رغم أن حديقة الحيوان بمصر هي إحدى المتنفسات الهامة للمصريين للتنزه طوال العام، وفي الأعياد والمناسبات، إلا أن عصابة الصناديق السيادية بمصر أوصدت أبوابها بوجه الفقراء.
ولأن المصريين اعتادوا من السفاح السيسي قول ما لا يفعل وفعل ما لا يقول، فقد صدمهم قرار غلق حديقة الحيوان الأسبوع المقبل، ولمدة عام كامل، بزعم أعمال التطوير، ونقل الحيوانات إلى مكان مجهول، وكما تعهد الانقلاب العسكري بجعل مصر “قد الدنيا” و “أم الدنيا” حتى صارت تشحت لقمة العيش شرقا وغربا، زعم أنه سيجعل حديقة الجيزة تنافس حديقة الحيوان بلندن .
إلى العاصمة الجديدة
وحديقة الحيوان مسجلة كأثر تاريخي، وتقع على مساحة 80 فدانا، وأنشئت عام 1891، وهي الثانية بالعالم بعد برلين، والأولى في النباتات والأشجار النادرة، وكانت تسمى جوهرة التاج لحدائق الحيوان بأفريقيا، وتعد من أعرق 4 حدائق من حيث تاريخ الإنشاء مع حدائق فيينا وباريس ولندن.
ورغم مرور 116 عاما على افتتاح حديقة الحيوان، قرر الاتحاد الدولي لحدائق الحيوان خروج الحديقة من التصنيف الدولي، فيما تحجج مدير الحديقة رشاد رحيم، بسوء حالتها في تصريحات إعلامية، وزعم أن الرجوع للتصنيف الدولي يحتاج لعمل حديقة حرة لا يُحبس فيها حيوان، وتصل رسوم دخولها لـ500 جنيه، في حين ما زال رسم دخول الحديقة 5 جنيهات فقط .
وكان قد تم استبعاد مصر من عضوية الاتحاد الدولي لحدائق الحيوان “WAZA” عام 2004، بسبب المعاملة السيئة التي تلقاها بعض الحيوانات كربط الأفيال بالسلاسل المعدنية.
وفي تعليقه يعتقد الخبير الاقتصادي إبراهيم نوار، أن القرار تمهيد إلى نقلها للعاصمة الإدارية، ومن ثم بيع أرضها الممتدة الأطراف قرب نيل الجيزة للمستثمرين، قائلا “أعتقد أن حديقة الحيوان في طريقها للزوال”.
وكانت وزارة الزراعة قد فتحت الباب للجدل في يونيو 2018، بتصريح حول دراستها نقل الحيوانات آكلة اللحوم بحديقة الحيوانات بالجيزة لصحراء العاصمة الإدارية.
وفي سؤال حول احتمال اعتبار ذلك مقدمة لنقل الحديقة والحيوانات منها للعاصمة الإدارية الجديدة وبيع أرضها للمستثمرين، توقع الخبير الاقتصادي أحمد خزيم، أن تأتي الإمارات بمستثمريها لشراء أرض الحديقة الاستراتيجية بعدة مليارات وبثمن بخس لا يليق بقيمتها السوقية ومكانتها التاريخية، مضيفا أن عصابة الصناديق في النهاية سوف تعلن أن هذا البيع يأتي في ظل الاستثمار الخارجي.
وحول القيمة السوقية لحديقة الحيوان وعبر عملية حسابية قام بها الكاتب الصحفي الراحل صبحي بحيري، أكد أنها نحو 1.6 مليار دولار، وقال عبر فيسبوك “حديقة الحيوان بالجيزة مساحتها 80 فدانا ، وهي من أكبر الحدائق مساحة على مستوى العالم، والفدان 4200 متر، يعني 336 ألف متر، لو المتر بـ5 آلاف دولار يبقى الناتج 1.6 مليار دولار بالجنيه، اضرب في 18 يكون الناتج 30 مليار جنيه”.
