجل ولا تتجاوز مدة السداد المتاحة له خمس سنوات.
هذه المرة، سيستند القرض الجديد في حالة إتمامه إلى نفس الآلية الأخيرة.
ووفق تقديرات اقتصادية سيتحدد القرض وفق عدة عوامل، منها؛ نوعية القرض، إذ أن الصندوق رفض اقتراحا مصريا أن يتم القرض باستخدام نفس الآلية التي حصلت بها مصر على قرض 2016، لكن رفض الصندوق استند إلى أن هذه الآلية تمثل حالة استثنائية ترتبط فقط بالأزمات الكبيرة، النوع الثاني المطروح حاليا للتفاوض هو آلية الاستعداد الائتماني، التي تماثل قرض 2020.
اشتراطات الصندوق
وسيرتبط بالقرض عدة شروط ملحقة سيكون على مصر الالتزام بها، أعرب الصندوق خلال المفاوضات عن إحباطه من انخفاض الاستثمار الخاص، وعدم استجابة الجانب المصري إلى مطالب الصندوق بتعديل قانون المنافسة.
وأيضا إلى احتمالية أن يشترط الصندوق إجراءات تقشفية جديدة تتعلق بتقليص الدعم، وذلك على الرغم من أن مصر لا تحتاج إلى اشتراط هذا من قبل الصندوق لأنها تمارسه بتوسع شديد ومؤثر على المواطنين.
ويبقى الشرط الأهم، هو توقف مصر عن دعم سعر الجنيه في السوق، على الرغم من تحرير سعر الصرف ضمن خطة إعادة الهيكلة الاقتصادية في 2016، حافظ البنك المركزي المصري على استقرار قيمة الجنيه عند حدود 15.7 جنيه للدولار الواحد، لتحقيق هذا الاستقرار، اضطر البنك المركزي كذلك للتدخل بشكل غير مباشر عبر البنوك المحلية المملوكة للدولة للدفع بدولارات في السوق، وقد تصل نسبة الانخفاض المرتقب في قيمة الجنيه 5%. فأكثر.
وهو ما سيشكل تحديا للحكومة للوصول إلى قيمة تُرضي مطلب الصندوق دون أن يتسبب هذا في أذى كبير لمستويات المعيشة في مصر، والتي تسهم سياسة دعم الجنيه هذه في حمايتها إلى حد ما.
يشار إلى أنه في آخر قرض حصلت عليه مصر، منتصف 2020، لفت خبراء ماليون إلى أن الصندوق حذر من عدد من المخاطر التي قد تواجه مصر، استند خبراء الصندوق في تقييمهم إلى افتراض عودة النشاط الاقتصادي المحلي والدولي لطبيعته بحلول نهاية 2020 ، مع هذا قد تتسبب صدمة أكبر و أطول للنشاط الاقتصادي، وتأخر التعافي، في تفاقم التمويلات العامة، بما يتسبب في احتياجات تمويلية أكبر، ودين عام أكبر، ومخاطر لاستدامة الدين، بحسب تقرير الخبراء «الأكثر، قد يتسبب تضييق أكبر في ظروف التمويل الدولية في تجديد الضغط على تدفق رأس المال وتكاليف الاقتراض الحكومي».
ظروف التمويل الدولية هذه يُقصد بها بشكل أساسي سوق السندات، أحد أهم أشكال الديون. وتحصل الحكومة على ديون في صورة سندات دين مختلفة تُباع للتجار الأجانب في سوق الديون والميزة في هذا النوع أنه يأتي دون شروط حول طرق إنفاقها أو مدى التزامها بخطة إصلاح اقتصادي تاجر الديون يهتم فقط بسعر الفائدة التي سيحصل عليها مقابل إقراض مصر، وبمدى قدرة مصر على الالتزام بسداد ديونها وفوائدها في مواعيد استحقاقها.
لكن، هناك مخاطر جديدة تهدد جاذبية السندات خلال هذا العام، أولها هو التوجه المرتقب لكبرى اقتصادات العالم، على الأخص الولايات المتحدة، لرفع سعر الفائدة في محاولة لوقف التضخم المستمر، ومع ارتفاع سعر الفائدة الأمريكية، تصبح أدوات الدين هناك أكثر جاذبية في النهاية، المخاطر التي يتحملها التجار في أدوات الدين العالمية أقل بكثير من مخاطر الاستثمار ذاته في مصر. كما أن عائد الاستثمار في أسواق مثل مصر يتقلص بسبب التضخم العالمي، قد يدفع هذا تجار الديون للابتعاد باستثماراتهم والتوجه إلى أسواق أكثر أمانا، هذه الأسباب هي التي تدفع وكالة «بلومبرج» لاعتبار مصر -إلى جانب أربع دول أخرى- ضمن الأكثر قابلية لهذه المخاطر.
