في الساعات الأخيرة قبل الإعلان ألغت أجهزة الدكتاتور عبدالفتاح السيسي النسخة الخامسة من منتدى شباب العالم الذي كان مقررا انعقاده في مدينة شرم الشيخ في الفترة من 26 إلى 28 فبراير الجاري (2023). وبينما أعلنت رشا راغب المدير التنفيذي للأكاديمية الوطنية للتدريب أن السبب الرسمي في إلغاء النسخة الخامسة، بحسب الكلمة التي ألقتها في المؤتمر الصحفي، هو دعوة لتنفيذ التنمية بدلًا من مناقشة سُبل تحقيقها. إلا أن عدة مصادر حكومية مطلعة تعزو أسباب الإلغاء إلى خمسة أسباب رئيسية، أبرزها أزمة الدولار ورفض رجال أعمال خليجيين ومصريين تحمل نفقات استقدام وإقامة الضيوف. وثالثها، تحذيرات مؤسسات دولية ودول الخليج من الإنفاق من الصناديق والشركات العامة في أنشطة بلا عائد، ورابع الأسباب هو تخوف أجهزة السيسي الأمنية من محتوى المنتدى حال تطرقت النقاشات إلى الوضع الاقتصادي. وخامس الأسباب هو ما يقد يستتبعه من استفزاز لقطاعات شعبية كبيرة حال تم انعقاده في ظل التدهور الحاد في مستويات المعيشة والأوضاع الاقتصادية.
كانت إدارة منتدى شباب العالم، قد أعلنت الجمعة 03 فبراير 23م، عن مؤتمر صحفي يقام في اليوم التالي (السبت) للإعلان عن تفاصيل النسخة الخامسة من «منتدى شباب العالم» الذي يقام سنويا منذ 2017م بمدينة شرم الشيخ بجنوب سيناء. فيما وعدت سارة بدر المتحدثة باسم المنتدى بمفاجأة خلال فعاليات النسخة الخامسة؛ وخلال المؤتمر الصحفي الذي أقيم بحديقة متحف الحضارات، السبت 04 فبراير، أعلنت إدارة المنتدى إلغاء نسخته الخامسة لهذا العام، وتوجيه عوائد حقوق الرعاية التي كانت مخصصة لتنظيمه لتنفيذ حزمة من المشروعات والبرامج.
وحول تفاصيل ما جرى، يكشف أحد أعضاء البرنامج الرئاسي ــ حسب موقع "مدى مصر" ـ أنه على مدار الأسبوع السابق للمؤتمر الصحفي، كان الاتجاه يسير نحو أن يُعلن بشكل رسمي في مؤتمر السبت الماضي، عن عقد النسخة الخامسة من المنتدى، حتى إنه استُقر على عقد المنتدى أيام 26 و27 و28 فبراير الجاري، وجرى التواصل بشكل أولي مع عدد من المنظمات الأممية عبر مكاتبها في القاهرة لإبلاغهم بموعد المنتدى للحصول على قوائم الشخصيات التي ستشارك من خارج مصر، قبل أن تُبلّغ إدارة المنتدى من قبل جهة سيادية، قبل يوم واحد من انعقاد المؤتمر الصحفي، بالإلغاء.
