كشف المؤتمر الصحفي الذي عقده مصطفى مدبولي رئيس وزراء الانقلاب بزعم مواجهة ارتفاع الأسعار واتهام التجار بالجشع والاحتكار عن فشل نظام الانقلاب الدموي بقيادة عبدالفتاح السيسي في مواجهة الأزمات الاقتصادية وخضوعه لتعليمات وإملاءات صندوق النقد الدولي الذي يخطط لتجويع المصريين وإفلاس البلاد ورهن سيادتها وقراراتها للخارج .
المؤتمر الذي يتعمد رئيس وزراء الانقلاب عقده أثناء سفر السيسي للخارج محاولة لاقناع الداخل بأن نظام الانقلاب برئ من كل الكوارث التي لحقت بالشعب المصري وفي نفس الوقت إلقاء التهمة على التجار وكأن التجار هم الذين أصدروا قرارات بتخفيض قيمة الجنيه أمام الدولار أو رفع أسعار الفائدة أو الخضوع لإملاءات صندوق النقد، وهكذا يسير نظام السيسي على طريقة المثل “يكاد المريب أن يقول خذوني” .
وفي نفس الوقت يوجه المؤتمر رسالة إلى الخارج خاصة أثناء تواجد السيسي مع الأمريكان داعمي انقلابه ، ليؤكد لهم أنه رهن إشارتهم وأنه ينفذ تعليماتهم كما يقول كتاب العسكر .
تبديد القروض
فضائح السيسي كشفها “تيموثي كالداس” باحث متخصص في الاقتصاد المصري والذي أكد أن السيسي بدد أموال القروض التي حصلت عليها دولة العسكر على مشتريات السلاح والمشاريع الضخمة غير الضرورية مثل العاصمة الإدارية والقصور الرئاسية وغيرها.
وقال “كالداس” في سلسلة تغريدات إن “الدين الخارجي لمصر وحده زاد بمقدار 100 مليار دولار منذ أن وضع صندوق النقد الدولي خطة بزعم إنقاذ البلاد في 2016”
وأشار إلى أنه رغم القروض الضخمة التي حصلت عليها دولة العسكر فقد ارتفع الفقر وزادت البطالة ، مؤكدا أن مصر في زمن العسكر تواجه أزمة اقتصادية خانقة .
وأوضح “كالداس” أن النخب التابعة لنظام “السيسي” استخدمت القروض لتمويل مشاريع ضخمة غير ضرورية، بما في ذلك العاصمة الجديدة ، لافتا إلى أن تلك النخب قامت بتحويل العقود إلى شركات مملوكة لعصابة العسكر الذين أجور وعملات فلكية من دولة العسكر المتعثرة ماليا .
وكشف أن السيسي بدد أموال القروض على مشتريات الأسلحة، على سبيل المثال ذهب 40٪ من صادرات الأسلحة الألمانية العام الماضي إلى السيسي كما طلب السيسي أكبر كمية من الأسلحة من فرنسا بين عامي 2012 و2021، بقيمة 12.3 مليار يورو، وطلب كميات من الأسلحة من الاتحاد الأوروبي ويقال إن “إيطاليا على وشك إبرام صفقة أسلحة بقيمة 3 مليارات دولار مع السيسي وكانت تناقش صفقة تتراوح ما بين 9 إلى 11 مليار دولار من قبل”.
وأضاف “كالداس” بينما حجبت الولايات المتحدة ما يزيد عن 200 مليون دولار من المساعدات العسكرية هذا العام بسبب حقوق الإنسان، فقد وافقت على بيع أسلحة بقيمة 2.5 مليار دولار إلى السيسي في نفس الوقت.
وأكد أن صفقات الأسلحة أغرقت مصر بالديون، وشجعت رؤوس الأموال الأجنبية على النظر بطريقة أخرى في إصلاحات الاقتصاد الفاشلة وانتهاكات حقوق الإنسان .
وأشار “كالداس”إلى أن المصريين سيظلون، يعاقبون بدون وجه حق بسبب تواطؤ السيسي مع القوى العالمية التي قامت مجتمعة وبشكل أرعن بإغراق دولة العسكر في الديون بدون أن يعود ذلك بأي فوائد اقتصادية على عامة الناس، والآن لم يعد السيسي قادرا على الاقتراض لإنقاذ البلاد وسوف تستمر معاناة المصريين .
وأوضح أن المصاعب المالية التي تواجهها دولة العسكر أجبرت السيسي على تخفيض قيمة الجنيه بنسبة كبيرة حيث فقد الجنيه المصري 36 بالمائة من قيمته أمام الدولار الأمريكي خلال العام 2022، وهذا ساهم في ارتفاع التضخم بشكل حاد، حتى بلغت نسبته 18.7 بالمائة الشهر الماضي .
أزمة اقتصادية
وقالت منظمة “كاونتر فاير” لمحاربة الفقر إن “تفاقم الديون في عهد نظام الانقلاب بقيادة السيسي ، ما هو إلا تعبير حاد عن أزمة اقتصادية أكثر اتساعا”.