آخر متنفس للبسطاء
وكشف مصدر بوزارة الزراعة واستصلاح الأراضي، في وقت سابق، تفاصيل عملية بيع حديقة الحيوان وحديقة الأورمان، وأكد أن ذلك سيتم تحت ستار عملية تطوير الأصول المملوكة للدولة، وفقا لتوجيهات عصابة الصناديق السيادية التي يقودها السفاح السيسي.
وأوضح أن عملية البيع ستكون بالتعاون مع وزارة الإنتاج الحربي، موضحا أن المقترح هو تكوين تحالف يضم مجموعة من الشركات الكبرى ، بزعم تطوير وتشغيل وإدارة حديقتي الحيوان والأورمان بالجيزة، وما تتضمنه من أعمال لإعادة إحيائهما، وما بهما من مبان أثرية وتاريخية، ومساحات خضراء.
يقول أحد النشطاء “يعني أول سؤال يتبادر إلى ذهن تلميذ في رابعة ابتدائي إيه علاقة الإنتاج الحربي بحديقة الحيوان؟ حينتجوا فيل مدرع مثلا، أسد بريموت كونترول، صقر مفخخ بالقنابل، أي إنسان يدرك فورا أنها سبوبة وإسناد الأمر لغير أهله”.
ويتخوف اقتصاديون، من بيع الكثير من الأصول إلى أبوظبي، التي توسع نفوذها بشكل كبير، بعد أن قدمت دعما ماليا وسياسيا للسفاح السيسي، الذي كان وزيرا للدفاع حينما أطاح الجيش، بالرئيس المنتخب الشهيد محمد مرسي، في الثالث من يوليو 2013 بعد عام واحد من وصوله للحكم.
ورغم المساعدات السخية من الإمارات والسعودية والكويت، والديون الضخمة التي أضافها السفاح السيسي لمصر خلال سنوات الانقلاب الماضية، تواجه مصر صعوبات مالية، في ظل إهدار مئات مليارات الجنيهات في مشروعات من دون جدوى اقتصادية، منها إنشاء العاصمة الإدارية الجديدة في صحراء شرق القاهرة، وشق تفريعة جديدة لقناة السويس من دون أن تدخل أي عوائد مالية للدولة، وشبكة طرق وكباري تخدم سكان العاصمة الجديدة.
ووفق مراقبين واقتصاديين قفز الدين المحلي، منذ انقلاب السفاح السيسي بنسبة 147 في المائة، حيث استدان من البنوك المحلية أكثر من ضعف ما استدانه خمسة رؤساء سابقين تعاقبوا على حكم مصر منذ أكثر من 60 عاما، وكان عام 2022، الذي وصل اليوم إلى نهايته، حافلا بالصفقات الإماراتية المحمومة للاستحواذ على شركات وأصول مملوكة للمصريين ذات بعد إستراتيجي، رغم التحذيرات السياسية والاقتصادية لعصابة الصناديق بعدم التخلي عن أصول المصريين، إلا أن الاستغلال كان عنوانا للاندفاع الإماراتي نحو عقد صفقات شراء بمقابل زهيد، لقاء مساندة عصابة الانقلاب في أزمتها الاقتصادية الراهنة، ودعم ملفها للحصول على قرض جديد من صندوق النقد الدولي.
بدأ الاستحواذ بأسهم في شركات مطروحة في البورصة المصرية، مرورا بأصول حكومية، حتى وصل إلى مناطق سكنية كاملة يتم إخلاؤها الآن بالقوة لتسليمها إلى مستثمر إماراتي في أقرب وقت ممكن.
واستلزم حسم الملف نهائيا زيارة من محمد بن زايد، رئيس دولة الإمارات، إلى السفاح السيسي، لمناقشة الاستثمارات الإماراتية في مصر، التي تعطل بعضها مؤخرا لأسباب مختلفة.
بدأت المفاوضات للاستحواذ على حصص حكومية في شركات مصرية كبرى، منذ أشهر، حين اتجهت مؤشرات الاقتصاد المصري إلى الانهيار بوتيرة ملحوظة، لتظهر الإمارات في المشهد كمنقذ يمد يديه إلى عصابة الانقلاب، ولكن من دون مساعدات مجانية.