فى اللحظة التى كان فيها أهلُ فلسطين، مسلمين ومسيحيين، يحملون جثمان المغدورة «شيرين أبو عاقلة» ليواروه التراب وهم يرددون صيحات «الله أكبر» كان هنا فى مصر من يفتى بعدم جواز الترحُّم عليها والاستغفار لها، وسرعان ما احتدم الجدل وماعت القضية المحورية التى نُحرت لأجلها «أبو عاقلة»؛ ما يؤكد أننا بحاجة إلى العلم والفهم أولًا قبل أن نكون مخلصين.

إن هناك فرقًا كبيرًا بين الاستعلاء الإيمانى الذى يقطع علاقة المسلم بالجاهلية، والاستعلاء الكاذب الذى يحمل المرء على الكبر وتجاوز الحد وظلم الآخرين وانتقاصهم حقوقهم. إن الإيمان الحقيقى هو الذى يرعى الضعيف، ويسرُّ الحزين، ويواسى المكلوم، ويقيم العدل بين الناس. وهذا ما جعل النبى ﷺ يعتز بحضوره «حلف الفضول»، فى الجاهلية، والذى يعد من مفاخر العرب؛ يقول ﷺ: «شهدت حلف المطيبين مع عمومتى وأنا غلام، فما أحب أن لى به حمر النعم وأنى أنكثه»، ويقول ﷺ: «لقد شهدتُ فى دار عبد الله بن جدعان حلفًا ما أحب أن لى به حمر النعم، ولو دُعيت به فى الإسلام لأجبت».

إن كثيرًا ممن أفتوا بحرمة الترحُّم على «أبو عاقلة» ربما لم يعرفوا شكلها إلا بعد استشهادها، وأطلقوا فتواهم تلك بعد أن فتشوا فى سيرتها وعرفوا أنها مسيحية، فغضوا الطرف عن جهاد تلك المقدسية الحرة الممتد لربع قرن لتحرير الأقصى وفلسطين، ولو أدركوا ما قامت به ضمن كتيبة «الجزيرة» الصادقة لأحنوا لها الهامة، ولودعوها وداع المغاوير، لكنه حظ النفس الذى يحرف صاحبه عن العدل ويثنيه عن القسطاس المستقيم.

إن المسلم مطلوب منه أن يتعامل مع الناس فى جلب المصالح، ودرء المفاسد، وتبادل عواطف الود؛ «البلاد بلاد الله، والعباد عباد الله، فحيثما أصبت خيرًا فأقم»، ولا حرج فى أن يتعامل مع الناس وفقًا لقانون الأخلاق وحسن العشرة، بالكلمة الطيبة والعمل الصالح، فيقيم الصداقات، ويبرم العهود والصفقات.. فقد فرح النبى ﷺ بانتصار «النجاشى» على خصومه المحليين، وبانتصار النصارى على فارس؛ مما جاء أثره فى مطلع سور الروم.

ولا زال التاريخ شاهدًا على مواقف الوفاء الإسلامى لمن ناصر قضاياه من غير المسلمين، مثنيًا على أصحابها؛ فلم ينس موقف «المطعم بن عدى» مع النبى ﷺ يوم عودته من الطائف؟ قيل: لما عاد النبى ﷺ من الطائف وقد لقى ما لقى، أراد أن يدخل فى جوار أحد كبار مكة، فأرسل إلى سهيل بن عمرو فقال: إن بنى عامر لا تجير على بنى كعب، فأرسل إلى المطعم بن عدى، سيد قبيلة بنى نوفل، فدعا الرجل بنيه وقومه فقال: البسوا السلاح وكونوا عند أركان البيت فإنى قد أجرت محمدًا، فدخل النبى ﷺ ومعه زيد بن حارثة مكة حتى انتهى إلى المسجد الحرام فأدى النسك، فقام المطعم على راحلته فقال: يا معشر قريش! إنى قد أجرت محمدًا فلا يهجه أحد منكم.

