سلالم النقابة هي العامل الأبرز في انتخابات نقابة الصحفيين التي تُجرى يوم الجمعة المقبل على منصب النقيب و6 أعضاء بالمجلس، وقد فطن نظام الانقلاب إلى هذه الحقيقة، فسارع برفع الكفن عن واجهة النقابة الذي ظل ما يقرب من 5 سنوات يغطيها تحت مزاعم التطوير، في حين أن الحقيقة التي يدركها كافة الصحفيين هي أن الهدف كان منع الفعاليات والاحتجاجات التي كانت تنظم على سلالم النقابة والمؤتمرات التي تعقد في قاعاتها، للمطالبة بحقوق مختلف القطاعات والكشف عما تعانيه من أزمات.
حتى الصحفيين الذين كانوا يؤيدون الانقلاب اكتشفوا أنه تم خداعهم، حيث عمل السيسي على تكميم الحريات وإغلاق الصحف والمواقع واعتقال الصحفيين وانتهاك حقوق الإنسان، وهو ما جعل مصر في الحضيض في مختلف التصنيفات والاستطلاعات التي تجريها المؤسسات والهيئات الإعلامية العالمية .
ويتفق الجميع على أن الانتخابات الحالية تمثل فرصة للتغيير ومواجهة الانتهاكات الانقلابية وإعادة الحريات وحقوق الإنسان إلى موضعها الطبيعي ومنح سلم النقابة مكانته كرمز لكل هذه الأمور.
النقيب الميري
مع ما تواجهه المهنة وأبناؤها من تحديات وانخفاض سقف الحريات والقبض على عدد من الصحفيين، فضلا عن استمرار تسريح الصحفيين من مؤسساتهم واحتلال مصر المركز 166 من بين 180 دولة لعام 2021، بينما تحتل المرتبة الثالثة عالميا بقائمة أكثر الدول احتجازا للصحفيين، بحسب لجنة حماية الصحفيين الدولية. وفي ظل غياب إحصائية رسمية بعدد الصحفيين المعتقلين قال عضو مجلس النقابة محمد سعد عبد الحفيظ في نوفمبر الماضي إن "14 صحفيا نقابيا، بالإضافة إلى آخرين غير نقابيين، معتقلين على ذمة قضايا رأي".
وباستثناء أصوات عبد الحفيظ وكامل ويونس وخراجة، اعتاد المجلس ترديد أن الصحفيين المعتقلين مجرد سجناء جنائيين ولا علاقة لهم بتهم النشر والرأي، وفق تصريح خالد ميري، المرشح نقيبا، في مايو 2019، ردا على تدشين حملة صحفية وقتها لدعم الصحفيين ضحايا الحبس والتدابير الاحترازية والاختفاء القسري، وهي الرواية ذاتها التي تتبناها سلطات الانقلاب.
ومع حلول الانتخابات، تغيرت لهجة ميري من الصحفيين المحبوسين مجرد سجناء جنائيين ولا علاقة لهم بتهم النشر والرأي، إلى الزعم أن مجالس النقابة المُتعاقبة عملت على ملف الصحفيين المُحتجزين، وعمل مجلس النقابة برئاسة النقيب الحالي المُنتهية ولايته ضياء رشوان، على هذا الملف بقوة.
وقال ميري في تصريحات صحفية إن "رشوان نجح بالتعاون مع المجلس في الإفراج عن عشرات الزملاء، وذلك بالتفاوض مع أجهزة الانقلاب متعهدا بالعمل على هذا الملف حال فوزه بمقعد النقيب، حتى الانتهاء منه، وغلقه بشكل كامل" وفق تعبيره.
ويواجه "ميري" على مقعد النقيب الصحفي خالد البلشي الذي شغل عضوية مجلس النقابة في دورات سابقة ويتمتع بشعبية بين الصحفيين بسبب دعمه للحريات واهتمامه بهموم المهنة، ويعتمد على أصوات الشباب، بعكس "ميري" الذي يعتمد بشكل أساسي على التعليمات التي تصدر للصحف القومية بانتخاب المرشح الحكومي، بالإضافة إلى الرشاوى الانتخابية التي تعتبر السبب الأول في فوز مرشح الحكومة بشكل شبه دائم.
