جبال من الأسى والحزن تنتاب كل مصري غيور مخلص وعاشق لهذا الوطن من هذه الأوضاع المقلوبة؛ إذ كيف تستفزنا نكسة في مبارة كرة قدم أمام المنتخب الإثيوبيي، ولا ننتفض مطلقا للهزيمة الساحقة في ملف سد النهضة وإصرار إثيوبيا على تحويل النيل إلى بحيرة إثيوبية خالصة تتحكم في المياه إلى دولتي المصب مصر والسودان؟!
وكان المنتخب المصري لكرة القدم قد خسر مباراته الأسبوع الماضي أمام إثيوبيا بهدفين لصفر، في التصفيات المؤهلة لكأس الأمم الإفريقية القادم "كوت دي فوار 2023"، وهي الهزيمة التي استفزت قطاعات مصرية واسعة واعتبر اتحاد الكرة الهزيمة يوما أسودا في تاريخ مصر!
وهو وصف مستفز إذا علمنا أن النظام كله بدءا من رئيس الانقلاب وصولا إلى أصغر خفير في الداخلية لا يعتبرون الهزيمة الماحقة أمام إثيوبيا في ملف سد النهضة شيئا يستحق الاهتمام؛ فبدا الأمر هزلا وقت الفصل، وابتذالا وقت الجد. وبينما طالب كثيرون بإقالة المدير الفني الجديد للمنتخب إيهاب جلال الذي تولى منصبه قبل أقل من شهر، سكت كل هؤلاء عن المطالبة بإقالة السيسي بعد الهزيمة المرة أمام إثيوبيا.
النكسة الكروية أمام إثيوبيا شيء يمكن القبول به، حتى لو انهزمنا ألف مرة، بل حتى لو تم إلغاء الكرة تماما في مصر، لكن ما ليس مقبولا بالمرة هو الهزيمة المرة في ملف الأمن المائي الذي يمثل جوهر الأمن القومي في الصميم؛ لأن النكسة في مباراة قد تؤدي إلى غياب مصر من كأس الأمم المقبلة وهو أمر يمكن تجاوزه، لكن ما لم يمكن تجاوزه مطلقا هو ضياع النيل؛ لأن ملف المياه يهدد بمجاعة ودمارا شاملا للوجود المصري، إنه أشبه بإلقاء عشرة قنابل نووية من النوعية التي ألقتها الولايات المتحدة على اليابان في الحرب العالمية الثانية.
ورغم بشاعة الموقف إلا أن المشهد في مصر هزلي صارخ؛ فبيمنا يطالب كثيرون بإقالة إيهاب جلال الذي لم يأخذ فرصته بعد، لم يجرؤ أحدهم على تغيير السيسي رغم أنه أخذ فرصته كاملة وهو من تسبب فعليا في شرعنة بناء سد النهضة بالتوقيع على اتفاق المبادئ بالخرطوم مارس 2015م. وهو ما يتجه حاليا لشراء المياه من إثيوبيا في إقرار بالهزيمة أما إثيوبيا التي تمزقها حرب أهلية لدرجة أنها لم تتمكن من إقامة مباراتها أمام مصر في إثيوبيا بسبب سوء الأوضاع الأمنية وأقامتها في الجارة مالاوي.
معنى ذلك أن السيسي الذي يمارس أبشع صور التعذيب والانتهاكات بحق المصريين، يتلقى هزيمة مرة أمام شبه دولة منهارة ممزقة؛ ورغم ذلك لم يجرؤ أحد من دعاة الوطنية المغشوشة أن يصدع بالحق ويطالب بعزل السيسي؛ لأنه دمر مصر ومزق نسيجها الاجتماعي وحولها إلى ركام لا قدرة ولا تأثير ولا مكانة. فمصر السيسي ما هي إلى حارس في خدمة الكبار أمريكا وأوروبا وتتلقى الفتات من أثرياء الخليج وتتزلف للأمريكان بحماية الصهاينة وقمع الإسلاميين، ثم بعد ذلك ينتظرون أن تنهض البلاد وتتقدم؛ متى نهضت أمة بالظلم والطغيان؟ هيها هيهات!
لكن العجيب حقا هو عملية التحول الضخمة في شخصية المصريين، كيف تحولوا إلى هذه الدرجة؟ وكيف تمكن العسكر من تدمير الشخصية المصرية على هذا النحو المهين والمشين؟ كيف تحولنا إلى حفنة من الحمقي والمغفلين إلى هذا الحد وتلك الدرجة؟ كيف تستفزنا الهزيمة في مبارة كرة قدم ولا ننتفض لضياع النيل؟!