كشفت أحدث صور الأقمار الصناعية عن بدء إثيوبيا الملء الثالث لسد النهضة، أحاديا، وفق أستاذ الجيولوجيا والموارد المائية بجامعة القاهرة، الدكتور عباس شراقي.
ولم تعلن دولة الانقلاب في مصر أو السودان أن إثيوبيا أخطرتهما ببدء التخزين الثالث.
وترفض القاهرة والخرطوم أي خطوات أحادية في سد النهضة ، بينما يطالبان بالتوصل إلى اتفاق قانوني عادل وملزم ينظم عمليتي الملء والتشغيل.
وكتب شراقي، على صفحته بموقع التواصل الاجتماعي فيسبوك "بدأت المياه في تخطي مستوى البحيرة من العام الماضي، من خلال اختفاء بعض الجزر الصغيرة، واقتراب المياه نحو سد السرج (السد الركامي المقوس) وتبعد عنه بحوالي كيلومتر واحد مثل العام الماضي".
ويتوقع أستاذ الجيولوجيا استمرار الملء الثالث حتى نهاية الشهر الجاري أو مطلع شهر أغسطس المقبل، بسعة 4 إلى 5.5 مليار متر مكعب؛ ليتراوح إجمالي المياه المخزنة خلف سد النهضة بين 12 و13.5 مليار متر مكعب.
كان المدير العام لسد النهضة الإثيوبي، كيفلي هورو، قد أعلن أن التخزين الثالث سيكون في أغسطس وسبتمبر المقبلين، بينما أقر في لقاء متلفز مع قناة العربية أواخر مايو، لأول مرة، بوجود آثار جانبية على مصر والسودان من عملية الملء.
وتوقفت مفاوضات سد النهضة في أبريل ٢٠٢١، بعدما فشلت جولة التفاوض التي عقدها الاتحاد الإفريقي في كينشاسا، عاصمة الكونغو الديمقراطية، وأكدت القاهرة والخرطوم أن المفاوضات وصلت إلى طريق مسدود بسبب التعنت الإثيوبي.
ما تأثير الملء الثالث؟
ولا تزال قضية سد النهضة هي القضية الرئيسية، التي تشغل المصريين، من حيث تأثير مراحل الملء التي تقوم بها إثيوبيا بشكل آحادي، وكشفت صور الأقمار الصناعية استقرار مخزون سد النهضة عند 7 مليارات متر مكعب.
وقال الدكتور عدلي سعداوي، عضو المجلس المصري للشؤون الخارجية، عميد معهد البحوث والدراسات الاستراتيجية لدول حوض النيل، إن "إثيوبيا تسعى لحجز 18.5 مليار متر مكعب لتحقيق الملء الثالث ولن يستطيعوا أن يقوموا به نظرا لضيق الوقت، حيث يتبقى شهرًا واحدًا فقط".
وأضاف "سعداوي" في تصريحات صحفية، أن سد النهضة حاليا يحتوي على 7 أو 8 مليار متر مكعب كحد أقصى، ويحتاجون إلى تخزين 10.5مليار متر مكعب في ظل تعثر حركة البناء، لافتا إلى أن ما يتم حجزه سيخرج من احتياطي السد العالي.
وأوضح، أنه بالرغم من التجاوزات التي تقوم بها إثيوبيا ، إلا أن مصر قادرة على التعامل مع التهديد المائي، والاستمرار في الملء الأحادي لن يصل إلى شيء.
وأشار عميد معهد البحوث الاستراتيجية لدول حوض النيل، إلي جهود الوساطة الإماراتية والجزائرية، وغيرها لتقريب وجهات النظر بين جميع الأطراف، مضيفا أن مع كل ملء تتعقد الأمور وتزداد حالة الاحتقان.
عسكر مصر فى غيبوبة
وفي دراسة سابقة،أعدت مؤسسة "ماعت" للسلام والتنمية دراسة عن آثار الملء الثاني لسد النهضة على دول حوض النيل.
وأوضحت الدراسة أن هناك مخاطر للسد الإثيوبي على مصر والسودان، مؤكدة أن بناء سد النهضة كمشروع تنموي قد لاقى ترحيب كل من مصر والسودان، باعتبار أن لكل دولة الحق في تنمية مواردها، ولكن شرط عدم الإضرار بمصالح باقي الدول، الأمر الذي يتفق مع المواثيق والقوانين الدولية ذات الصلة.
وأضافت أن هناك العديد من الآثار الاقتصادية والاجتماعية والأمنية التي قد تؤثر على الأمن والسلم الإقليميين، ويأتى منها تأثير سد النهضة على الزراعة، فتعاني مصر بعيدا عن سد النهضة من فقر مائي، حيث تحصل سنويا على حصتها المحددة باتفاقية 1959 بينها وبين السودان على نحو 55.5 مليار متر مكعب، وهي النسبة التي لم تتغير رغم زيادة عدد السكان بشكل كبير، الأمر الذي أدى إلى وجود عجز مائي لمصر يبلغ 22 مليار متر مكعب سنويا، وهو ما يمثل حوالي 40% من حصتها المقررة.
وانخفض نصيب الفرد في مصر إلى ما يقرب من 625 متر مكعب سنويا من المياه العذبة المتجددة بعد أن وصل تعداد السكان إلى 100 مليون نسمة في عام 2017 والمرشح للزيادة، وهو انخفاض دون حد الشح المائي والذي يقدر حسب المؤشرات العالمية بحوالي ألف متر مكعب سنويا.
