تذكرت مشهدا من الفيلم الملحمي Troy، عندما بكى «أخيل» جثمان «هكتور» الطروادي خصمه وعدوه وقاتل ابن عمه، بعد أن ظفر به وقتله في نزال أسطوري، الموت له هيبة، من المفترض أن تذكرنا بقيمة الراحلين، حتى إن اختلفنا معهم. الموت في كثير من الأحيان، يجمع الفرقاء، يلم شمل الخصوم، يقف الأعداء الشرفاء إزاءه في إجلال.
في عملٍ إنساني لا يختلف اثنان على تقديره، انهالت رسائل التعزية من قبل الحكومات العربية والإسلامية والمؤسسات الدينية الرسمية في وفاة الملكة إليزابيث ملكة بريطانيا، وحتى التيارات السلفية التي يعتبرها البعض تيارات متشددة، أصدرت فتاواها بجواز التعزية، وهذا أمر جيد لا شك فيه.
حدث ذلك، على الرغم من الإرث المرهِق للاستعمار البريطاني في العالم العربي والإسلامي، الذي ما زالت الأمة تعاني مخلفاته على الأصعدة كافة، السياسية والاقتصادية والفكرية والاجتماعية، لكننا تناسينا كل ذلك في حضرة الموت.

تتفق أو تختلف مع الشيخ القرضاوي، لكنه رحل عن عالمنا، وأفضى إلى ما قدم، فلم الإصرار على المضي تحت مظلة التصنيف، حتى مع الأموات؟

لكن مع الأسف الشديد، نعيش حالة من الانتقائية في التعامل مع الموت، تتفق وتوجهاتنا السياسية وأيديولوجياتنا، ربما ظهر ذلك جليا في وفاة الشيخ يوسف القرضاوي الرئيس السابق للاتحاد العالمي لعلماء المسلمين.
رغم التفاعل الجماهيري واسع النطاق في الأمة مع هذا الحدث، إلا أن السياسة كان لها رأي آخر، بدّدت حدود الأدب المتبعة مع الموت، وأطل التصنيف برأسه في حضرة ذلك الزائر الذي لطالما مرّغ أنوفا في التراب كانت تحسب أنها تخرق الأرض أو تبلغ الجبال طولا.
في مصر على سبيل المثال، تجاهل الأزهر – الذي ينتمي إليه الشيخ القرضاوي، ويعد من أبرز رموزه العلمية في القرن العشرين – الإشارة بشكل أو بآخر لوفاة الشيخ، ولم يصدر أي بيان تعزية، كما هو المتبع من هذه المؤسسة حال وفاة الرموز العلمية داخل مصر وخارجها، إضافة إلى أن هناك من تحدث عن رسائل لأئمة وخطباء المساجد من قبل وزارة الأوقاف، تحذرهم من إقامة صلاة الغائب على القرضاوي، أو الحديث عن مناقبه في المساجد. علمت أن الشيخ محمد سيد طنطاوي شيخ الأزهر سابقا في عهد مبارك، حضر جنازة الشيخ سيد سابق، صاحب كتاب «فقه السنة»، الذي كان أزهري الثقافة والتعليم، وفي الوقت نفسه ينتمي لجماعة الإخوان المسلمين، وتجد في هذا الكتاب المذكور، تقديما للشيخ حسن البنا مؤسس جماعة الإخوان المسلمين، فهكذا يُحترم الموت، فما الذي تغير؟ إنه النظام الذي جعل الناس يترحمون على حكم الرئيس الأسبق محمد حسني مبارك.
أتفهم أن الأزهر مؤسسة تابعة للدولة، وليس من القوة بما يسمح بمخالفة توجهات النظام، الذي رفع راية العداء ضد التيار الإسلامي عامة، وتيار الإسلام السياسي الممثل في جماعة الإخوان، وكل من له صلة ولو لم يكن من التنظيم، كحال الشيخ القرضاوي المرتبط بعلاقات تاريخية مع الجماعة، ويعد الأب الروحي والمرجعية العلمية للجماعة. لكن لماذا هذا الإصرار من النظام على معاداة هذا الفصيل الذي تقبع عناصره تحت التراب، أو خلف القضبان أو في المنفى؟ وما الذي يضير النظام في السماح بالترحم على رجل ميت أفضى إلى ما قدّم، برسالة تعزية أو بتصريح قصير، ينعي عالما أزهري الثقافة، له باع في العلم ونشر وسطية الإسلام؟ وفي بلاد الحرمين تصف صحيفة عكاظ عبر «انفوغراف» نشرته، الشيخ القرضاوي بأنه مفتٍ للإرهاب، ومثير للفتن، الأمر ذاته في الإمارات، إذ روجت صحيفة «العين» الإماراتية لخبر الوفاة على أنه قوبل بالهجوم على الشيخ بدلا من الترحم عليه، بخلاف ما دل عليه واقع الجماهير التي تفاعلت بقوة مع الحدث، فينشر الموقع الإماراتي خبرا بعنوان «الإرث الصعب يغالب دعوات الرحمة»، لدعم فكرة شيطنة القرضاوي وأنه شيخ الإرهاب.
تتفق أو تختلف مع الشيخ القرضاوي، لكنه رجل رحل عن عالمنا، وأفضى إلى ما قدم، فلم الإصرار على المضي قدما تحت مظلة التصنيف، حتى مع الأموات؟ لقد كان الشيخ قبل ثورات الربيع مقربا من حكومات دول الخليج، وذا مكانة في أوساطها العلمية، وينظر إليه على أنه صوت الفقه الإسلامي الوسطي، الذي يتبع مدرسة التيسير، واعتبره البعض من المجددين في الفقه الإسلامي في هذا العصر، لكن بعد ثورات الربيع التي دعمها القرضاوي، وما تبعها من ثورات مضادة هاجمها الشيخ، اتخذت الحكومات العربية موقفا متعنتا من الرجل يتفرع عن موقفها تجاه الثورات العربية.
إن القاعدة التي ينبغي اتباعها في مثل هذا الظرف: «لست مطالبا بالتقديس، ولكن ينبغي لك عدم التدنيس»، لا ندعو الناس لتقديس الرموز والأشخاص، لكن لم ندنس سيرة أناس كانت لهم أيادٍ بيضاء في حياتهم، حتى إن بدرت منهم الزلات؟! ينبغي أن لا نبخس الناس أشياءهم، وينبغي لنا أن لا نخترق حرمة الموت وجلاله، لمجرد أن هذا الشخص له توجه ما، أو يتبع جماعة ما، أو خالفنا في شيء أو أشياء، ففي النهاية قد انقطع عمله في الحياة الدنيا، وأفضى إلى ما قدم، فتأدبوا أيها القوم في حضرة الموت، والله غالب على أمره ولكن أكثر الناس لا يعلمون.

………….

نقلا عن "القدس العربي" 

Facebook Comments