الغش التجاري تزايد في الأسواق المصرية بصورة غير مسبوقة في زمن عصابة العسكر التي لجأت إلى غش السلع لتسميم وقتل المصريين ، ومع ارتفاع الأسعار زادت أشكال الغش التي يمارسها بعض التجار من معدومي الضمير بداية من خفض وزن السلع أو عرضها بأسعار مرتفعة، أو استخدام مكونات رديئة في تصنيع وإصلاح السلع المعمرة مثل الثلاجات والتليفزيونات وغيرها من الأدوات الكهربائية التي لا تدوم سوى أشهر ثم تتعرض للتلف.
التداعيات المأساوية للغش شهدتها مصر في العديد من الظواهر منها الحرائق التي نشبت خلال عام 2021 والتي بلغ عددها 51533 حريقا، واحتل الماس الكهربائي المركز الثاني لأسباب نشوب الحرائق بنسبة 21٫1% أي بواقع 10863 حريقا، وذلك بسبب غش الأسلاك الكهربائية كما يتم التلاعب في قطع غيار السيارات وإعادة استخدام الإطارات القديمة لتباع على أنها منتجات جديدة، وهو ما أسفر عن وقوع العديد من الحوادث وتبين من فحص بعض السيارات عقب هذه الحوادث أن معدومي الضمير يقومون بجمع الإطارات القديمة وكشط كامل للإطار للتخلص من «المداسات» القديمة ثم يتم تنظيفه وإعادة صقله وإزالة المطاط المقطوع والأسلاك ورش الإطار بمواد لإزالة الأتربة، وبعدها يتم تركيب طبقة مطاطية جديدة، وعمل «المداس» الجديد، ويقوم فني بعمل النقشة الجديدة.
لم يتوقف الغش على الإطارات فقط، فمع النقص الشديد في قطع غيار السيارات في الأسواق نتيجة توقف الاستيراد، لجأ البعض إلى غش تيل الفرامل وإعادة ملئه بمواد محلية وبيعه في بعض المحال أو لدى بعض الحرفيين، وتكون النتيجة تلفه بسرعة، مما ينتج عنه عشرات الحوادث يوميا يروح ضحيتها الأبرياء، ناهيك عن الضحايا الذين يفقدون حياتهم كل يوم بسبب الأدوية المغشوشة التي تباع عبر الإنترنت أو تلك التي تروجها شركات مجهولة وتباع في بعض الصيدليات.
السلع الغذائية
حول هذه الظاهرة قال الدكتور مصطفى عبدالرؤوف راشد، خبير إدارة الأزمات بجامعة سوهاج، إن "الغش التجاري انتشر مؤخرا بشكل كبير ليشمل كافة أنواع السلع والمنتجات، مع أنه في الأساس مصطلح قانوني بحت يقصد به عدم استيفاء أحد المنتجات الغذائية الشروط الفنية والقانونية، وأحد أنواعه وأشكاله المتعددة هو إضافة بعض المواد أو تقليلها من سلعة أو منتج معين، حتى يفقد قيمته الفعلية".
وأضاف راشد في تصريحات صحفية أن الغش التجاري مرتبط ارتباطا شديدا بالسلع الغذائية، ولكن بعد انتشار ما يسمى بالتسويق الإلكتروني عبر مواقع التواصل الاجتماعي ، ومسارعة بعض أصحاب الشركات والمصانع للترويج لمنتجاتها من أجل ضمان تحقيق أكبر قدر من الانتشار وتوزيع المنتجات بطريقة سهلة أصبح الأمر أكثر تعقيدا، فكثيرا ما نسمع عن الغش الإلكتروني، فالمعروض إلكترونيا غير الموجود بالفعل، من حيث الجودة والنوعية أو حتى السعر المعلن.
وحذر من توغل مشكلة الغش الإلكتروني في كافة المنتجات سواء كانت غذائية (صناعية أو زراعية) أو ملابس أو منتجات كهربائية، والتي أصبحت تؤرق المواطنين في ظل الأزمات الاقتصادية الصعبة التي يمر بها الجميع، والتي قد يتولد عنها مشكلات أخرى، مثل اختفاء منتجات بعينها من السوق وظهور منتجات بديلة أقل منها في الجودة وأعلى في السعر.