بيت الأمة
من جانبه قال قطب العربي عضو المجلس الأعلى للصحافة السابق إن "انتخابات نقابة الصحفيين هي الحدث الأكثر حضورا في المشهد السياسي حاليا، مشيرا إلى أنه مع إغلاق باب الترشح اتضحت حدود الخارطة الانتخابية، حيث ترشح لمنصب النقيب 6 مرشحين أبرزهم مرشح حكومي خالد ميري وآخر ينتمي للمعارضة اليسارية خالد البلشي، كما ترشح عدد كبير كالعادة لعضوية نصف مجلس النقابة.
وأكد العربي في تصريحات صحفية أن انتخابات النقابة هذه المرة تجرى في ظل حالة غضب متنام للنخب المصرية التي راهنت على السيسي وأيدت انقلابه على الرئيس الشرعي قبل تسع سنوات، واكتشفت تلك النخب وبينها بعض النخب الإعلامية خطأ رهانها، مع انكشاف زيف ادعاءات ووعود السيسي ببناء دولة قوية حديثة، وظهر بديلا لتلك الوعود حالة من الفشل العام السياسي والاقتصادي والأمني، في ملفات كبرى مثل أزمة سد النهضة، وأزمة الديون الخارجية، ومواجهة الإرهاب في سيناء والتنازل عن جزيرتي تيران وصنافير.
وأشار إلى أن القضية التي كانت تمثل تحديا مباشرا هي اقتحام شرطة الانقلاب لمقر نقابة الصحفيين لأول مرة في تاريخها واعتقال صحفيين من داخلها، ثم مصادرة النقابة ذاتها منذ ذلك التاريخ، وتكفينها بقماش بال بحجة إعادة تطوير واجهتها، وهي عملية وهمية لم تكن النقابة بحاجة إليها، وحتى لو كانت بحاجة إليها فهي لا تستغرق شهرا أو شهرين لكنها استغرقت حتى الآن أكثر من 4 سنوات، وقد تيقن الجميع أن الهدف هو تكميم النقابة ذاتها وليس فقط واجهتها ومداخلها، وهو ما حدث فعلا بمنع تنظيم الفعاليات داخل النقابة طيلة تلك السنوات، كما تم تلغيم سلالم النقابة بأكوام من الحديد لمنع تنظيم أي وقفات عليها كما كان يحدث من قبل.
ضربة البداية
وأوضح العربي أن سلالم وقاعات نقابة الصحفيين كانت هي بيت الأمة قبل ثورة يناير، يهوي إليها أصحاب المظالم ليعبروا عن مظالمهم عبر وقفات على سلالمها أو عبر ندوات ومؤتمرات صحفية في قاعاتها؛ لافتا إلى أنه في هذا الإطار احتضنت النقابة عشرات الوقفات الاحتجاجية لفئات عديدة من العمال والموظفين والطلاب وأهالي بعض المحافظات والأحياء ، وكانت تلك الوقفات مع غيرها من الفعاليات التي تصاعدت منذ منتصف العشرية الأولى للقرن الحالي هي مقدمات ثورة 25 يناير 2011، التي كان لنقابة الصحفيين دور كبير فيها.
وأكد أن نقابة الصحفيين طيلة حكم السادات ومبارك لم تكن منكفئة على نفسها كما هي اليوم، ولم تقصر في دورها النقابي الطبيعي، ودفاعها عن المهنة وعن حرية أعضائها، لكنها في الوقت نفسه كانت منفتحة على قضايا الوطن محتضنة لكل ما يخدم الوطن والمواطن، كانت قائدة للنقابات المهنية في تصديها للتطبيع مع الكيان الصهيوني في حياة الرئيس السادات، وكانت النقابة الوحيدة التي أجبرت مبارك على إلغاء قانون مسيء لحرية الصحافة بعد إقراره في البرلمان وتصديق رئيس الجمهورية عليه، ونشره في الجريدة الرسمية، وكانت في طليعة النقابات المهنية رفضا للقانون الموحد للنقابات الذي استهدف حصار أنشطتها.