وأكدت المنظمة في مقال نشرته عبر موقعها الرسمي للكاتب جون كارك إن “مصر انتقلت تحت حكم النظام الغاشم للسيسي، إلى الصفوف الأمامية لأزمة الديون التي تهدد البلدان الفقيرة والمضطهدة حول العالم بعواقب كارثية”.
وحذرت من أن تفاقم الدين تعبير رهيب عن الحالة التي تثقل بها الإمبريالية كاهل البلدان الفقيرة، وكذلك يكشف عن أشكال الاستغلال التي تفرزها تلك الحالة، داعية الحركات العمالية إلى المطالبة بوضع حد لهذا الاستغلال من خلال إلغاء الديون التي تشكل عبئا بالغ القسوة على شعوب العالم الفقيرة.
انهيار تاريخي
وقال المحلل السياسي والاقتصادي محمد السيد إن “الحالة المزرية التي وصلت إليها مصر في ظل نظام الانقلاب الفاسد المبدد لثروات الشعب المصري، جعلته يعجز تماما عن إيجاد مخرج لكوارثه المتلاحقة في إدارة البلاد بعد تفاقم عجز الموازنة، وارتفاع الدين الخارجي بشكل غير مسبوق”.
وأكد السيد في تصريحات صحفية أن هذه الأوضاع أدت إلى انهيار تاريخي لقيمة الجنيه أمام الدولار، والخضوع للشروط المجحفة من صندوق النقد الدولي للحصول على المزيد من القروض .
وأضاف أن محاولة نظام الانقلاب تعظيم إيراداته بفرض المزيد من الضرائب لم يعد كافيا، فعاد إلى ما طرح من قبل عام 2018 بالكشف عن الحسابات البنكية، وخرق قانون البنك المركزي والجهاز المصرفي والنقد في المادة 97، التي تنص على أن تكون جميع حسابات العملاء وودائعهم وأماناتهم وخزائنهم في البنوك، وكذلك المعاملات المتعلقة بها سرية، ولا يجوز الاطلاع عليها أو إعطاء بيانات عنها بطريق مباشر أو غير مباشر، إلا بإذن كتابي من صاحب الحساب أو الوديعة أو الأمانة أو الخزينة، أو من أحد ورثته أو أحد الموصى لهم بكل أو بعض هذه الأموال، أو من النائب القانوني أو الوكيل المفوض في ذلك، أو بناء على حكم قضائي أو حكم محكمين .
وكشف السيد أنه عندما رفض محافظ البنك المركزي السابق طارق عامر مشروع القانون وقتها، بدعوى أن هذا الإجراء سيكون له عواقب سلبية على المستثمرين ورؤوس الأموال تراجع السيسي ، موضحا أن القانون الذي يسعى الآن نظام الانقلاب لاستصداره، يأتي في نفس سياق الحصول على المزيد من الأموال، لكن على حساب المودعين بدلا من فتح آفاق جديدة للاستثمار لجذب أموال المستثمرين ودعم الصناعة لزيادة الصادرات.
دائرة جهنمية
وطالب الدكتور جودة عبدالخالق، أستاذ الاقتصاد بجامعة القاهرة بضرورة فض الاشتباك بين الجنيه المصري والدولار ، مؤكدا أن الولايات المتحدة الأمريكية ليست أهم شريك لمصر؛ سواء بمعيار الاستثمار أو القروض أو المساعدات أو السياحة أو الدين.
وقال عبد الخالق في تصريحات صحفية “لا معنى لربط الجنيه المصري بالدولار، علينا إعادة النظر في تلك المسألة وأن نربطه بسلة عملات، لأن الأمر يحقق استقرارا أكبر للجنيه، ويتيح قدرا أكبر من التنافسية، وإمكانية زيادة الصادرات وتقليل الواردات بشكل منطقي” .
وكشف أن ربط الجنيه بالدولار وضع شاذ بكل المقاييس من الناحية الاقتصادية مشددا على ضرورة عدم ترك رؤوس الأموال الساخنة طليقة تخرج وتدخل كيفما تشاء .
ولفت عبد الخالق إلى خروج أكثر من 20 مليار دولار أموال ساخنة في مارس الماضي، موضحا أنه مع كل تطور في الخارج ورفع المركزي الأمريكي لسعر الفائدة تخرج تلك الأموال، وإذا أردنا أن تتجه الأوضاع للتحسن، علينا وضع ضوابط على حركة رؤوس الأموال الساخنة، ولو دخلت يجب أن تبقى معنا .
وشدد على أن إدارة الاقتصاد الكلي تحتاج لمراجعة في ضوء “أ، ب، اقتصاد”، وأن يتصدى الاقتصاديون وليس غيرهم، لهذا العمل.
وأوضح عبد الخالق أن المفاوضات مع صندوق النقد الدولي انتهت على مستوى الخبراء، ومن المقرر أن يوقع نظام الانقلاب على مستوى مجلس المديرين اتفاقا رسميا، ويحصل على تمويل من الصندوق وكيانات أخرى ، لافتا إلى أننا لو نظرنا للاتفاق الحالي، والاتفاق الموقع عام 2016، لوجدنا أنفسنا في المربع الأول مرة أخرى ونلجأ ثانية للصندوق، وطالب دولة العسكر بإعادة النظر في بعض السياسات؛ لتحاشي تلك الدائرة الجهنمية .