تقنين احتجاز المتهمين في مقر المخابرات ودور النيابة في التغطية على الانتهاكات

- ‎فيتقارير

القرار الجديد الذي اتخذه وزير الداخلية بحكومة الانقلاب اللواء محمود توفيق، ونشرته الجريدة الرسمية الثلاثاء 16 فبراير 2022م؛ بإدراج مقر المخابرات العامة بالعاصمة الإدارية الجديدة ضمن أماكن احتجاز المتهمين في القضايا التي تمس الأمن القومي وأمن الدولة من جهة الخارج، وصف قانونيون دوافعه بالخفية، وينذر بمزيد من الانتهاكات.  وكانت الجريدة الرسمية قد نشرت قرارًا مماثلًا لوزير الداخلية في مارس "2021" باعتبار مقار هيئة الرقابة الإدارية بالعاصمة الإدارية الجديدة ومحافظتي الشرقية وجنوب سيناء أماكن احتجاز للمتهمين في القضية التي ضبطت بواسطة الهيئة.

وينقل موقع "مدى مصر" عن المحامي جمال عيد، مدير الشبكة العربية لمعلومات حقوق الإنسان، أن القرار غريب ويعطي انطباعًا بأن وتيرة الانتهاكات التي تتم في السجون وأماكن الاحتجاز في طريقها للزيادة، موضحًا أنه بموجب الدستور والقوانين تخضع أماكن الاحتجاز لرقابة القضاء، ومن ثم فإذا كانت النيابة العامة المعنية بالرقابة لا تنفذ دورها حاليًا في الرقابة على السجون وأماكن الاحتجاز ولا تجري تحقيقات بشأن ما يحدث فيها من انتهاكات، فهي بالمثل لن تقوم بهذا الدور داخل مقر المخابرات التي تتبع رئيس الجمهورية، وغالبية أعضائها من العسكريين.

ويتساءل المحامي طارق خاطر عما إذا كان القرار خطوة استباقية من الحكومة استعدادًا للقبض على عدد من المتهمين في قضايا تجسس أو إرهاب أو غيرها أو أن القرار لتقنين وضع محبوسين حاليين بمقر الجهاز بالعاصمة، نتيجة اعتراضات خارجية مثلًا مرتبطة بقضية ريجيني أو قضايا مماثلة، أو أن الحكومة تضع ترتيبًا قانونيًا خاصًا للعاصمة الإدارية الجديدة. ويلفت إلى أنه في الوقت الحالي يتم احتجاز المتهمين في مقار غير معلن تخصيصها للاحتجاز مثل مقر أكاديمية الشرطة القديم بالعباسية، مشددًا أن لدينا مئات الشهادات عن احتجاز مواطنين وتعذيبهم بمقر الأمن الوطني هناك، ورغم ذلك لم يصدر قرارًا من وزارة الداخلية بإعلان إضافة هذا المقر إلى مقار الاحتجاز المرخص لها قانونًا.

 

غطاء النيابة على الانتهاكات

في سياق مقارب، واصلت النيابة العامة هراءها ودورها المشبوه في حماية الضباط المتورطين في التعذيب والانتهاكات؛ وأصدرت الثلاثاء 15 فبراير 2022م،  بيانا غريبا وشاذا في مغزاه ومحتواه، حيث زعمت أن تحقيقاتها أسفرت عن كذب واقعة تعذيب مساجين بقسم شرطة السلام، وتبين لها  ــ وفق بيانها المشبوه ــ  أن أربعة مساجين أحدثوا بأنفسهم إصابات داخل الحجز وصوروا المقطعين المتداولين بهاتف محمول مهرب، فيما تدعي تحريات الشرطة أن الواقعة تمت بتحريض من أشخاص داخل البلاد وخارجها لإثارة الفتن وبث الشائعات.

وكانت صحيفة الـ«جارديان» البريطانية، قد نشرت في 24 يناير الماضي "2022"، تقريرًا عن تعرض عدد من سجناء قسم شرطة السلام أول، في القاهرة، للتعذيب، استنادًا إلى مقطعي فيديو حصلت عليهما الصحيفة، مرجحة أن يكون تصويرهما تم في نوفمبر الماضي "2021".

مقطعا الفيديو اللذان امتنعت الـ«جارديان» عن نشرهما، ونشرتهما مواقع أخرى وقتها، أظهر أولهما محتجزين اثنين في ملابسهما الداخلية، معلقين من أذرعهما المعقودة خلف ظهريهما على شبكة معدنية، فيما يقول القائم بتصوير الفيديو إنهما معلقان منذ 13 ساعة. أما الفيديو الثاني فيظهر فيه عدد من السجناء داخل زنزانة وهم يكشفون عن كدمات متفرقة في أجسادهم، متهمين ضباط مباحث وقوة شرطة قسم السلام أول، الذين ذكروا أسمائهم، بالتسبب فيها بعد ضربهم بالشوم. وهو ما نفته وزارة الداخلية  بحكومة الانقلاب في اليوم التالي على لسان مصدر أمني تحدث للصحف الحكومية والخاصة، مدعيا فبركة الفيديوهين بهدف نشر الشائعات والأكاذيب، زاعما أن من نشرهما هو عنصر (هارب) بجماعة الإخوان المسلمين!

الغريب أن بيان النيابة جاء من أجل التغطية على المتورطين في جرائم التعذيب والانتهاكات داخل مقرات وأقسام الشرطة، لكن البيان للحق جاء في غاية العبث والهراء؛ إذا يدعي أن النيابة استجوبت أحد المحبوسين بالقسم في حضور محاميه، فأقر باتفاقه مع ذويه على تهريب هاتف محمول إلى داخل محبسه خلالَ زيارته بالقسم ليتواصل ذووه معه، فاستولى محبوسون آخرون بذات الحجز على الهاتف، واتفقوا على إحداث إصابات ببعضهم بمواضع متفرقة من أجسادهم باستخدام عملة معدنية كانت بحوزتهم، ثم صوروا المقطع المرئي المتداول، وأظهروا فيه إصاباتهم، وادعوا على خلاف الحقيقة تعرضهم لتعذيب بدني من ضباط الشرطة بالقسم، وأذاعه أحدهم! فهل يصدق عاقل هذا الهراء وتلك الأكاذيب؟! فالتعذيب في مصر ممنهج وشائع ومحاولات إنكاره منتهى الكذب والاحتيال لا ينطلي مطلقا على الشعب والرأي العام الذي بات يعرف كل شيء ولا ينخدع بماكينة الأكاذيب التي فقدت بريقها كما كانت قبل الانقلاب العسكري في يوليو 2013م وبعده بسنوات قليلة.