تواجه مهنة الطب البيطري خطورة الانقراض في زمن الانقلاب الدموي بقيادة عبدالفتاح السيسي الذي لا يهتم بالحفاظ على غذاء المصريين وحماية صحتهم، ما تسبب في انتشار الكثير من الأمراض بينهم، كما يهدد انقراض هذه المهنة الثروة الحيوانية والداجنة والتي تراجع حجم إنتاج مصر منها في السنوات الآخيرة، ما أدى إلى راتفاع الأسعار بصورة جنونية.
مهنة الطب البيطري رغم الأهمية الكبيرة لها إلا أنها تعاني حاليا من أزمة عنيفة قد تؤدي إلى نتائج وعواقب وخيمة على المجتمع كله، خاصة أن هناك عجزا كبيرا في الأعداد المفترض تعيينها، يصل إلى 10 آلاف طبيب يفترض أن يكونوا موجودين في المراكز والمستشفيات البيطرية في مختلف المحافظات، بينما كان العجز في عام 2015 يقدر بنحو 6500 طبيب.
يشار إلى أن آخر دفعة تم تعيينها كانت في عام 1994 أي منذ 28 عاما، ومنذ ذلك الحين يقتصر الأمر على مسابقات لم تعين أكثر من 2156 طبيبا خلال 5 سنوات منذ 2015 وحتى 2020، ولذلك الوضع أصبح خطيرا والمهنة تحتضر، لأن من تم تعيينهم عام 1994 اقتربوا الآن من سن المعاش، وبالتالي لن ينقلوا خبراتهم التي اكتسبوها على مر السنين إلى أجيال جديدة من الشباب، وهذه مشكلة يجب الانتباه إليها قبل فوات الأوان.
سلامة الغذاء
من جانبه حذر الدكتور خالد سليم، نقيب الأطباء البيطريين من خطورة العجز الذي تعاني منه مهنة الطبيب البيطري، مؤكدا أن الأزمة التي تمر بها هذه المهنة ستؤثر في المجتمع كله.
وقال سليم في تصريحات صحفية “نمتلك 20 كلية حكومية و3 كليات خاصة، موضحا إذا كان الطبيب البشري هو طبيب الإنسان، فإن الطبيب البيطري هو طبيب الإنسانية كلها والمسئول الأول عن صحة الإنسان والحيوان، لأن ثلاثة من كل أربعة أمراض تصيب الإنسان أصلها من منشأ حيواني، وهنا تأتي أهمية دور الطبيب البيطري باعتباره خط الدفاع الأول للوقاية من الأمراض التي تصيب الإنسان والحيوان معا، ويوفر على الدول الكثير من الأموال التي يتم إنفاقها على القطاع الصحي”.
وأضاف أن الطبيب البيطري يصاحب الإنسان عندما يتناول إفطاره بكوب اللبن أو البيضة، ثم يكمل معه الرحلة طوال اليوم في كل ما هو بروتين من أصل حيواني بمختلف أنواعه سواء لحوم أودواجن أو أسماك أو مصنعات لحوم وألبان، وهذا يساوي 50% من إجمالي ما يتناوله الإنسان على مدار يومه، وبالتالي الطبيب البيطري يصاحب الإنسان منذ استيقاظه وحتى منامه، وهذا يؤكد الأهمية الكبيرة لهذه المهنة.
وأشار سليم إلى أن عدد سكان مصر يتجاوز 100 مليون نسمة وهو ما يحتاج إلى عدد رهيب من الأطباء البيطريين لضمان حماية سلامة الغذاء للمواطن، لكن للأسف عدد الأطباء البيطريين الذين يقومون بالتفتيش على سلامة الغذاء في المحافظات ضئيل جدا، مؤكدا أن محافظة القاهرة لا يوجد بها سوى 8 أطباء بيطريين فقط، ومحافظة الجيزة 6 فقط، وهذه أرقام ضئيلة جدا بسبب توقف تعيين خريجي الطب البيطري منذ عام 1995.
ولفت إلى أن جهاز التنظيم والإدارة في 2015 كشف أن مصر تحتاج إلى تعيين 6500 طبيب بيطري، لكن حكومة الانقلاب وقتها قسمت هذا العدد إلى 3 دفعات، تم تعيين الأولى منها بنحو 2156 طبيبا على خمس سنوات بعد عناء شديد انتهت في 2020، ولم يتم تعيين الدفعات الثانية أو الثالثة حتى الآن.
وأوضح سليم أن من تم تعيينهم في دفعة 1994 الآن أعمارهم نحو 50 عاما واقتربوا من سن المعاش، ولا يوجد جيل جديد يتعلم منهم الخبرات التي اكتسبوها، مشيرا إلى أن الطبيب البيطري يحتاج إلى 5 سنوات تدريب حتى يكتسب الخبرة والكفاءة المطلوبة، لكننا بهذا الوضع سنواجه مشكلة كبيرة في السنوات المقبلة.
