كما عموم مصر في عهد المنقلب السفيه السيسي، والتي باتت محاطة بالغموض والشكوك، يدخل قطاع الطب وخدمات صحة المصريين باب المجهول والغموض، على إثر تدني المخصصات المالية والمستلزمات الصحية وتدني الرواتب وفقدانها قيمتها المعيشية، وباتت صحة المصريين على المحك.
ووفق شهادات أطباء وتدويناتهم على مواقع التواصل الاجتماعي، باتت مشروعات الصحة مؤجلة ومهددة بالتأجيل بل والإلغاء، وفي مقدمتها منظومة التأمين الصحي.
ويلف الغموض مستقبل منظومة التأمين الصحي الشامل في مصر، واستمرار مراحل تطبيقها بسبب الأزمة الاقتصادية الكبيرة التي تعيشها البلاد وهجرة الأطباء، وسط شح في الأدوية ونقص في الإمكانيات المادية، وتوالي أزمات توفر المستلزمات الطبية والدوائية.
يثير كل ذلك شكوكا حول إمكانية تطبيق المنظومة بالكامل أو حتى استمرارها، رغم أن الحكومة قالت قبل سنوات إنها ستكون بديلا عن النظام التأميني القائم، الأمر الذي لا يزال يلقي رفضا من الأطباء في مصر، الذين يعزفون عنها، إلى جانب صعوبات تتمثل في أعدادهم، لا سيما مع هجرة الأطباء إلى الخارج بسبب ظروف العمل الصعبة محليا والأزمة الاقتصادية وضعف الأجور.
وبعد خمس سنوات منذ انطلاق تطبيق المرحلة الأولى من مشروع التأمين الصحي الشامل، ما زال أهالي محافظات شهدت تطبيق المنظومة الصحية الجديدة فيها، يؤكدون أنها ظلت أسيرة مشكلات عدة، لا سيما نقص المستلزمات الطبية والدوائية، ورفض تجاوب الأطباء ونقص عددهم.
ووفق شهادات أهالي بورسعيد والإسماعيلية، يتم استقطاع مبالغ كبيرة من رواتب ومعاشات مقابل خدمات التأمين الصحي الشامل، ومع ذلك ليست هناك خدمة تُقدم لهم تستحق هذا المبلغ، مع الأزمات المتكررة، لا سيما عدم توفر الأطباء.
بجانب أن الموظفين يجدون صعوبة في التعامل مع المنظومة الإلكترونية التي أقرها التأمين الصحي الشامل، ويقعون في أخطاء عديدة، ما يتسبب في تكدس المرضى.
ولعل التطور الوحيد في المنظومة أن بعض المستشفيات شهدت طفرة على مستوى المباني والأسرّة والإمكانيات، لكنها في المقابل تعج بالزحام، وليست هناك نقاط نظام من الممكن أن تساعد على بقائها في حالة جيدة.
كما أن العديد من المرضى يدخلون في مشادات مع الممرضين وأفراد الأمن بسبب عدم وجود أطباء، وكذلك انتظارهم فترات طويلة قبل عرضهم على متخصصين.
هجرة بلا عودة
وبحسب تقرير لموقع Middle East Eye البريطاني، الأربعاء 1 فبراير 2023 يستقيل الأطباء المصريون بشكل جماعي من النظام الصحي الذي تديره الحكومة، بسبب الاستياء المتزايد من استمرار الرواتب المنخفضة والمستشفيات التي تعاني من نقص التمويل.
وفقا للجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء، كان هناك ما مجموعه 91500 طبيب يعملون في مصر عام 2020.
إلا أنه بحسب تقرير الموقع، فإن من بين 212853 طبيبا مسجلين في نقابة الأطباء، غادر أكثر من نصفهم (120000 طبيب) مصر بالفعل إلى بلدان أخرى في السنوات القليلة الماضية.
وتؤدي عمليات الإغلاق إلى نقص حاد في مستشفيات الدولة في البلاد، وانخفاض حاد في نسبة الأشخاص إلى الأطباء في مصر.