وأوضح راشد أن هناك عددا من الأطراف مشتركة في انتشار هذه المشكلة، فالمواطن طرف فيها بتخاذله عن الإبلاغ عن حالات الغش التجاري، وكذلك أصحاب المصانع والشركات والمحلات الذين يسعون لتحقيق أكبر قدر من التوزيع بأقل قدر من التكلفة، كما تعد الأجهزة الرقابية شريكا أساسيا في انتشارها بتقاعسها عن القيام بدورها المنوط بها على أكمل وجه .
موت المواطنين
وأكد الخبير القانوني أيمن محفوظ، أن الغش التجاري أصبح متفشيا ولا يستثني سلعة من وجود الغش بداية من الأغذية والأدوية وحتى الأجهزة الكهربائية وغيرها من المنتجات، مشيرا إلى أن من أمثلة تلك التجارة غير المشروعة بيع سمك الأرنب السام أو لحوم الحمير والكلاب وغيرها والتي تسببت في موت العديد من المواطنين.
وقال «محفوظ» في نصريحات صحفية إن "تداول مثل هذه المنتجات يواجهها القانون وتتدرج عقوبة بائعيها لتصل إلى السجن المؤبد إذا نتج عن تناولها وفاة أكثر من شخص، أما في حالة بيع سلع غير مطابقة للمواصفات الصحية فإن الجاني يقع تحت طائلة قانون مكافحة الغش التجاري رقم 281 لسنة 1994 الذي ينص على عقوبة الحبس والغرامة لمدة لا تقل عن سنة وتصل إلى المؤبد إذا كانت الأدوية مشغوشة أو مجهولة المصدر".
وأكد أن أخطر سلع تتعرض للغش الآن هي الأدوية ، محذرا المواطنين من شراء الأدوية أو مشتقاتها إلا من الصيدليات الموثوق بها حفاظا على الأرواح .
ولفت «محفوظ» إلى أن أهم أسباب زيادة المنتجات المغشوشة، عدم وعي المواطن واللهاث وراء أي منتج لمجرد أن له إعلانات أبطالها نجوم مشهورين أو وعود وهمية بتأثيرات خيالية لبعض المنتجات على القدرة الصحية أو الجسدية.
الأدوية
وقال: "في حالة الإعلان عن تلك السلع الضارة عن طريق الإنترنت يكون المعلن مخالفا لقانون مكافحة الجرائم المعلوماتية رقم 175 لسنة 2018، وإذا كان الإعلان عن تلك الأدوية يتم من خلال أشخاص غير مؤهلين لبيع الأدوية فإنهم يخضعون للتجريم بموجب قانون الصيدلة والعقوبات تتراوح ما بين الحبس والغرامة".
وأوضح «محفوظ» أن الحيل التي يلجأ إليها مصنعو السلع حاليا تتضمن وضع وزن للعبوة المباعة على خلاف ما يعتقده المستهلك ويكتب على العبوة وزنها الفعلي، إلا أن هذا يعد أحد صور الغش التجاري المعاقب عليه بقانون الغش والتدليس، وتكون العقوبة في هذه الحالة بالحبس مدة لا تقل عن سنة وغرامة لا تقل عن خمسة آلاف جنيه ولا تتجاوز عشرين ألف جنيه أو ما يعادل قيمة السلعة موضوع الجريمة أيهما أكبر، كما نص القانون على أن يعاقب بإحدى هاتين العقوبتين كل من خدع أو شرع في أن يخدع المتعاقد معه بأية طريقة من الطرق.
وأكد أن إنقاص الوزن عمدا يعد أحد صور التدليس والغش، موضحا أن الجهات الرقابية لا تقوم باتخاذ أي إجراءات في مثل هذه الحالات رغم نص القانون.
وشدد «محفوظ» على أن قانون حماية المستهلك ينص على حماية المستهلك من هذا التدليس، ورغم الحجج التي تطلقها بعض الشركات مثل وجود بيانات الوزن إلا أن عدم وجود تسعيره للمنتج يجعل المستهلك لعبة في يد الشركات.