وأضاف العربي، لكن النقابة التي تستعد لإجراء انتخاباتها تعيش اليوم أسوأ أيامها، فحرية الصحافة في حضيض غير مسبوق، حيث تحتل مصر المرتبة 168 في المؤشر العالمي، وتقبع بذلك في المنطقة السوداء لحرية الصحافة، وهي في المركز الثالث عالميا لحبس الصحفيين وهي ضمن الدول الأكثر حجبا للمواقع بأكثر من 600 موقع، كما تغيب التعددية والتنافسية في الإعلام، بعد أن وضعت سلطة الانقلاب يدها على غالبية المنابر الإعلامية من صحف وقنوات ومواقع، لنصبح أمام إعلام الصوت الواحد، وهو الإعلام الذي ارتكب جرائم يعاقب عليها القانون بحق الشعب من إثارة وتضليل وتحريض على الفتن.
واعتبر أن هذه الانتخابات هي فرصة حقيقية للصحفيين لاختيار مجلس يعيد للنقابة والمهنة هيبتها وكرامتها، ويتمكن من تحسين الظروف المعيشية للصحفيين، وإطلاق سراح السجناء منهم وإعادة المواقع والقنوات والصحف المغلقة، ولتكون هذه التغيرات هي ضربة البداية لتغييرات كبرى في المشهد السياسي عموما
أكاذيب انتخابية
وقال محمود كامل عضو مجلس الصحفيين والمرشح الحالي إن "أحد المرشحين على مقعد النقيب ومن معه ادعى صدور قرار مجلس بالإجماع بشأن الموافقة على ترميم واجهة النقابة، معتبرا أن ما ذكره أكاذيب انتخابية للهروب من المسئولية أمام الجماعة الصحفية".
وأضاف كامل في تدوينات على حسابه بـ"فيسبوك" هناك عدة نقاط تكشف الحقيقة :
ـ في 25 ديسمبر 2021 رفضت طلبا بالتمرير للموافقة على تجديد واجهة النقابة.
ـ قلت في حيثيات رفضي إنني أحمل من وافق المسئولية كاملة على هذا الأمر الكارثي.
ـ أوضحت أن الإجراءات المتخذة في هذا الشأن انفرد بها السكرتير العام ولم يطلعنا عليها.
ـ أكدت أن الترميم يتعلق فقط بالكرانيش التي يسقط جزء منها وليس بواجهة النقابة كلها، وبالتالي نحن أمام واقعة إهدار مال عام تتطلب التحقيق فيها.
ـ طلبت عقد اجتماع عاجل للاطلاع على الأوراق والتفاصيل، وأكدت أن قرارا ماليا كبيرا كهذا يتعلق بملايين الجنيهات من أموال النقابة لا يمكن أن يتم اتخاذه بالتمرير عبر واتساب.
ـ قبل هذا التاريخ كنت قد طالبت المجلس ومعي بعض الزملاء برفع السقالات من واجهة النقابة وشرحت أن بقاء هذه السقالات ليس له أي مبرر منطقي وما ساقه السكرتير العام بشأن بقائها لا يقبله أي عقل.
ـ طالبت بالتحقيق في بقاء السقالات على واجهة النقابة طوال هذه المدة دون مبرر ولم يستجب المجلس.
وكشف كامل أن أغلبية الأصوات في المجلس عطلت أي قرار تطالب به الجماعة الصحفية بالأغلبية برفع السقالات، معربا عن اندهاشه لأن هذه الأغلبية كانت تريد الاستمرار بنفس الطريقة.