والرجل نفسه «المطعم بن عدى» هو من شقَّ الصحيفة الجائرة مع أربعة آخرين فأُخرج المسلمون من شِعْبِ أبى طالب، وقد قدَّر النبى ﷺ صنيعه فقال يوم بدر فى أسارى المشركين: «لو كان المطعم بن عدى حيًّا ثم كلمنى فى هؤلاء النتنى لتركتهم له».

والسنة النبوية حافلة بالأحاديث التى تحض على بذل الحب للآخرين، مسلمين وغير مسلمين، وعدم التفرقة على أساس الدين أو اللون أو الجنس، فالمسلم مطلوبٌ منه القسط بين الناس جميعًا، وإحقاق الحق، والأمر بالمعروف، والنهى عن المنكر؛ لإصلاح البشر، ولتوصيل معانى الإيمان إلى جميع الناس؛ يقول النبى ﷺ: «الإيمان عفيف عن المحارم، عفيف عن المطامع»، ويقول ﷺ: «لكل شىء حقيقة، وما يبلغ العبد حقيقة الإيمان حتى يحب للناس ما يحب لنفسه، وحتى يأمن جاره بوائقه»، ويقول ﷺ: «ثلاث من الإيمان: إنفاق فى الإقتار، والإنصاف من نفسك، وبذل السلام للعالم».

والعدل الإسلامى يقتضى الإنصاف من النفس، والاعتراف بحقوق المخالفين؛ (وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآَنُ قَوْمٍ عَلَى أَلَّا تَعْدِلُوا اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ) [المائدة: 8]، ونظرة الإسلام إلى الناس نظرة إنسانية في المقام الأول، فهناك مساواة تامة فى الجانب الإنسانى، عن جابر بن عبد الله (رضى الله عنهما) قال: مرت جنازة فقام النبى ﷺ، فقلنا: يا رسول الله إنها جنازة يهودى، فقال ﷺ: «أوليست نفسًا؟ إذا رأيتم الجنازة فقوموا».

لقد أعطى الإسلام الإنسان، أى إنسان، الحق فى الحياة، وحرّم الاعتداء عليه، بل اعتبر قتل نفس واحدة بمثابة قتل الناس جميعًا، وشرع القصاص فى الأطراف والجروح، وشرع القصاص فى اللطمة واللكزة والضربة، وحرّم تعذيب الإنسان والإساءة إليه بسبٍّ أو قذفٍ أو غيبة، أو تجسس أو همز أو لمز أو تنابز بالألقاب، أو سخرية أو احتقار؛ يقول النبى ﷺ: «إن الله يعذب الذين يعذبون الناس فى الدنيا»، ويعد تخويف الإنسان وإرهابه، ولو لم ينتج عنه أذى مادى، جريمة فى حكم الشرع، باعتباره أذًى نفسيًّا لا يجوز أن يقع فى المجتمع المسلم؛ لما روَّع «عمر» يهوديًّا

أغلظ إلى رسول الله ﷺ أمر أن يعطيه عشرين صاعًا من تمر جزاء ما روَّعه.

وما أجمل ما فعله الهادى البشير ﷺ يوم فتح مكة من بسط مظلة الأمن والحماية على الجميع ما داموا داخلين فى زمرة المجتمع المسلم؛ لقد نزع اللواء من يد «سعد بن عبادة» (رضى الله عنه) ودفعه إلى ابنه «قيس»؛ لأنه أظهر الشماتة فى أهل مكة المشركين وقال -لمّا مرّ بأبى سفيان-: اليوم يوم الملحمة، اليوم تُستحلُّ الحرمة، اليوم أذلَّ الله قريشًا. لقد صحح النبى ﷺ هذا الشعار الظالم وقال له بلسان الإسلام: «بل اليوم يوم المرحمة، اليوم أعزّ الله قريشًا، اليوم تُعظَّم الكعبة».

Facebook Comments