أكدت ورقة بحثية أن منتدى الشباب الذي عقده السيسي مؤخرا كانت له عدة أهداف أهمها توظيفه كشكل من أشكال الدعاية، ورسم صورة وردية عن الأوضاع في مصر، بوصفها دولة آمنة مستقرة وسط محيط مضطرب يموج بالعنف والحروب الأهلية، وأن ذلك يقوم على لوحة كاذبة ، وأن مصر مستعدة لاستقبال أفواج السياح رغم تفشي جائحة كورونا؛ لأنها استطاعت تنظيم المنتدى رغم رعب العالم من تفشي سلالة أوميكرون، مشيرا إلى أن من مساوئ المنتدى الذي شهد غيابا تاما لقيود الوقاية من كورونا وعدم الالتزام بها.
وأوضحت الورقة، التي نشرها موقع "الشارع السياسي" بعنوان النسخة الرابعة لمنتدى شباب العالم ، أسئلة الجدوى والرسائل"، أن الهدف الثاني؛ استخدام المنتدى كمنصة يبعث من خلالها السيسي، ونظامه عدة رسائل سواء على المستوى المحلي أو الدولي، وقد استخدم السيسي المنتدى هذه المرة من أجل إرسال عدة رسائل معظمها للخارج؛ لأنه لم يعد يكترث بالداخل ، في ظل إحساسه بالسيطرة المطلقة عبر أدوات البطش والقمع الأمني.
ومن الرسائل التي أشارت لها الورقة ، الزعم بمدى اهتمامه بفئة الشباب وإظهار السيسي على أنه يتجاوب مع تطلعات الشباب ، ويعمل على حل مشكلاتهم ، متجاهلين أن سجونه تضم عشرات الآلاف من الشباب بتهم سياسية ملفقة.
وأضاف أن رسالة أخرى ، تتمثل في رسم صورة لمصر المعتدلة المتسامحة التي تسهم في تعزيز قيم التعايش المشترك والتقارب بين ثقافات ومناطق ودول مختلفة، والتسويق للتجربة المصرية في مكافحة الإرهاب والتطرف ، والدعاية للنظام على المستوى الدولي.
رسالة للخارج
وأضافت الرسالة أنه من الرسائل "المساومة بحقوق الإنسان؛ فقد كرر السيسي مرارا خلال جلسات المنتدى حديثه عن التدخلات الخارجية في شؤون الدول، بقصد تخريبها، موضحا أن البعض رأى أنها رسالة موجهة للغرب الذي دأب على انتقاد ملف السيسي المتخم بالانتهاكات والجرائم ضد الإنسانية.
ومن عناصر الرسالة التي رصدتها الورقة "تصريحات السيسي رسالة للغرب أن حقوق الإنسان تساوي المنح والمساعدات ولا شيء آخر؛ قال خلال المنتدى (هاتوا 50 مليار دولار وأنا أخلي الناس تتظاهر).
وأن المنتدى شهد رسالة أخرى للغرب وهي استجداء من أجل تقديم المزيد من المساعدات لنظامه؛ سواء بالمنح أو القروض، من أجل تعزيز موقفه المالي والاقتصادي للتغلب على المشكلات التي تواجهه قبل أن تتفاقم وتتسبب في مشاكل للغرب وأوروبا على وجه التحديد. وأنه أشار إلى أن مصر لم يحدث فيها ذلك، ولم تصدر مهاجرين إلى الغرب، بل تستضيف لاجئين من دول أخرى، وتعاملهم معاملة حسنة، ولا تقيم معسكرات للاجئين كما يحدث في دول أخرى".
رسالة للخليج
وأفادت الورقة أن الرسالة الثانية، موجهة لقوى إقليمية، مشيرا إلى تصريحات السيسي حول التدخل الخارجي في شئون الدول بقصد تخريبها، على أنها رسالة موجهة لقوى خليجية ، يرى السيسي أنها تحاول التأثير على نظامه في الوقت الحالي، لا سيما وأن السيسي كان جزءا مهما من المؤامرة التي أسقطت نظام الرئيس محمد مرسي في غضون عام واحد، من خلال التدخلات الخارجية (أمريكية ـ إسرائيلية ــ إماراتية ـ سعودية) وقد اعترف السيسي نفسه بذلك؛ اعترف بتصريحاته لوزير الخارجية الأمريكي الأسبق جون تيري، وكذلك اتصالاته بوزير الدفاع الأمريكي تشاك هيجل وغيرهم من القيادات الأمريكية التي أشرفت على تنفيذ مخطط الانقلاب في أعقاب الإعلان عن فوز مرسي مباشرة في يونيو 2012م.
وأبانت أن دائرة السيسي تخشى من توظيف شخصيات مصرية في مواقع ذات حساسية في القطاعات المختلفة للضغط على النظام. فالسيسي وأجهزته ودائرته المقربة منزعجون من السياسات الإماراتية التي لم تتوافق كثيرا في الفترة الأخيرة مع المصالح المصرية، لكنه مكبل في تحركاته ضد النفوذ الإماراتي في القاهرة؛ ولا يستطيع الإقدام على خطوة خطوات خشنة ضد المصالح الإماراتية في مصر لعدم إلحاق مزيد من الخسائر بالاقتصاد المصري، مع تركز الوجود الإماراتي حاليا في القطاعات الاستثمارية والاقتصادية.