وأكدت الدراسة أنه يعد القطاع الزراعي أحد أهم موارد الاقتصاد المصري، حيث يساهم في نحو 15% من إجمالي الناتج المحلي الإجمالي، وحوالي 20% من الصادرات، كما يعمل بالزراعة 30% من إجمالي قوة العمل المصرية، ويعيش في الريف نحو 60% من السكان. وتستورد مصر سنويا منتجات زراعية لتغطية حاجة السكان الغذائية بنحو 90 مليار جنيه سنويا، مضيفة أنه وفقا لبعض الدراسات، سيؤدي سد النهضة إلى انخفاض رقعة الأراضي الزراعية في صعيد مصر بنسبة 29.47%، وفي الدلتا بنسبة 23.03%.
ويعمل بقطاع الزراعة أكثر من 6 ملايين شخص، وسيؤدي انخفاض مليار متر مكعب فقط من حصة مصر المائية إلى تأثر نحو 200 ألف أسرة، وبالتالي في حالة الملء الأحادي لأثيوبيا، من المتوقع أن تخسر مصر نحو 10 مليار متر مكعب، الأمر الذي يعني تضرر نحو مليوني أسرة مصرية.
شبح الصومال سيناريوهات مفزعة
بحسب تقرير موقع منظمة "إعلاميون حول العالم" بعنوان "الموت عطشا أم غرقا ؟ سد النهضة القصة الكاملة".
بحساب المدة التي حددتها أثيوبيا لملء بحيرة السد، وهي 3 سنوات، سيتم حرمان مصر من نصيب ضخم من حصتها المائية سيضرب زراعتها في مقتل و يتسبب في تصحر ما بين 3- 4 ملايين فدان من جملة 8 ملايين، أي نحو نصف المساحة الزراعية في مصر، و إفقار مصر مائيا إلى درجة خطيرة و سيبدأ السيناريو الكارثي التالي:
1- مع بداية نقص المياه ستبدأ حتما صراعات قاتلة بين الفلاحين و اضطرابات عظيمة تبدد السلم الاجتماعي.
2- مع شح المياه سيبدأ الفلاحون في مصر بعمل آبار لسحب المياه الجوفية و مياه الصرف بكثافة بماكينات الري مما يؤدي لتلويث الأرض بزيادة نسبة الملوحة و تركيز السموم في التربة نتيجة تسرب و تراكم المبيدات و بقايا الأسمدة النيتروجينية، التي استخدمها الفلاحون سابقا على مدى عشرات السنين، إلى المياه الجوفية و مياه الصرف.
3- مع البخر و النسبة التي يمتصها النبات في كل إعادة استخدام لهذه المياه الملوثة تقل كمية المياه و تزيد نسبة ملوحتها و سميتها على النبات و الإنسان و الحيوان.
4- مع انخفاض منسوب المياه في النيل ستفشل المزارع السمكية في النيل و ملحقاته و ستنخفض كمية الأسماك الطبيعية في النيل و تضيع أرزاق قطاع كبير من الصيادين.
5- سوف تأسن العديد من الترع و المصارف نتيجة عدم تجدد المياه و ستنبعث منها الروائح و الحشرات و تكون سببا مباشرا في تفشي أوبئة و أمراض خطيرة.
6- مع انكشاف النيل ستنتهي السياحة النيلية و ستضرب السياحة في أسوان وغيرها من المناطق التي يشكل النيل جزءً من مقاصدها السياحية.
7- ستفنى كمية المياه الجوفية بسرعة قياسية نتيجة عدم التجديد بعد أن فقدت خاصية التجديد التي كانت تتسرب إليها سنويا من الترع و المصارف.
8- بتبوير ملايين الأفدنة، سوف تنضم الأسر إلى فئة معدومي الدخل، مما يهدد بمجاعة كبرى لن تجدي معها أي مساعدات خارجية أو أي إجراءات تقشف داخلية.
9- ستنخفض الثروة الحيوانية ربما إلى النصف أو أكثر فلن يعد هناك مجال لزراعة و إنتاج الأعلاف.
10- مع جفاف الأراضي و انعدام الماء في مناطق شاسعة من الوادي سيزداد المناخ سوءا و تتقدم الصحراء تجاه الأراضي الخصبة و تزداد نسب العواصف الرملية التي يتضرر منها مزيد من الأراضي و الزراعات.
11- سيؤدي ضعف مصر وعجزها الاقتصادي و انكفائها على الكارثة الداخلية إلى تجرؤ الخصوم على انتهاك سيادتها الوطنية و الطمع في أراضيها و ما تبقى من حقوقها و مواردها و التنصل من أي اتفاقات أو معاهدات لا تحقق مصالحهم.
إن تداعيات الانخفاض الخطير في حصة مصر المائية بسبب سد النهضة الأثيوبي لا تقتصر على ما ذكر، فتفاعلات نقص المياه أعقد من أن يتم حصرها و التنبؤ بها كاملة.
إن مصر مقبلة على سيناريو الصومال، لاسيما إن بقي النظام الانقلابي الحالي بفشله و غبائه و عجزه عن إدارة الدولة قبل الكارثة، فضلاً عن إدارة أزمة بهذا الحجم و تلك الخطورة.