وأكد أن عدد الأطباء البيطريين الموجودين حاليا في الهيئة العامة للخدمات البيطرية ومديريات الطب البيطري في مختلف المحافظات 8 آلاف طبيب فقط، مشددا على أن هذا العدد لا يكفي إطلاقا لمراقبة سلامة الغذاء والتفتيش على الأماكن التي تحتوي على الغذاء ذي الأصل الحيواني، فضلا عن العلاج والوقاية وإجراء التحصينات والعمليات العلاجية وغيرها من الأدوار المنوط بها الطب البيطري.
الثروة الحيوانية
وقال الدكتور سامي طه، نقيب الأطباء البيطريين الأسبق، إن “الطب البيطري يعتبر الذراع التنفيذية لحماية الثروة الحيوانية وصحة الإنسان، سواء من الأمراض المشتركة أو سلامة الغذاء”. موضحا أنه حينما تطلب نقابة الطب البيطري تعيين أطباء لسد العجز فهي لا تطالب بحقوق أعضائها فقط، وإنما تطالب بحق المواطن في صحة جيدة وسلامة الغذاء، لأن الوطن هو من يخسر نتيجة نقص أعداد الأطباء البيطريين.
وأوضح طه في تصريحات صحفية أن 50% من فاتورة الغذاء للمواطن المصري على الأقل من أصل حيواني أو داجني، وفي ظل الأزمة الاقتصادية الحالية، فإننا نتوقع زيادة أكبر لمعدلات الغش في الغذاء، وهنا تصبح الحاجة ماسة للتعيين الفوري لما لا يقل عن 10 آلاف طبيب بيطري، من أجل الحفاظ على صحة الإنسان قبل كل شيء.
وأشار إلى أن هناك بحثا صادرا عن معهد الأورام يشير إلى أن 70% من أمراض مصر ناتجة عن تلوث غذائي سواء أورام أو غيرها، كما أن هناك بحثا آخر صادر عن كلية الطب البشري بجامعة الزقازيق يشير إلى أن اللحوم المستوردة المخزنة إذا لم تفحص جيدا فإنها تسبب فشلا كلويا للأطفال، كما أن كلية الطب البيطري بجامعة أسيوط نشرت بحثا أشارت فيه إلى أنه لو أن بقرة واحدة تعاني مرض الدرن «السل» فإنها تكلف الدولة ما لا يقل عن 2 مليون جنيه على علاج المواطنين بعد تناولهم لحم هذه البقرة بعد ذبحها.
وطالب طه حكومة الانقلاب بتعيين أطباء بيطريين وسد العجز لأن ذلك في صالح الوطن قبل أي شيء، موضحا أن السبب الرئيسي فيما وصلنا إليه الآن هو تنازع الاختصاصات بين وزارتي الصحة والزراعة بحكومة الانقلاب بخصوص إصدار تراخيص ممارسة المهنة والإشراف على المهنة.
وكشف أنه في عام 2015 تم الاتفاق على أن الاحتياجات الفعلية لمصر من الأطباء البيطريين هي 6500 طبيب، وكان قرار التعيين جاهزا على التصديق لولا اعتراض مالية الانقلاب التي لم تمول سوى 30% فقط من هذا العدد، كما تم تكليف وزارتي الزراعة والمالية بحكومة الانقلاب وقتها بعمل مشروع لتكليف الأطباء البيطريين، لكن لم يتم تنفيذه.
الأمراض الوبائية
وقال الدكتور هاني كمال، كبير إخصائيين بقطاع تنمية الثروة الحيوانية والداجنة بزراعة الانقلاب، إن “دور الطبيب البيطري في تنمية الثروة الحيوانية لا غنى عنه، موضحا أن الطبيب البيطري يتابع كل ما يخص الثروة الحيوانية والداجنة والسمكية، سواء في الداخل أو المستوردة من الخارج، في شكل رؤوس حية أو لحوم جاهزة، بالإضافة إلى حماية الثروة الحيوانية من الأمراض الوبائية الموسمية والكشف المستمر لوصف العلاجات والتحصينات اللازمة”.
وأوضح كمال في تصريحات صحفية أن الطب البيطري كان عاملا مؤثرا في تحقيق الاكتفاء الذاتي من الدواجن وبيض المائدة والوصول إلى اكتفاء بنسبة 60% من اللحوم الحمراء، لافتا إلى أن هذه الثروة تحتاج إلى من يحميها ويحافظ عليها وهم الأطباء البيطريون الذين يهتمون بالجانب الصحي للحيوان، فضلا عن دورهم في التحصينات، لأنهم المنوط بهم تحديد نوع المرض والتحصين المطلوب وموعده، وهل التحصين محفوظ جيدا وصالح للاستخدام وسيحقق النتائج المطلوبة أم لا ؟.