رسالة التفافية
ورأت الورقة أن الرسالة الأخرى كانت الإلحاح على فكرة «المفهوم الشامل لحقوق الإنسان»، وهي العبارة التي دأب السيسي على استخدامها من أجل التهرب من عدم التزامه بحقوق الإنسان، وذلك بالزعم أنه يملك مفهوما أعلى وأكثر شمولا لحقوق الإنسان. ويرى السيسي أن السعي لإسقاط الدول وتشريد شعوبها نتيجة الصراع السياسي وتضارب المصالح هما أخطر ممارسات انتهاك حقوق الإنسان، مدعيا أن مصر تحترم كل أنواع الحريات، كحرية المعتقد، والمساواة بين الجميع دونما تمييز، ويدعي احترام الحقوق الأولية للمواطن المصري، كالحق في السكن والصحة والتعليم والتنقل وحماية الروح".
واستدركت الورقة أن "السيسي يكرس الظلم والطبقية من جهة، وفشل بشكل كامل في توفير السكن المناسب أ الخدمات الصحية و التعليم المجاني، من جهة ثانية، كما أن هذا ليس مبررا لانتهاكات حقوق الإنسان والقتل خارج إطار القانون وتكميم الأفواه وتلفيق القضايا، وانعدام العدالة والمساواة، والزج بعشرات الآلاف من العلماء والمفكرين والدعاة إلى الله وشباب الثورة في السجون والمعتقلات بتهم سياسة ملفقة لا دليل عليها سوى تحريات أجهزته الأمنية".
6 تريليونات
وأشارت الورقة إلى أن الرسالة الخامسة، كانت موجهة للداخل، بالزعم أنه أنفق 6 تريليونات جنيه على مواجهة الفقر في مصر، كما أبرزت ذلك صحيفة الأهرام في مانشيت الخميس 13 يناير 2022م، فكيف يستقيم هذا مع زيادة معدلات الفقر في مصر خلال نفس الفترة؟ واستغل السيسي المنتدى للدعاية مجددا لمبادرة حياة كريمة بوصفها من أرقى المبادرات الإنسانية لمواجهة الفقر، دون أن يقدم معلومات مفيدة وموثقة بخلاف عبارات التفخيم والتسويق الدعائي.
وأكدت الورقة تجاهل السيسي الحقائق التي تؤكد أن عشرات الملايين سقطوا تحت خط الفقر بسبب سياساته النيوليبرالية المتوحشة، وإذعانه المطلق لشروط وإملاءات صندوق النقد الدولي، كما يتجاهل عمدا أن الديون تضخمت في عهده إلى مستويات مرعبة وصلت إلى 300% مقارنة بحجم الديون قبل اغتصابه للسلطة، ويتجاهل أنه فرض مئات الرسوم والضرائب ورفع جميع أسعار السلع والخدمات الحكومية إلى مستويات مرهقة لكل فئات الشعب.
هماز غماز
أما الرسالة السادسة، فقالت إنها "كانت الغمز المتواصل في ثورة 25 يناير من جهة، وجماعة الإخوان المسلمين من جهة أخرى؛ فقد ادعى السيسي أن الدولة المصرية كانت على وشك الانهيار الكامل، بسبب ما حدث في عام 2011، في إشارة إلى ثورة 25 يناير2011 في حين شهدت مصر أحد أعلى إيراداتها من السياحة خلال عامي 2011 و2012، بواقع 10.3 ملايين سائح و11.5 مليونا على الترتيب، ما يكذب حديثه الدائم عن انهيار الدولة بسبب الثورة".
وأضافت حول الإخوان، كشف السيسي أنه التقى السفيرة الأمريكية في 2011، فسألتني من سيحكم مصر؟ فقلت لها الإخوان. فقالت طب وبعدين؟ قلت لها وبعدين هيمشوا؛ لأن الشعب المصري لا يقاد بالقوة ، وميخشش الجامع والكنيسة بالعافية.
وأضافت الورقة أن تصريحات السيسي فيها كثير من التجني على الإخوان؛ لأنهم الفصيل الوحيد الذي وصل إلى حكم مصر بأصوات الشعب، بينما اغتصب السيسي الحكم بالقوة والعنف بأداة الانقلاب العسكري، كما أن الإخوان لم يجبروا أحدا على دخول المساجد، وكان العام الذي حكم فيه مرسي عام الحريات بحق ، فلم تشهد مصر طوال تاريخها كله مستويات من الحرية كالذي شهدته في عام حكم الإخوان، كما أن تصريحات السيسي تمثل اعترافا بارتكابه جريمة الخيانة العظمى؛ إذ كيف لمدير جهاز المخابرات الحربية في ذلك الوقت أن يناقش الشأن المصري الداخلي مع سفيرة دولة أجنبية على هذا النحو.
نزوة ديكتاتور
وذهبت الورقة إلى منتدى شباب العالم بنسخته الأخيرة الرابعة ، ما هو إلا نزوة من نزوات الدكتاتور، زينها له بعض مقربيه المنتفعين، فوافقت مزاجه النرجسي وذاته الممتلئة بجنون العظمة؛ لذلك يكون السيسي في أعلى حالات النشوة النفسية؛ وهو يخاطب المحيطين به بالندوات والمؤتمرات، وكأن ذاته تتغذى على تلك الأجواء التبجيلية المصطنعة، في محاولة لتقليد الطاغية عبدالناصر في تنظيمه الطليعي".
وأكدت أن المنتدى في جدواه لم يحقق شيئا سوى مكلمة يهذي فيها الدكتاتور كما يشاء، دون مراجعة أو حساب، ويقدر مركز “تكامل مصر” أن قيمة نفقات المنتدى بنحو 100 مليون دولار على الأقل؛ ألم يكن من الأولى توجيه هذه الأموال الطائلة لتوفير الطعام لبطون ملايين الجائعين من أبناء الشعب المصري؟