الغموض سيد الموقف
وتشمل المرحلة الأولى للمنظومة الصحية الحديثة 6 محافظات تضم "بورسعيد، والأقصر، والإسماعيلية، وجنوب سيناء، والسويس، وأسوان"، لكن ما زال المشروع لا يشمل كل مستشفيات محافظة الإسماعيلية وجنوب سيناء وأسوان، كما أنه لم يصل بالأساس إلى السويس.
بحسب الجدول الزمني المعلن من الحكومة، فإنه من المفروض أن يكون التطبيق حاليا قد انتهى في محافظات المرحلة الثانية.
وكانت الحكومة أعلنت سابقا أنها سوف تطلق العمل في المرحلة الثانية من المشروع العام الجاري، لكن جرى تأجيل الموعد إلى أجل غير مسمى، إلى حين انتهاء المرحلة الأولى، وسط مخاوف من عدم اكتمالها.
كما تعاني مراكز المحافظات المطبق بها مشروع التأمين من عدم ضم جميع المدن والقرى ضمن المشروع.
ويعدّ مشروع التأمين الصحي الشامل نظاما تكافليا اجتماعيا حكوميا، تقدم من خلاله خدمات طبية لجميع المواطنين، ويعالج القانون رقم 2 لسنة 2018 تفاصيل إدارة المشروع الذي يطبق في محافظات مصر تباعا عبر 6 مراحل، في الفترة من 2018 حتى 2032.
ويهدف المشرع بحسب الحكومة إلى إصلاح نظام الرعاية الصحية بالكامل، وليس قطاع التأمين الصحي فقط، بما يحقق التكافل الاجتماعي بين أفراد المجتمع.
غياب التمويل
وبحسب مصدر في وزارة الصحة كشف في تصريحات إعلامية، أن ما يعرقل تطبيق منظومة التأمين الصحي الشامل، ويهدد بفشلها، هو "عدم وجود تمويل لتغطية التكلفة التي تحتاجها المستشفيات والمراكز الصحية لتأهيلها".
إلى جانب ذلك "وجود نقص في عدد الأطباء والتخصصات التي تحتاجها المنظومة بسبب هجرتهم أو كونهم غير موافقين على الأجور التي سيحصلون عليها، ويتهربون من الانضمام إليها".
فيما تراهن وزارة الصحة والأطباء على تمويل اليابان لوزارة الصحة، بشأن تقديم قرض بقيمة 44 مليار ين ياباني (نحو 330 مليون دولار) لدعم تنفيذ منظومة التأمين الصحي الشامل في مصر، والذي جرى التوافق عليها بين ممثلين عن اليابان ووزيرة التعاون الدولي المصرية رانيا المشاط، في 22 فبراير الجاري.
إلى جانب الأزمات الكبرى بوزارة الصحة ونقص الأطباء، يبقى الأطباء هم من يدفعون من تدهور موازنة الصحة، لأنهم يدفعون بشكل مباشر ثمن نقص الإمكانيات، ويتعرضون يوميا لمضايقات من المرضى، الذين يشكون من أنهم يدفعون ثمن خدمة لا يحصلون عليها.
ويدفع الفرد الواحد في الأسرة المصرية 50 جنيها شهريا، للحصول على خدمة حكومية تقدم مجانا، مع ذلك فإنهم يشكون مشكلات يومية في المستشفيات التي يترددون عليها.
وهو ما يدفع نحو مزيد من هجرة الأطباء، وبحسب أرقام النقابة، فإن نسبة الأطباء المصريين في الخارج بلغت 62%، فيما تزايدت أعداد الأطباء المستقيلين من الصحة بنسبة كبيرة خلال السنوات الست الماضية أيضا، ليصل العدد إلى 16 ألف طبيب، بحسب بيان للنقابة في شهر مارس 2022، إلى جانب أزمات تدني الأجور، التي تتراوح أغلبها ما بين 4000 جنيه إلى 8000 جنيه.