أسباب الإلغاء الحقيقية
وينقل موقع «مدى مصر» عن مصدرين حكوميين مطلعين يعملان في البرنامج الرئاسي لتأهيل الشباب للقيادة، طلبا عدم ذكر اسميهما، إن السبب الفعلي وراء قرار الإلغاء هذا العام، يعود إلى أزمة الدولار التي تواجهها الحكومة، بالإضافة إلى تعذر التوصل لاتفاق مع رعاة لتحمل التكلفة. السبب الثالث أرجعه مصدر ثالث مطلع على إجراءات تنظيم المنتدى لـ«مدى مصر»، بعدما طلب عدم ذكر اسمه، إلى رفض دول الخليج المشاركة في تحمل تكلفة أي من أنشطة المنتدى، وإفادة رجال الأعمال الخليجيين الذين تحملوا جزءًا من تكاليف استقدام وإقامة الضيوف في النسخ السابقة من المنتدى، بعدم قدرتهم على تقديم الدعم هذا العام. وأوضح المصدر الثالث أن الاتجاه السائد من دول الخليج في المرحلة الحالية هو عدم تقديم الدعم المالي لأي أنشطة لا تدر عائدًا مباشرًا، لافتًا إلى أنهم يتابعون أنشطة الدولة الاقتصادية جنبًا إلى جنب مع مؤسسات التمويل الدولية. وأشار المصدر الثالث إلى أن إدارة المنتدى كان لديها خيار لإقامة المنتدى بالإنفاق من الصناديق الخاصة أو الشركات التابعة لها، ولكنها استبعدت هذا الخيار بسبب اعتبارات أولويات الإنفاق التي تراقب عليها المؤسسات الدولية. وأضاف المصدر أنه إلى جانب رجال الأعمال الخليجيين، هناك عدد من رجال الأعمال المصريين أبلغوا إدارة المنتدى بعدم قدرتهم على المشاركة في تحمل تكاليف المنتدى أيضًا. ويشرح أحد المصدرين بالبرنامج الرئاسي، آلية التمويل التى اتُبعت على مدار النسخ السابقة، قائلًا: «في النسخ السابقة، كان يتحمل تكلفة التنظيم وإقامة الوفود وتنقلاتها والمطالب اللوجيستية ثلاث جهات: الأولى تتمثل في عدد من البنوك، منها الحكومي والخاص، والثانية رجال أعمال يتحملون جزءًا من التكلفة، والثالثة كانت فنادق شرم الشيخ التي تستضيف بعض الوفود بشكل مجاني كمساهمة منها في تكاليف المنتدى، لكن جرى إبلاغنا بعدم وجود رعاة لهذه النسخة».
إلى جانب اعتبارات التمويل، اتفقت المصادر الثلاثة على وجود اعتراضات أمنية على عقد المنتدى، واستضافة عدد من الشباب والضيوف من خارج البلاد، والتكفل برعايتهم لما قد يمثله من استفزاز للمواطنين المضغوطين اقتصاديًا. وبحسب المصدر الثالث، تخوفت الأجهزة الأمنية من محتوى المنتدى، ومن حدوث أي ارتجال خلال أي من جلساته، بما يسهم في استفزاز الناس، وطالبت بإلغاء المنتدى، تحسبًا لرد فعل رواد السوشيال ميديا، ومنعًا لعقد مقارنات بين صور الإنفاق في شرم الشيخ والأوضاع الاقتصادية لقطاع كبير من المواطنين.
بدأت ملامح منتدى شباب العالم خلال المؤتمر الوطني للشباب بالإسماعيلية، في أبريل 2017، عندما عرض الحاضرون فكرة على السيسي لإقامة حوار مع شباب العالم، واقتنع السيسي بالفكرة، وأعلن خلال فعاليات المؤتمر الوطني للشباب بالإسكندرية، في 24 يوليو من نفس العام، عن إطلاق منتدى لشباب العالم يقام في مدينة شرم الشيخ، داعيًا الشباب من جميع دول العالم ليعبّروا عن رأيهم، وانطلق أول منتدى في نوفمبر 2017. ووفقًا لإدارة المنتدى، بلغ عدد المشاركين في السنوات الأربع للمؤتمر ما يقرب من 20 ألف شاب وفتاة من 164 دولة، وما يزيد عن 500 متحدث في 180 جلسة نقاشية وورش عمل. كل ذلك على حساب مصر دون أي عائد يذكر سوى أن السيسي كان يجد منفسا لمزيد من الثرثرة والتباهي وإهدار عدة مليارات بلا جدوى حقيقية كان يمكن أن توجه لبناء المزيد من المدارس والمستشفيات أو المصانع.