لغز «حلوان للأسمدة».. السيسي يبيع شركة تربح سنويا (100) مليون دولار!

- ‎فيتقارير

الموجة الجديدة للخصخصة التي يتبناها بعنف وإصرار نظام الدكتاتور عبدالفتاح السيسي، تختلف كليا عن المحطات السابقة؛ ذلك أن النظام العسكري قديما كان يبرر الخصخصة التي بدأت مع صدور القانون رقم 203 لسنة 1991، بالتخلص من الشركات الخاسرة في وزارة قطاع الأعمال العام (تم حصر 314 شركة وقتها)؛ أما اليوم فإن الخصخصة باتت هدفا بحد ذاتها وطالت قطاعات حساسة للغاية، والهدف منها هو بيع الشركات الناجحة والتي تتحقق أرباحا كبرى للدولة لتكون مليكتها لشركات أجنبية أو حيتان القطاع الخاص. وبذلك يتجه السيسي لبيع أصول الدولة  المربحة من أجل سد الفجوة الدولارية التي تصل  إلى نحو (30) مليار دولار سنويا كتسديد فوائد الديون التي اقترضها خلال السنوات الماضية حيث تبلغ قيمة فوائد الديون وأقساطها في مشروع موازنة "2022/2023" نحو  1,655 تريليون جنيه، بينما تبلغ كل موارد الدولة المتوقعة في مشروع الموازنة نحو (1.517) تريليون جنيه فقط! وكذلك بهدف توفير السيولة التي يحتاج إليها لاستكمال مشروعاته العملاقة التي لم يستفد منها الاقتصاد المصري بشيء وتسببت في أزمة السيولة التي تفاقمت بعد ذلك بسبب تداعيات تفشي جائحة  كوورنا والغزو الروسي لأوكرانيا.

 

أرباح سنوية (101) مليون دولار

وتبرز شركة «حلوان للأسمدة» على قائمة شركات برنامج الطروحات الحكومية الذي أعلن عنه مجلس الوزراء يوم الأربعاء 08 فبراير23م، والتي يتجه النظام إلى بيعها كليا لمستمر خليجي استراتيجي لتوفير  شيء من السيولة الدولارية التي يحتاج إليها النظام بشدة. وينقل موقع "مدى مصر" عن  العضو المنتدب بإحدى شركات تداول الأوراق المالية، أحمد أبو حسين، أن «حلوان للأسمدة» إحدى الشركات الحكومية التي تُحقق أرباحًا كبيرة، في العامين الأخيرين تحديدًا، مرجحًا أنه في حال قيدها بالبورصة أمام المستثمرين الأفراد ستكون إحدى الشركات صاحبة الآداء القوي. واعتبر أبو حسين أن توسيع قاعدة الملكية لـ«حلوان للأسمدة» سيكون أفضل من البيع لمستثمر استراتيجي، خاصة أن سوق البتروكيماويات عمومًا هو مجال جاذب للاستثمار، ويمكننا القياس على ذلك من خلال التدقيق في نتائج أعمال الشركات الحكومية المُدرجة ضمن القطاع، مثل «أبو قير للأسمدة». تضاعفت أرباح الشركة خلال النصف الأول من السنة المالية الجارية لنحو 126% لتصعد إلى 7.2 مليار جنيه.

وحسب التقرير فإن شركة حلوان للأسمدة ــ وفقًا لآخر إحصائيات معلنة من قبل الشركة عن العام 2021 ــ حققت صافي ربح قيمته 101.9 مليون دولار، ومعدل نمو 110% مُقارنة بأرباح 2020.

وتعمل «حلوان للأسمدة» في مجالين رئيسين ضمن قطاع الصناعات الكيماوية: الأول إنتاج أسمدة اليوريا، 679 ألف طن سنويًا، بالإضافة إلى إنتاج الأمونيا، 434 ألف طن.

 

الأولوية لتوفير الدولار

وحسب مصدر مُراقب لشركات الأسمدة المحلية على قوائم البورصة فإن العامل الرئيس في عملية طرح "حلوان للأسمدة" هو توفير الحصيلة الدولارية، التي ستكون العامل الأساسي في تحديد موقف الحكومة من الشركة بين طرح حصة منها في البورصة أو بيعها إلى مستثمر استراتيجي، خاصة أن الدولة تسعى حاليًا لتدبير أكبر قدر ممكن من العملة الصعبة لحل أزمة الشُح التي تُعاني منها خلال الشهور الأخيرة. وأضاف أن الطرح في البورصة يعني أن عمليات شراء الأسهم ستكون بالجنيه، عكس الحال حين بيع الحصة لمستثمر أجنبي، والذي سيوفر عملة صعبة، ما سيُساعد الدولة في تحقيق هدفها من برنامج الطروحات بشكل عام، خاصة بالنظر إلى إمكانات «حلوان للأسمدة» المتزايدة في الفترة الأخيرة.