تتباين طبيعة هذه المخاطر طبقا لنوع السندات، تستخدم مصر نوعين أساسيين. الأول تُصدره بالجنيه المصري، والثاني بعملات أجنبية أهمها الدولار طبعا، في كلا النوعين، يحصل تجار الديون الأجانب على فوائدهم في نهاية الأمر بالعملة الأجنبية، وفي كلا النوعين، تضطر مصر لعرض أسعار فائدة عالية لكي تتمكن من اجتذاب التجار.
سندات الجنيه المصري مهمة للعملة المحلية. التاجر الذي يسعى للاستثمار فيها مضطر للحصول عن جنيهات مصرية ليشتري السندات بها، يخلق هذا طلبا عالميا على الجنيه، ما يساهم في الحفاظ على قيمته خصوصا مع فشل الوسائل الأخرى مثل الاستثمار الأجنبي المباشر أو الصادرات.
وبسبب هذا، توافق مصر على منح فوائد ضخمة على هذه السندات هذا العام، من المتوقع أن تصل عائدات سندات الجنيه إلى 17% (مرتفعة من 13% العام الماضي)، لتصبح الأكبر في العالم، بحسب توقعات نقلتها وكالة «بلومبرج» في تقرير لها وبسبب هذه الفائدة الضخمة، ترجح هذه التوقعات أن تحافظ هذه السندات على جاذبيتها في سوق الديون العالمي، لكن هذا النوع من الديون لا يدخل ضمن الحسابات الرسمية للديون الخارجية المصرية.
الوضع يختلف بالنسبة للنوع الثاني من السندات، تلك التي تصدر بالدولار (أي يشتريها التاجر ويحصل على عوائده منها بالدولار مباشرة دون الاضطرار لتغيير العملات). متوسط الفائدة على هذا النوع من الديون يتحدد عالميا، ومثل النوع الأولي اضطرت مصر لعرض فائدة أعلى من المتوسط العالمي كي تتمكن من اجتذاب تجار الديون إليها.
لكن، بسبب التغيرات الاقتصادية العالمية، لم تعد الفائدة التي تعرضها مصر على هذا النوع من السندات كافية.بحسب تقرير «بلومبرج»، خسر تجار هذا النوع 8% العام الماضي في مصر، يعني هذا أن مصر سيكون عليها النظر في زيادة نسبة الفائدة للحفاظ على جاذبية سنداتها الدولارية.
نضوب الرز الخليجي
البعض الآخر من الديون جاء من دول صديقة (الخليج وعلى رأسها السعودية والإمارات)، حصلت عليها مصر في صورة ودائع قبل سنوات، بلغ إجمالي ودائع الخليج 15 مليار دولار (حوالي 11% من إجمالي الدين الخارجي المصري) بنهاية العام المالي الماضي 5.3 مليار منها قيمة الوديعة السعودية، و5.7 مليار قيمة الوديعة الإماراتية.
لكن، الأمر لم يعد سهلا مثلما كان قبل شهور، طلبت مصر من الإمارات والسعودية ودائع جديدة بحسب مصدر حكومي، رفضت الإمارات تقديم وديعة جديدة، مكتفية بالوديعة القديمة.
أما السعودية، فطلبت أن تسدد مصر ثلاثة مليارات منها، على أن تعيد السعودية تحويلها لمصر في صورة وديعة جديدة، قامت مصر بالفعل بهذا، وفي أكتوبر الماضي وافقت السعودية على إيداع الوديعة الجديدة، وتمديد المتبقي كوديعة سابقة قيمتها 2.3 مليار دولار.
وإجمالا، فإن مصر مقبلة على أيام صعبة، قد يتحمل فيه المصريون أعباء القروض والديون، حيث سترتفع أسعار الأدوية والغذاء ، مع اتجاه السيسي لرفع رابع هذا العام لأسعار الوقود، مع رفع أسعار الوقود والطاقة والغاز والمياه ، خاصة مع تفاقم أزمات سد النهضة ، ومع هذا التوجه الكارثي تتفاقم معيشة الفقراء والغلابة مع السيسي.