وحسب التقرير، يدعم تلك النظرة، أفضلية قطاع البتروكيماويات والأسمدة تحديدًا بين الصناعات الأساسية الجاذبة لاهتمام رجال الأعمال والصناديق السيادية العربية والخليجية على وجه الخصوص، وفقًا للمصدر الذي أشار إلى بيع مصر حصص بشركتين تابعتين من بين نحو سبع شركات تملكها الدولة تنتج الأسمدة، مضيفًا: «نسمع أخبارًا شبه مؤكدة عن رغبة الصندوق السيادي القطري في شراء حصة من شركة حكومية ثالثة هي كيما أسوان للأسمدة».

وباعت مصر حصة بنك الاستثمار القومي بالكامل في «أبوقير للأسمدة» إلى القابضة «ADQ» الإماراتية، في أبريل من العام الماضي، والبالغة 21.5% بقيمة 391.9 مليون دولار، وبمتوسط سعر 1.44 دولار للسهم، كما باعت لـ«القابضة» نفسها 20% من شركة موبكو للأسمدة مُقابل 266.6 مليون دولار، وبمتوسط سعر بلغ 5.82 دولار للسهم.

يبلغ رأسمال «حلوان للأسمدة» نحو 150 مليون دولار، وتؤول 98% من ملكيتها لمجموعة مؤسسات حكومية، تحوز «القابضة للصناعات المعدنية» على الأغلبية بواقع 20% بعد أن اشترت مؤخرًا حصة شركة «النصر للكوك» التي خضعت للتصفية، فيما يتوزع هيكل الملكية المتبقي بين «أبو قير للأسمدة» 17%، ثم صندوق التأمينات الاجتماعية لموظفي الحكومة بـ15%، ووزارة الزراعة بـ10%، وبنك الاستثمار القومي مثلها، و«مصر للتأمين» 6%، و«بنك فيصل الإسلامي» و«ميد بنك» و«مصر لتأمينات الحياة» وصندوق التأمين الاجتماعي لموظفي القطاعين العام والخاص، 5% لكل منها، وشركة تيسن كروب 2%.

أفضلية بيع «حلوان للأسمدة» يدعمها حسب المصدر بالشركة، المشروعات الجديدة التي تعمل عليها الشركة، وأبرزها مشروع إنتاج الميلامين، الذي يهدف لتعظيم القيمة المضافة لفائض الأمونيا ‏بتحويلها إلى أسمدة اليوريا، ومن ثم تعظيم القيمة المضافة لليوريا نفسها لإنتاج ما يزيد على 50 ألف طن ‏سنويًا من الميلامين، وهو المشروع الذي أكدت دراسات الجدوى أنه سيُحقق هامش ربح بنحو 20% تقريبًا، فيما تتجاوز استثماراته نحو 300 مليون دولار.

وتمثل موجة الخصخصة الأخيرة خطوة شديدة على الأمن القومي المصري؛ حيث يتجه السيسي بإصرار نحو بيع شركات حيوية في ملفات بالغة الحساسية للأمن القومي مثل قطاعات الكهرباء والمياه والنقل البري والبحري كالسكك الحديدية والمترو والموانئ وهي قطاعات تمثل رمزا على سيادة الدولة واستقلالها. فالمستفيد الأول من هذه الخصخصة هي الشركات الأجنبية وصناديق الاستثمار الخليجية،  وحيتان السيسي من رجال الأعمال.

ويضرب بتجربة مصر في الخصخصة المثل في سوء الإدارة، وذلك لعدة أسباب: أولها أنها تتم بعيدا عن رقابة صاحب الملكية وهو الشعب، حيث تتبنى الحكومة هذه التوجهات وتمضي في تنفيذها دون اكتراث لمواقف الشعب ورفضه للخصخصة، لا سيما وأن نظام الحكم في مصر مثل معظم البلاد العربية لا يتمتع بشرعية التفويض الشعبي عبر أدوات الديمقراطية الصحيحة، كما أن البرلمان هو مجرد صورة جرى تشكيله تحت رعاية أجهزة السلطة فهو لا يمثل الشعب حقيقة. ثانيها، أن إجراءات الخصخصة في مصر تتم في مناخ كامل من انعدام الشفافية، ويبرهن على ذلك أحكام القضاء في عدد من تجارب الخصخصة التي جرت في عهد مبارك وحجم الفساد التي شابها. ثالثها، أن الخصخصة في مصر طالت قطاعات حساسة وبالغة الأهمية ونقل ملكيتها من الشعب إلى حفنة من المستثمرين المصريين أو الأجانب يمثل تهديدا للأمن القومي للبلاد مثل صناعة الحديد والصلب والصناعات الثقيلة، والخدمات العامة كالكهرباء والمياه والنقل والسكة الحديد والمترو وغيرها؛ وقد يترتب على ذلك اضطرابات اجتماعية لا يمكن احتواؤها مثل رفع أسعار الخدمات بصورة كبيرة تفوق قدرات معظم المواطنين. ولذلك اعتبرت تجربة الخصخصة في مصر ثاني أسوأ تجارب الخصخصة في العالم بعد تجربة روسيا في عهد بوريس يلتسين.